
وقفت مكاني مش مصدقة، حاسة إن الدنيا بتدور بيا. ابني اللي تعبت فيه وربيته بيطلب مني المفتاح عشان خاطر مراته وأكل أمها! طلعت المفتاح من جيبي وأنا إيدي بتترعش من القهرة، رميته على الطاولة القدامه وقلت له بصوت طالع بالعافية ومخنوق بالدموع:
ـ خذ مفتاحك يا أحمد.. خذه واشبع بيه! بتبدى مراتك وأهلها على أمك اللي ربطت بطنها عشان تكبرك وتعمل لك شقة؟ ماشي يا أحمد، بكره تعرف قيمة أمك وقيمة اللي عملته معاك!
لفيت وشي ونزلت على السلم وأنا برجف، نزلت شقتي وقفت ورا الباب وعيني بتصب دموع غيظ وحسرة. أختك وأخوك كانوا قاعدين في الصالة، أول ما شافوني بالمنظر ده اتخضوا وجم يجروا عليا: “في إيه يا أمي؟ أحمد عمل معاكي إيه؟”.
حكيت لهم ونار الغيظ بتاكل فيا، قلت لهم ابني أخد مني المفتاح وزعق لي عشان بطتين وشوية مواعين، وهددني إنه مش هيدخل حد الشقة تاني! إخواته أول ما سمعوا الكلام ده اتجننوا، وأخوه الصغير قال بعصبية: “هو فاكر نفسه إيه؟ هي مراته كبرت دماغه علينا؟ والله لأطلع أوريه الأصول إزاي يكلم أمي كده!”.
حاولت أهدي الوضع شوية عشان المشاكل متكبرش، بس أخوه ما سمعش مني وطلع يجري على فوق، وأخته حصلته وهي بتتحسبن على مرات أخوها اللي قومت الابن على أمه.
سمعت صوت رزع الباب فوق وزعيق عالي جداً هز العمارة. طلعت جري وراهم، لقيت أخوه واقف في وش أحمد بيصرخ فيه:
ـ إنت إزاي تزعق لأمك وتطلب منها المفتاح عشان شوية فراخ ومواعين؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ هي الجوازة دي نسيتك أهلك وناسك؟
أحمد بص لأخوه بعيون مليانة شرار، وكان واصل لقمة الغضب، رد عليه بصوت زلزل الصالة:
ـ ما يخصكش يا محمد! دي شقتي وده بيتي، وأمي على راسي بس محدش له دعوة بتصرفاتي في بيتي! إنتوا دخلتوا بيتي في غيابي وكلتوا خزين البيت وسبتوا الشقة زريبة، وجايين كمان تحاسبوني إني بتكلم عن حقي؟
أخته دخلت في الكلام وصرخت:
ـ حقك؟ هو إحنا غرباء يا أحمد؟ إحنا إخواتك! بدل ما تقولي نورتوا بيتي وألف هنا وشفا، جاي تمشي كلام مراتك وأمها علينا؟ هي مراتك دي فاكرة نفسها مين؟
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات سريعة على السلم.. كانت مرات أحمد راجعة من عند أمها، ومعاها أمها وأبوها!
دخلوا من الباب المفتوح، وأمها أول ما شافت منظرة الشقة والمواعين والباركيه البايظ، وبصت للناس اللي واقفين يتخانقوا جوة، اتنفضت وبصت لأحمد ولنا وقالت بصوت جوهري وزعق هز المكان:
ـ إيه المهزلة دي؟! هو إحنا مجوزين بنتنا لراجل يصونها ويصون بيتها ولا مجوزينها لعيلة تدنس بيتها وتأكل شقاها وتستغل غيابه؟!
ساد الترت المطبوع في المكان لحظة، وكأن صاعقة ضربت الصالة. والدة مرات أحمد كانت واقفة وعينيها بتطق شرار، ووالدها واقف جنبها سكت بس ملامح وشو كانت مليانة غضب واستنكار شديد.
بصيت لها بأعلى ما عندي وصرخت فيها:
ـ إنتِ جاية تتكلمي في بيتي وعلى ابني؟ إنتِ نسيتي نفسك يا ست إنتِ ولا إيه؟ إحنا أهل البيت، وأنا أم صاحب الشقة، ندخل وقت ما نحب وناكل اللي نحبه، مش جاية تحاسبينا على بطتين وفرختين عملتيهم لبنتك!
