
أحمد نفض إيد أخوه بقوة، وبص له بنظرة طفّت أي أمل في الكلام، وقال له بصوت جاف زي الحطب:
ـ أوعى يا محمد.. إنتوا خلصتوا كل الكلام خلاص. البيت ده أنا قفلت بابه، مش راجع له تاني إلا لما أرد كرامة مراتي وكرامتي قدام نفسي وقدام الناس اللي صانوني.
التفت أحمد ليا، وقرب مني خطوتين. كنت فاكرة إنه هيعاتبني، أو يحضنني، أو يلين قلبه زي كل مرة، لكنه وقف قصادي، وبص في عيني بنظرة كان فيها كمية حزن وكسرة عمري ما شفتها في حياتي، وقال بصوت وطي بس يرن في وداني:
ـ أنا طول عمري فاكر إنك ضهري وأماني يا أمي.. كنت فاكر إن مفتاح بيتي معاكِ يعني بيتي في حمايتك، مش إنك تكوني أول حد يستبيحه ويهد فرحتي فيه. إنتِ مش بس أكلتي خزين بيتي أو بوظتي الشقة، إنتِ كسرتي نفسي وقيمتي قدام نسابي، وخليتيني أصغر راجل في نظرهم ونظر مراتي.
نزل كلامه عليا زي السكين، دموعي نزلت رغماً عني وقلت له بصوت بيترعش:
ـ يا أحمد.. أنا أمك يا بني، هتهون عليك عشان خاطر شوية حاجات هبيلة؟
رد عليا بنبرة حاسمة ومفيهاش رجعة:
ـ إنتِ أمي وعلى راسي، وهتفضلي أمي.. بس من النهاردة مفيش بيت ليا هتدخليه من غير إذن، ومفيش مفتاح هيتحط في إيدك تاني. أنا هروح أقعد مع مراتي في بيت حمايا، وشقتي دي هتتقفل بالسلاسل، ولما أقدر أصلح اللي انكسر جويا وجوة مراتي أبقى أفكر أرجع.
قال كلمته، ولَفّ وشه ومشيت مراته ونسابه قدامه. خرجوا كلهم من باب الشقة، وصوت خبطة الباب لما اتقفل وراهم رن في العمارة كلها، وكأن الباب ده اتقفل على قلبي أنا.
بقيت واقفة في الصالة الفاضية، حواليا الكركبة، والمواعين المكومة، ورائحة الأكل اللي كان سبب الخراب، والباركيه المبلول اللي اتنفخ من المية.. محمد وأخته قعدوا على الكنبة ساكتين ومصدومين، محدش فيهم قدر ينطق ولا كلمة.
في اللحظة دي بس، استوعبت حجم الكارثة اللي عملتها. عشان خاطر مكابرتي، وعشان استخسرت أنضف وأحترم حرمة بيت ابني، وعشان استهترت بتعب ناس تانية وقولت “أهل بيت”.. خسرت هيبة ابني، وكسرت خاطره، وطفيت فرحته ببيته، ومشيت ابني بشنطة هدومه مطرود بخاطره المكسور لبيت نسابه.
نزلت شقتي تحت وأنا أجر أقدامي بال بالعافية، وقعدت في الظلمة أفتكر منظر عينيه وهو بيمشي.. وعرفت إن في حاجات لما بتتكسر بين الأهل، لا الأكل بيعوضها، ولا كلمة “أنا أمك” بتقدر تصلحها تاني.
خرج أحمد من باب الشقة وهو شايل شنط سفر مراته وشنطته، ومراته وراه ماشية وعينيها في الأرض والدموع نازلة منها في صمت. أبوها مسك منه الشنط بكل هدوء ووقار من غير ما ينطق بكلمة، وأمها وقفت تبص لنا بأسف وقرفة، ولفت وشها ونزلت.
