
حجز الحريم في المركز كان عبارة عن أوضة ضيقة، ريحتها جير ومية مجاري، فيها أربع ستات متهمات في قضايا سرقة وآداب. أول ما دخلت بالجلابية المبلولة والأغلال في إيدي، كلهم بصلوا لي باستحقار. الستات في السجن لهن قانون؛ اللي داخلة في سرقة أو خناقة ليها وضعها، لكن اللي داخلة في قتل طفلة… أصلح وحدة فيهم بتشوفها أحقر من التراب.
قعدت في زاوية جنب الحيطة، ساندة ضهري على الأسمنت البارد. ليلة كاملة ما غمضتش فيها عين. كنت كل ما أغمض، أشوف البنت الصغيرة وهي بتمد دراعها الصغير جوة البرميل، وأسمع الصرخة اللي هزت البيت. بقيت أهدي نفسي وأقول: “أنا ما زقيتهاش، أنا بس قلت لها هاتي مية”، بس الضمير—اللي صحي بعد فوات الأوقات—كان بيلطمني على وشي ويقول لي: “أنتِ عارفة إنها قصيرة، وعارفة إنها هتغرق، أنتِ قتلتيه باختيارك”.
صباح اليوم التالي، الساعة تسعة، طلعوني بالكلابشات لغرفة وكيل النيابة.
أوضة وكيل النيابة كانت واسعة، فيها مكتب خشب ضخم وأوراق متلتلة. وكيل النيابة كان راجل شاب، ملامحه حادة وزي السيف، عينه مفيهاش أي تعاطف. على الجانب الثاني كان قاعد المحامي بتاع هدى، وهدى بنفسها قاعدة بكل ثبات، لابسة أسود في أسود، وشها زي الصخر.
جلس وكيل النيابة وفتح الملف قدامه، وبدأ يستجوبني بصوت هادي يرعب:
«اسمك سميرة عبد الحليم؟»
رديت بصوت يادوب مسموع: «أيوة يا بيه.»
«أنتِ متهمة بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد للطفلة شهد، ابنة أخت زوجك. إيه أقوالك؟»
انهرت بالبكاء، ورفعت إيدي المتقيدة:
«والله ما قتلتها يا بيه! أنا بس طلب منها تجيب مية عشان المية كانت مقطوعة فوق! البت اتزحلقت ووقعت قضاء وقدر! أنا جنيت وجبتها بنفسي من البرميل، لو عايزة أقتلها كنت سيبتها تموت من غير ما حد يشوفها!»
هنا دخل محامي هدى، وطلع من شنطته فلاشة صغيرة ودفتر أوراق:
«يا فندم، أقوال المتهمة كلها كذب وتضليل للمحكمة. إحنا بنقدم للنيابة العامة الدلائل الآتية: أولاً، شهادة الفني بالشركة القابضة لمياه الشرب، اللي بتثبت إن المية في المنطقة ما قطعتش نهائي في اليوم ده ولا اليوم اللي قبله، وإن الخزان والشقة فوق كان فيهن مية تدفقها طبيعي جداً.»
حسيت كأن حد ضربني على دماغي بحجر. المية ما قطعتش! الكدبة البسيطة اللي اختلقتها عشان أضحك بيها على البنت الصغيرة، بقت هي الدليل اللي بيشنقني!
المحامي كمل بثبات:
«ثانياً، بنقدم تفريغ للمكالمات المسجلة من هاتف المجني عليها (والدة الطفلة)، اللي بتثبت وجود خلافات حادة وتهديدات مستمرة من المتهمة لطردهن من بيت العيلة. وثالثاً، والأهم، بنقدم تقرير الطب الشرعي المبدئي اللي بيؤكد وجود كدمات وضغط على ذراعي الطفلة، مما يدل على إنها اتشدت بالقوة أو اتدفعت باتجاه عميق، بالإضافة لرواية الطفلة وهي في العناية المركزة لطاقم التمريض!»
