
عم أحمد حاول يتدخل ويصلح، بس بابا ما إداهمش فرصة، وطردهم برة الشقة ورزع الباب في وشهم.
قعدت على الكنبة وأنا بتنفس بصعوبة، حاسة إن جبل انشال من على صدري. بس وأنا فاكرة إن الموضوع انتهى عند اللحظة دي، موبايلي رن برقم غريب.. فتحت الخط بالراحة، وسمعت صوت حماتي السابقة وهي بتقول بشر ونبرة انتقام:
“فاكرة إنك كده خرجتي منها وشاطرة يا ندى؟ والله لأخلي سمعتك على كل لسان في المنطقة وأخليك ما تعرفيش ترفعي عينك في وش حد.. وهتشوفي اللي هعمله فيكي!”
قفلت السكة في وشها وقلبي بيضرب بجنون، بس في اللحظة دي مكنش الخوف هو المسيطر عليا، كان التحدي. حماتي القديمة فاكرة إن التهديد ده هيخوفني، بس هي ما تعرفش إن اللي يكسر كرامة بنت الأصول ما يقدرش يكسر قناعتها بنفسها. بابا لاحظ توتري، فقعد جنبي، طبطبت إيده على كتفي وقال بقوة وحنية:
“ما تخافيش من حد يا بنتي، طول ما إنتي ماشية صح. اللي يهدد بقلة الأصل، ربنا سبحانه وتعالى بيفضحه.”
تاني يوم الصبح، الكلام بدأ يوصل لناس من العائلة ومن الجيران؛ حماتي ما خسرتش وقت وبدأت تلف وتوزع سمها، وتقول لكل اللي تقابله إن أنا اللي قليلة أدب، وإني سبت البيت عشان “شوية مواعين”، وإن ابتها البريء مظلوم! ناس كتير اتصلت تستفسر، وبابا كان بيرد بكل ثقة ويحكي الحقيقة من غير زيادة ولا نقصان. اللي كان بيسمع الحكاية كامضة، كان بيلعن أبو أحمد وأمه، ويعرف إن ربنا نجاني من عيلة مريضة.
بس الصدمة الحقيقية حصلت بعد أسبوع من الموضوع ده. كنت قاعدة في أوضتي، ولقيت رسالة على الواتساب من رقم غريب، فتحتها ولقيت صورة سكرين ش็ت لكلام مكتوب على جروب الفيسبوك الخاص بالمنطقة، وفيه اتهامات باطلة ليا بتطعن في أخلاقي، ومنزلة من حساب وهمي وراه بصمات عيلة أحمد وحماتي!
الدم فضل يغلي في عروقي من قمة الظلم والجرأة دي. مش بس طردوني وهانوني، لا، ده كمان عايزين يشوهوا سمعتي علني قدام الكل!
طلعت لماما وبابا وأنا بوريها الموبايل، وقولت بصوت منهار من القهرة:
“شايفين وصلوا لفين؟ دي ناس ما تتقيلمش ربنا.. أنا مش هسكت على المهزلة دي!”
بابا بص للرسالة وشده الغضب ملامح وجهه، وقال بنبرة قاطعة:
“دي كده دخلت في قذف وافتراء وسمعة بنات.. دي مش تسوية ودية يا ندى، دي قضية في مباحث الإنترنت وهنجيب حقنا بالقانون، ولازم يعرفوا إن الله حق.”
وفعلاً، في نفس اليوم، بابا أخد كل السكرين شوتس وطلع على مباحث الإنترنت، وحرر محضر رسمي بالسب والقذف والتشهير ضد الحساب الوهمي المرتبط بعيلة أحمد.
مرت أيام، وفي ليلة هادئة، جرس الباب رن. فتح بابا الباب، وفجأة لقينا أبو أحمد وعمه واقفين وبرة معاهم شخص تاني يبدو إنه محامي أو مأذون، ووشوشهم صفرا وباهتة تماماً، ومليانه خوف وكسرة عين!