أبو مرات أحمد اتدخل بصوت جهوري وهادي بس يقطع القول:
ـ لا يا أم أحمد، إحنا مش بنحاسبكم على بطتين وفرختين، الأكل ده فداء جزمة بنتي! إحنا بنحاسبكم على الأصول والكرامة والأمانة. إحنا بندي بنتنا خزين الشهر علشان نساعد جوزها ونخفف عنه الغلاء، مش علشان حضرتك تجمعي عيلتك وتيجي تفتحي البيت في غياب صاحبه وتعملي فيه عزومات، وتسيبوا الشقة خربة وراكم ومواعينكم تعفن في الحوض والتكييف يبوظ الخشب! هو إنتوا داخلين بيت ناس محترمين ولا داخلين بنسيون؟
محمد ابني اتنرفز وقرب من أبوها وقال:
ـ إنت بتتكلم مع أمي كده إزاي يا حاج؟ الزم حدودك، ده بيت أخويا!
أحمد اتنطر في النص ودق سدره وزق أخوه محمد لورى بغضب رهيب، وصرخ فيه بعيون مليانة دموع وقهرة:
ـ بسسسس! ولا كلمة تاني يا محمد! إنت ولا كلمة! الحاج بيتكلم صح ومفيش كلمة قالها غلط! إنتوا اللي قللتوا مني ومن بيتي وقيمتي قدام نسيبي! إنتوا استغليتوا إني مسافر وأمنتك يا أمي على المفتاح للضرورة، تقوموا تقلبوا بيتي زريبة وتاكلوا شقايا وتعب نسيبي، وفي الآخر جايين تتخانقوا وتطاولوا عليهم في بيتي؟
أخت أحمد صرخت وهي بتلطم على خدها:
ـ يا خسارة تربيتنا فيك يا أحمد! بقيت تبيع أمك وإخواتك عشان خاطر نسيبك ومرتك؟ بقى الست دي وأبوها يتهجموا على أمك في بيتك وإنت واقف تصفق لهم وتبص لهم بامتنان؟
أحمد بص لها ولنا بجمود وقسوة عمري ما شفتها فيه قبل كده، وقال ونبرة صوته المكسورة كأنها سيف:
ـ أنا مش ببيع حد، إنتوا اللي بعتوني وبعتوا كرامتي لما حطيتوني في الموقف الواطي ده! لما تخسّروني الشقة وتخلوا نسيبي يدخل يلاقي خزين بيته متستغل ومراتي متهانة ومطلوب منها تنضف قرف عزومة ما حضرتهاش، يبقى مين اللي باع مين؟
أم مراته بصت لي بنظرة قرف وقالت لبنتها بصوت حاسم:
ـ ادخلي يا حبيبتي لمي هدومك كلها وحاجتك.. الشقة دي مش هتقعدي فيها دقيقة واحدة، والبيت اللي ملوش حرمة وأهله بيستبيحوه في غياب صاحبه، بنتي مش هتعيش فيه تحت رحمة ناس ما بتعرفش الأصول.
مراته طلعت تجري على أوضة النوم وعياطها مالي الشقة، وأنا وقفت أصرخ:
ـ تلم هدومها وتروح فين؟ إنتِ جاية تخربي بيت ابني في وشنا؟ ابني مش غلطان، إحنا اللي أكلنا الشقة وأكلنا الأكل، لو مش عاجبها تروح تقعد عندك وما ترجعش!
أحمد بص لي وهو بينهج ونظراته عاتبة ومكسورة وقال بصوت واطي بس يرعب:
ـ ماشي يا أمي.. لو هي مش ترجع، أنا كمان مش قاعد في البيت ده تاني.. إنتوا خربتوا بيتي بإيديكم وكسرتوا نفسي قدام الناس اللي شالوني وأكرمني.
دخل أحمد ورا مراته الأوضة، وأنا وأخت أحمد ومحمد بقينا واقفين في الصالة مبهوتين، مش عارفين الموقف رايح لفين ولا العاصفة دي هتنتهي على إيه..
خرج أحمد من غرفة النوم وهو شايل شنط سفلية وشنطة هدوم مراته، ومراته وراه ماشية ودموعها مغرقة وشها ومخبية عينها في الأرض. أبوها مسك الشنط من إيده بكل هدوء ووقار، وأمها وقفت تبص لنا بقلة حيلة وأسف من غير ولا كلمة زيارة.
أنا اتسمرت مكاني، لساني اتعقد ومش قادرة أنطق، ورجلي مش شايالاني. محمد ابني حاول يقف في طريق أحمد ويمسكه من دراعه وقال له بنبرة فيها ترجي وخوف:
ـ أحمد.. استهدى بالله يا خويا، إنت رايح فين ومحمل هدومك ليه؟ مش هتوصل للدرجة دي، حقك علينا كلنا وخلاص الموضوع ينتهي هنا!