وكيل النيابة بص لي بنظرة شاردة، وكتب كلمات سريعة في الورق قدامه، بعدين رفع عينه وقال:
«أنتِ كنتِ عارفة إن الطفلة طولها لا يتعدى 80 سم، وإن ارتفاع البرميل متر وعشرين؟ عارفة إن كرسي الخشب اللي حطيتيه غير ثابت وبيهتز؟»
أتأت وأنا بلعثمت: «أنا… أنا ما قستش الارتفاع يا بيه… أنا ما فكرتش…»
زعق وكيل النيابة بصوت هز الأوضة:
«ما فكرتيش؟! تتطلبي من طفلة عندها أربع سنين تملى علبة مية من برميل أعلى منها بمتر، وتسيبيها لوحدها في الجنينة وتقفلي الباب وتدخلي تجيب جوزك يستحمى عشان تتأكدي إن محدش ينقذها في الوقت المناسب؟! ده مش إهمال يا سميرة… ده ترتيب شيطاني لقتل روح بريئة عشان شقة وبيت عيلة!»
ضرب وكيل النيابة بالقلم على المكتب، وقال بصوت حاسم يقطع العرق والسيح:
«تقرر حبس المتهمة سميرة عبد الحليم أربعة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في الموعد المحدد، وتوجيه تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار وفقاً للمادة 230 من قانون العقوبات، وإحالة القضية لمقاضاة الجنايات العاجلة!»
هدى وقفت ببطء، بصت لي وقالت جملة واحدة قبل ما تخرج من الأوضة:
«الدم ما بيبقاش المية يا سميرة… المية اللي كنتِ عايزه تطفشينا بيها، هي اللي هتخنقك في المشنقة.»
رجعوني السجن العمومي في المحافظة. السجن العمومي مكان غير حجز المركز، هنا العالم الأخير. عنبر الجنايات، جدران عالية، سلك شائك، ونظام حديدي مفيش فيه ياما ارحميني.
دخلت العنبر، قفلوا الباب الصاج الكبير بصفارة يرعب لها القلب. المكان كان مليان ستات؛ فيهم اللي محكوم عليها بالإعدام، وفيهم اللي لابسة البدلة البيضاء ومستنية الاستئناف. أول ما عرفوا تهمتي، القتلة بتوع الأطفال، بقيت مكروهة حتى من أكبر المجرمات في العنبر. محدش كان بيكلمني، محدش كان بياكل معايا، وكنت بنام على الأرض الفاضية جنب دورة المياه.
مرت الأيام، التحقيقات كانت ماشية بسرعة الصاروخ. هدى ومحاميها ما سابوش ثغرة واحدة. ومحمود جوزي؟ محمود بعت لي ورقة الطلاق عن طريق المحامي بعد أسبوع واحد من الحبس.
الورقة وصلت لي جوة العنبر. ورقة بيضاء، فيها كلمتين طيروا اللي فاضل من عقلي: “أنتِ طالق يا سميرة، ولا أنتِ مراتي ولا أعرفك، والعيال أهلي أخدوهم مني وربوهم بعيد عن اسمك وعارك. البيت اللي كنتِ عايزه تملكيه لوحدك، بقى يتقال عليه بيت القاتلة”.
البيت اللي ضحيت بعمري وبديني وبإنسانيتي عشان أملكه، سيبته وسيبت معاه جوزي وعيالي وسمعتي وأهلي.
بعد شهرين في الحبس الاحتياطي، جه يوم العرض على محكمة الجنايات.
طلعت من سيارة الترحيلات وأنا لابسة بدلة الحبس الاحتياطي البيضاء، أيدي ورجلي في السلاسل. دخلت القفص الحديدي الكبيرة جوة القاعة. القاعة كانت مليانة على آخرها؛ صحفيين، أهالي العزبة، قرايبي اللي كانوا واقفين ورا ومش عايزين يبصوا لي، وهدى قاعدة في الصف الأول جنباً إلى جنب مع محمود.
وقف الحاجب وصرخ بصوته المعتاد:
«محكككككمة!»
دخلت الهيئة الجليلة، وقعد القضاة على المنصة. رئيس المحكمة تنحنح، وفتح الملف الضخم اللي مكتوب عليه بالبنط العريض: “القضية رقم … جنايات مركز … – تهمة القتل العمد”.
بدأت المرافعة، محامي الدفاع اللي عينه محمود لي من باب رفع العتب ما قدرش يقف قدام أدلة النيابة. محامي هدى اتكلم بلسان النار، وعرض الصور، والشهادات، وتقرير الطب الشرعي. وفي لحظة، طلب رئيس المحكمة مني الوقوف في القفص.