أبو أحمد وقف على العتبة مش قادر يرفع عينيه في عين بابا، وعمه تقدم خطوة وهو بيحط إيده على صدره وبيقول بصوت مرتعش مليان رجاء:
“يا أبو ندى… أرجوك ادخلنا، إحنا جايلك في بيت الأصول ومستنيين منك العفو والمغفرة.”
بابا وقف بصلابة الشجر المثمر، ما وسعش الطريق، وقالم بصوت جاف زي الحجر:
“خير يا أبو أحمد؟ البيت ده مقفول في وش اللي ما يحترمش حرمته، ورجالته ما بيستقبلوش اللي يطعنوا في شرف بناتهم بالباطل.”
عم أحمد اتدخل وهو بيفتح محفظته وبيطلع أوراق وقدمها لبابا:
“يا أبو ندى، إحنا عرفنا إن مباحث الإنترنت جابت أصل الحساب الوهمي، والنيابة طلبت استدعاء لأم أحمد وبنتها… إحنا جايين ونبوس إيدك تسحب المحضر. الفضيحة هتطولنا كلنا، وأم أحمد من ساعة ما جيلها الاستدعاء وهي محجوزة في المستشفى بضغط عالي من الخوف! أحمد ابني اتدمر، والناس في المنطقة كلها بقت تبص لنا بنظرة قرف بعد ما الحقيقة بانت.”
أبو أحمد كمل بكسرة عين حقيقية ودموعه على خده:
“والله ما كنت أعرف باللي أم أحمد عملته على النت، أنا راجل ماليش في الكلام ده، وحقك وحق بنتك على رأسي من فوق. اكتب الشروط اللي تعجبك، وإحنا مستعدين نكتب اعتذار رسمي في نفس الجروب ونعوضكم عن أي ضرر، بس بلاش حبس ومحاكم… ستر ربنا علينا وعليكم.”
في اللحظة دي، أنا خرجت من جوة ووقفت جنب بابا. بصيت لأبو أحمد وعمه وقلت بصرامة وثبات هز أركان المكان:
“أنتم مش جايين تعتذروا عشان عرفتم الحق، أنتم جايين عشان خفتم من العقاب! لما هنتوني في بيتكم وسكتوني بالباطل، استقويتم عليا عشان فاكرين المكسورة ملهاش ظهر. ولما حبتم تشوهوا سمعتي، نسيم إن ربنا هو الحسيب والمطلع. أنا مش هسحب المحضر إلا بشرط واحد لا ثاني له.”
أبو أحمد قاطعتني بلهفة:
“شرطك مجاب يا بنتي… قولي اللي إنتي عايزاه!”
قلتله وأنا بصلهم بكل شموع وكبرياء:
“تنزلوا اعتذار باسم أحمد وأمه وأخته على نفس الجروب، بتعترفوا فيه بالافتراء والتشهير، وتعتذروا ليا ولأبويا قدام المنطقة كلها. وتعهد كتابي هنا بعدم التعرض ليا أو لأهلي بكلمة واحدة.. وبعدها بس، هخلي المحامي يسحب بلاغ الحبس، ونسيب القانون الإلهي ياخد مجراه معاكم.”
وافق أبو أحمد وعمه فوراً وهم بيترجوا، ووقعوا التعهد، وفي خلال ساعات كان الاعتذار نازل على الجروب، والكل عرف إن ندى بنت الأصول ردت حقها بالقانون والكرامة، وإن أحمد وأمه درسوا أقصى درس في حياتهم بعد ما بقت فضيحتهم على كل لسان في المنطقة.
مرت الأيام، ورمضان خلص، وجيه العيد وأنا حاسة براحة نفسية وعزة نفس ما حسيتهاش من زمان. عرفت وقتها إن ربنا ما بيجيبش حاجة وحشة أبداً، وإن الطبقين اللي كانوا سبب المشكلة، كانوا مجرد سبب سخره ربنا عشان يكشفلي حقيقة بني آدم كنت هربط حياتي بيه وأعيش معاها في جحيم ملوش آخر.
الحكمة:


