روايات وقصص

حكايات اسما السيد 2

الفصل الخامس

وقفت أبص لحماتي وأنا مش مصدقة الجملة.

— أستأذن علشان أدخل بيت ابني؟

بصيت لجوزي.

والمرة دي…

ما اتكلمتش.

ما دافعتش عن نفسي.

ما شرحتش.

كنت عايزة أشوفه هو هيعمل إيه.

حماتي بصتله وقالت:

— مالك واقف ساكت؟ مراتك بتقولي أستأذن قبل ما أدخل!

جوزي سحب نفس طويل.

وبعدين قال:

— وهي عندها حق يا أمي.

وش حماتي اتغير في لحظة.

— نعم؟

قال بهدوء:

— الدور فوق بيتنا إحنا. ولما نكون مش موجودين، ما ينفعش حد يدخل من غير ما يقولنا.

حماتي ضحكت ضحكة قصيرة.

— حد؟! بقيت أنا «حد»؟

قال:

— ما قولتش كده.

— أمال بتقول إيه؟

— بقول إن الخصوصية حقها.

أشارت ناحيتي.

— الخصوصية دي هي اللي علمتهالك؟

قبل ما أرد، جوزي قال:

— لا يا أمي. دي حاجة كان لازم أنا أفهمها من زمان.

فضلت واقفة ساكتة.

لأول مرة…

حسيت إنه شايف المشكلة فعلًا.

مش بس بيحاول يسكتني علشان أرجع.

حماتي قالت بعصبية:

— أنا دخلت أنضفلها! بدل ما تقوللي شكرًا، جاية تحاسبني؟

قولتلها بهدوء:

— وأنا مقدرة إن حضرتك كنتِ عايزة تساعديني، بس أنا ما طلبتش إن حد يرتب هدومي أو يفتح دولابي.

قالت:

— دولاب إيه اللي عاملة عليه حكاية؟ إحنا ستات زي بعض.

قولتلها:

— حتى الستات زي بعض بيستأذنوا.

جوزي بص لأمه وقال:

— يا أمي، خلاص. من النهارده مفتاح الشقة يفضل معانا إحنا بس.

هنا…

حماتي سكتت.

سكتة طويلة.

وبعدين قالت:

— مفتاح إيه؟

بصيت لجوزي.

هو كمان بص لها باستغراب.

قال:

— مفتاح الشقة.

قالت:

— ما هو معاكم.

رد:

— ومع مين كمان؟

ملامحها اتغيرت.

وقالت بسرعة:

— معايا نسخة احتياطية… أبوك كان عاملهالي من زمان.

جوزي مد إيده.

— هاتيها يا أمي.

أنا نفسي اتفاجئت من صراحته.

حماتي بصت لإيده كأنها مش مصدقة.

— إنت بتطلب مني مفتاح بيت ابني؟

قال:

— بطلب مفتاح بيت أنا ومراتي.

— يعني مراتك أهم مني؟

الجملة دي رجعت تاني.

نفس الاختبار.

نفس المقارنة.

لكن المرة دي جوزي ما اتعصبش.

قال:

— يا أمي، إنتِ أمي ومكانتك محدش ياخدها. وهي مراتي وليها حق محدش ياخده برضه. ليه لازم كل حق ليها يتحول عندك لمقارنة؟

حماتي بصتله بصدمة.

— إنت بتعلمني؟

— لا. أنا بحاول أصلح غلط عملته من الأول.

دخلت أوضتها من غير كلمة.

وبعد دقايق رجعت.

حطت المفتاح على الترابيزة قدامنا.

وقالت:

— خد.

جوزي أخده.

قال:

— شكرًا يا أمي.

قالت:

— بس بعد كده ما تطلبوش مني حاجة.

قولتلها:

— يا ماما…

رفعت إيدها.

— مش عايزة كلام.

وطلعت أنا وجوزي فوق.

أول ما دخلنا، قفلت الباب.

وقفت في الصالة وبصيتله.

قال:

— مالك؟

قولت:

— شكرًا.

قال:

— على إيه؟

— إنك اتكلمت.

وشه اتغير.

وقال:

— كان لازم أتكلم من أول مرة.

سكتنا لحظة.

وبعدين قرب مني وقال:

— أنا كنت فاكر إن السكوت بيمنع المشاكل.

قولت:

— السكوت ساعات بيخلي المشكلة تكبر.

هز راسه.

— عارف.

اليوم ده لأول مرة من وقت ما رجعت…

نمت وأنا مرتاحة شوية.

بدأت أحس إن يمكن فعلًا نقدر نعمل بيتنا.

مش لازم نهرب.

ومش لازم نحارب.

كل اللي محتاجينه حدود واضحة.

عدى يومين هاديين.

حماتي ما طلعتش فوق.

وأنا كنت كل يوم أنزل أسلم عليها.

لو عملت أكل زيادة، أبعت لها.

لو احتاجت حاجة، أساعدها.

كنت مصممة أثبت حاجة واحدة:

إني ما طلبتش الخصوصية علشان أقطعها عن ابنها.

ولا علشان أتعالى عليها.