أنا اتسمرت مكاني، لساني اتعقد ورجلي مش شايالاني. محمد ابني حاول يقف في طريق أحمد ويمسكه من دراعه وقال له بنبرة فيها رجاء وخوف:
ـ أحمد.. استهدى بالله يا خويا، إنت رايح فين ومحمل هدومك ليه؟ مش هتوصل للدرجة دي، حقك عليا أنا، والموضوع ينتهي هنا!
أحمد نفض إيد أخوه بقوة، وبص له بنظرة طفت أي أمل في الكلام، وقال له بصوت جاف وقاسي:
ـ أوعى يا محمد.. إنتوا خلصتوا كل الكلام خلاص. البيت ده أنا قفلت بابه، ومش راجع له تاني إلا لما أرد كرامة مراتي وكرامتي قدام نفسي وقدام الناس اللي صانوني واحترموني.
التفت أحمد ليا، وقرب مني خطوتين. كنت فاكرة إنه هيعاتبني، أو يحضنني، أو يلين قلبه زي كل مرة، لكنه وقف قصادي، وبص في عيني بنظرة كان فيها كمية حزن وكسرة عمري ما شفتها في حياتي، وقال بصوت واطي بس كان بيتردد في وداني زي الصدى:
ـ أنا طول عمري فاكر إنك ضهري وأماني يا أمي.. كنت فاكر إن مفتاح بيتي معاكِ يعني بيتي في حمايتك، مش إنك تكوني أول حد يستبيحه ويهد فرحتي فيه. إنتِ مش بس أكلتي خزين بيتي أو بوظتي الشقة، إنتِ كسرتي نفسي وقيمتي قدام نسابي، وخليتيني أصغر راجل في نظرهم ونظر مراتي.
نزل كلامه عليا زي السكين، دموعي نزلت رغماً عني وقلت له بصوت بيترعش:
ـ يا أحمد.. أنا أمك يا بني، هتهون عليك عشان خاطر شوية حاجات هبيلة وشوية مواعين؟
رد عليا بنبرة حاسمة ومفيهاش رجعة:
ـ إنتِ أمي وعلى راسي، وهتفضلي أمي.. بس من النهاردة مفيش بيت ليا هتدخليه من غير إذن، ومفيش مفتاح هيتحط في إيدك تاني. أنا هروح أقعد مع مراتي في بيت حمايا، وشقتي دي هتتقفل، ولما أقدر أصلح اللي انكسر جويا وجوة مراتي أبقى أفكر أرجع.
قال كلمته، ولَفّ وشه ونزل ورا مراته ونسابه. خرجوا كلهم من باب العمارة، وصوت خبطة الباب لما اتقفل وراهم رن في المكان كله، وكأن الباب ده اتقفل على قلبي أنا.
بقيت واقفة في الصالة الفاضية، حواليا الكركبة، والمواعين المكومة في الحوض، ورائحة الأكل اللي كان سبب الخراب، والباركيه المبلول اللي اتنفخ من مية التكييف.. محمد وأخته قعدوا على الكنبة ساكتين ومصدومين، محدش فيهم قدر ينطق ولا كلمة ولا يرفع عينه فييا.
في اللحظة دي بس، استوعبت حجم الكارثة اللي عملتها. عشان خاطر مكابرتي، وعشان استخسرت أنضف وأحترم حرمة بيت ابني، وعشان استهترت بتعب ناس تانية وقولت “إحنا أهل البيت”.. خسرت هيبة ابني، وكسرت خاطره، وطفيت فرحته ببيته، ومشيت ابني بشنطة هدومه مطرود بخاطره المكسور لبيت نسابه.
نزلت شقتي تحت وأنا بجر رجلي بالعافية، وقعدت في الظلمة أفتكر منظر عينيه وهو بيمشي.. وعرفت إن في حاجات لما بتتكسر بين الأهل، لا الأكل بيعوضها، ولا كلمة “أنا أمك” بتقدر تصلحها تاني.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