وقفت، ركبي بتخبط في بعضها، وجسمي بيرتعش زي الورقة الشجر في الهواء.
بص لي رئيس المحكمة بنظرة وقار وصارمة، وقال:
«هل لديكِ كلمة أخيرة تقوليها للمحكمة قبل النطق بالحكم؟»
مسكت باريال القفص الحديدي، وبصيت لهدى ولمحمود، وعيني نزلت في الأرض بكسرة مفيش بعدها كسرة، وقلت بصوت مكسور، طالع من بئر حزن لا قاع له:
«أنا أذنبت يا سيادة القاضي… الشيطان عماني وخنقتني الأنانية لحد ما بقيت وحش. أنا ما تستاهلش الرحمة، بس والله العظيم القتل كان نتيجة لغلي وطمعي، مش رحمة بيا… أرجوكم خذوا بحقي من نفسي.»
سكتت القاعة كلها. القاضي رفع نظارته، وبص لأعضاء الهيئة على يمينه ويساره، وأومأ برأسه، وبعدها رفرف بالورق اللي في إيده وقال الحكم اللي هيحدد ياما الحياة في الضلمة… ياما الموت على المشنقة!
رئيس المحكمة عدل جلسته على المنصة، ووجه نظره الحاد ليا، ورفع الورقة ببطء وقال بصوت جوهري هز أركان القاعة:
«بإسم الشعب، محكمة جنايات المركز، المنعقدة جلستها علناً، قضت بمعاقبة المتهمة “سميرة عبد الحليم” بالسجن المشدد لمدة خمس عشرة سنة، وتغريمها المصاريف الجنائية!»
خمس عشرة سنة!
الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. مش الإعدام… مش حبل المشنقة، لكن خمسة عشر سنة في ظلمات السجن، في عنبر الجنايات، خمسة عشر سنة من عمري هتروح وأنا بصلي في الزاوية الضيقة، وشبح البنت الصغيرة مش هيسيب عيني لا بالليل ولا بالنهار.
أول ما القاضي ضرب الحاكم بالشاكوش وأعلن رفع الجلسة، الحراس نزلوني من القفص وأنا تايهة، كأني مش حاسة برجلين شايلاني. وأنا خارجة، بصيت بعين زايغة ولقيت هدى واقفة برة القفص. ما كانش في عيونها فرحة التشفي، كان فيها برود الموت، بصت لي وقالت بصوت همس:
«خمسة عشر سنة يا سميرة… هتقعديهم جوه تفتكري كل دقيقة وكل صرخة طلعت من بنتي… البيت اللي كنتِ عايزة تملكيه لوحدك، أهو بقى فاضي ليكي، بس إنتِ مسجونة وراء الحديد.»
محمود جوزي—أو طليقي—ما بصش في وشي نهائي، اخد بعضه ومشي من القاعة، وسبني للحراس اللي شدوني من إيدي عشان يرجعوني سيارة الترحيلات.
ركبت البوكس، واتقفل الباب الحديد عليا. رجعت تاني السجن العمومي، بس المرة دي وأنا محكومة، لابسة البدلة البيضاء اللي هتلازمني سنين طويلة.
دخلت عنبر الجنايات، الستات هناك بصوا لي نظرة خالية من الكلام، ورموني في أضيق زاوية في العنبر. قعدت على الأرض الخرسانية الباردة، ضميت ركبي لصدري، ودموعي نزلت بصمت.
البيت اللي حفرت بظفري عشان أمتلكه فوق وتحت، ضاع مني، وجوزي ضاع، وعيالي اتحرموا من اسمي، وعمري كله ضاع في لحظة طمع وغباء وشيطان سكن دماغي. عرفت وقتها إن الإنسان لما بيكبر في قلبه الغل والطمع، بيدي الشيطان مفتاح بيته، والشيطان مش بيكتفي بأنه يخرب البيت وبس… ده بياخد روح البريء، ويقفل على صاحبه باب جهنم في الدنيا قبل الآخرة.
قعدت وحدي في الضلمة، والباب الصاج بيتقفل عليا، ومش باقي ليا غير الندم، ندم متأخر ميجعش ميت، ولا يرجع طفلة بريئة لحضن أمها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