أنا بس كنت عايزة أعيش كزوجة… مش كضيف تحت الاختبار.

وفي اليوم التالت…

صحيت على صوت خبط عنيف على الباب.

بصيت في الساعة.

كانت ستة ونص الصبح.

جوزي قام مفزوع.

فتح الباب.

لقينا حماتي واقفة.

وشها شاحب.

قال:

— مالك يا أمي؟

قالت وهي بتنهج:

— أخوك اتصل… مرات أخوك تعبانة جدًا، وخدوها المستشفى.

جوزي لبس بسرعة ونزل معاها.

وأنا غيرت هدومي ونزلت وراهم.

ما كانش وقت خلافات.

فضلت جنب حماتي.

عملتلها شاي.

جبتلها الدوا بتاعها لما قالت إن ضغطها عالي.

وقعدت معاها لحد ما جوزي اتصل يطمنها إن مرات أخوه حالتها مستقرة.

بعد ما قفل…

حماتي فضلت ساكتة.

وبعدين بصتلي.

قالت:

— إنتِ نزلتي ليه؟

استغربت.

— عشان حضرتك كنتِ متضايقة.

قالت:

— ما أنا كنت بقولك من الأول تنزلي معانا.

فهمت فورًا إننا راجعين لنفس النقطة.

لكن المرة دي ما اتعصبتش.

قولتلها:

— يا ماما، أنا نزلت النهارده لأن في ظرف وحضرتك محتاجة حد جنبك. وده فرق كبير عن إني أنزل كل يوم غصب عني الساعة سبعة.

بصتلي شوية.

قالت:

— يعني لو احتجتك هتنزلي؟

ابتسمت.

— لو أقدر؟ طبعًا.

سكتت.

وبعدين قالت حاجة ما توقعتهاش:

— أنا كنت غلطانة في حاجة.

بصيتلها بسرعة.

حماتي عمرها ما كانت بتعتذر بسهولة.

قالت:

— يمكن شدّيت عليكي من بدري.

سكتت لحظة.

وكملت:

— بس إنتِ مش فاهمة أنا ليه كنت بعمل كده.

قعدت قدامها.

— ليه؟

تنهدت.

وقالت:

— لأن مرات ابني الكبير دخلت البيت زيك بالظبط.

انتبهت.

أنا ما كنتش أعرف عنها غير حاجات قليلة جدًا.

كملت حماتي:

— في الأول قالت عايزة خصوصية… وبعدين قالت عايزة بيت لوحدها… وبعدين أخدت ابني وقطعت رجله عن البيت.

قولتلها:

— يمكن اللي حصل بينهم كان له أسباب تانية.

هزت راسها بعصبية.

— لأ. من يوم ما اتجوزها وهو اتغير.

وبعدين بصتلي في عيني.

— وأنا أول ما شوفتك عايزة تقفلي بابك فوق… خفت تعملي زيها.

فهمت وقتها حاجة مهمة.

حماتي ما كانتش شايفاني أنا.

كانت شايفة تجربة قديمة.

وخايفة تتكرر.

قولتلها:

— أنا مش مرات ابنك الكبير يا ماما.

سكتت.

— وأنا مش عايزة آخد ابنك منك.

عينيها لمعت للحظة.

لكنها حاولت تخبي ده.

قولتلها:

— أنا عايزاه يبقى ابن كويس ليكي، وزوج كويس ليا. الاتنين ينفعوا مع بعض.

فضلت باصة لي.

وبعدين قالت:

— الكلام سهل.

قولتلها:

— والأيام تثبت.

قامت من مكانها.

وقبل ما تدخل المطبخ قالت:

— تحبي تشربي قهوة؟

اتفاجئت.

ابتسمت.

— أشرب.

قالت:

— تعالي اعمليها إنتِ… قهوتي بتطلع وحشة.

ضحكت لأول مرة معاها من قلبي.

وقمت وراها.

يمكن دي كانت أول مرة نحس إننا مش خصمين.

لكن الهدوء ده…

ما كملش أسبوع.

لأن الجمعة اللي بعدها، مرات ابنها الكبير جات تزورهم.

وأول ما دخلت وشافتني قاعدة جنب حماتي في المطبخ…

ضحكت وقالت قدام الكل:

— يا سلام! هو إنتِ ما حكتيلهاش بقى ليه أنا سبت البيت ده أصلًا؟

حماتي اتجمدت.

وجوزي بص لمرات أخوه بسرعة.

أما أنا…

فسألتها:

— قصدك إيه؟

قعدت على الكرسي.

وبصت لحماتي.

وقالت:

— اسأليها هي.

— أسألها عن إيه؟

ابتسمت ابتسامة غريبة.

وقالت:

— اسأليها عن السبب الحقيقي اللي خلاني أسيب بيت العيلة…

وعن اللي حصل في الليلة اللي حماتي دخلت فيها شقتي من غير إذني.

ساعتها…

القهوة وقعت من إيد حماتي على الأرض.

وعرفت إن الحكاية القديمة اللي كانت بتحكيها لي من شوية…

كان ناقص منها جزء كبير جدًا…

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى