
ساد الصمت الغرفة، وكنت أستمع لصوت دقات قلبي وهي تتسارع. هل يعقل أن كل ما بنيته، وكل الخير الذي بدأته، كان قائماً على أرض صلبة شائبة؟ هل يمكن للباطل أن ينتصر في اللحظات الأخيرة؟
اقترب طارق مني وهدأ من روعي بنظرة دافئة، ثم نظر إلى كريم بابتسامة غريبة لم أكن أتوقعها. لم يبدُ على طارق أي متطلبات ذعر أو ارتباك.
-
حكايات اسما السيد 2منذ 4 ساعات
-
حكايات اسما السيد 1منذ 4 ساعات
-
حماتي أقنعت جوزي 1منذ 5 ساعات
-
حكايات اسما السيدمنذ 5 ساعات
سحب طارق هاتفه المحمول وهاتف الأستاذ رفعت المحامي، وفتح مكبر الصوت. وقال بثبات: “أستاذ رفعت… الأستاذ كريم واقف قدامنا ودلوقتي جايب حجة أرض قديمة وتوكيل ملغى بيدعي إن الميراث فيه شركاء مخفيين وإنه اشترى أنصبتهم.”
جاء صوت الأستاذ رفعت عبر الهاتف ضاحكاً بقهقهة عالية هزت أرجاء المكتب، وقال: “كريم؟ يا خسارة يا كريم… أنت لسه بتتغفل لحد النهاردة؟”
ارتبك كريم وتغيرت ملامح وجهه فوراً: “يعني إيه؟ الأوراق دي أصلية ومختومة من الشهر العقاري!”
رد الأستاذ رفعت بصرامة ووضوح: “الأوراق اللي في إيدك دي يا كريم هي الحيلة القديمة اللي حاول بعض أقارب الخال يبتزوه بيها قبل وفاته بسبع سنين! الخال توفيق اشتري جميع الأنصبة دي رسمياً وسجلها في المحكمة العسكرية والشهر العقاري برقم قضية صحة ونفاذ نهائية مالهاش طعن، والورثة اللي أنت اشتريت منهم أدتك أوراق ملغية نصبت عليك بيها وخدت فلوسك اللي استلفتها!”
سقطت الأوراق من يد كريم مرة أخرى، واصفر وجهه كأنه رأى ملك . قال بصوت مرتجف : “لا… لا مستحيل! أنا دفع ليهم أكتر من نص مليون جنيه استلفتهم بشيكات واجبه التنفيذ!”
كمل الأستاذ رفعت : “يعني أنت دلوقتي يا كريم مش بس القضايا.. أنت لبست قضايا نصب ونصب عليك، والتجار اللي استلفت منهم الشيكات لأن العقود اللي معاك بيل بلها واشرب ميتها! والأرض والمؤسسة بتوع مروة مسجلين شهر عقاري نهائي لا يقبل ولا الطعن!”
انهمرت الدموع من عيني كريم، على ركبتيه فوق السجاد، يتنفس بصعوبة كأنه . نظر إليّ برجاء كلي، وصوته يقطع بالبكاء: “مروة… الحقيني.. التجار دول أو في بقية عمري.. عشان خاطري سامحيني وانقذيني!”
نظرتُ إليه بأسى، لكن هذه المرة لم يكن أسى ضعف، بل أسى على إنسان اختار بقدميه أن يلقي بنفسه في الهاوية مرة تلو الأخرى بسبب الطمع والأحقاد.
قلتُ له بصوت هادئ وقاطع: “أنا سامحتك زمان يا كريم.. لكن نتائج أفعالك وطمعك دي مسؤوليتك لوحدك. اخرج من هنا، وشوف المحامي بتاعك يحلك .”
أشار طارق لأمن المبنى، فدخل اثنان من رجال الأمن وأمسكا بكريم من ذراعيه، وسحباه للخارج وهو يصرخ ويبكي وينادي باسمي، وصوته يتضاءل شيئاً فشيئاً في الممرات حتى اختفى تماماً.
أغلقتُ الباب، وتنفسنا الصعداء. التفتُّ إلى طارق الذي كان ينظر إليّ بابتسامة ملاؤها الفخر والاعتزاز.
اقترب طارق خطوات قليلة وقال بنبرة مليئة بالحنان والأمان: “أعتقد يا مروة إن الصفحة القديمة دي اترمدت للأبد… ودلوقتي، أقدر أسمع منك إجابة على سؤالي؟”
نظرتُ إليه، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرتُ بالأمان الحقيقي، وبأن الله لم يحرماني شيئاً إلا ليعوضني بأفضل منه بكثير. لكن قبل أن أنطق بالكلمة التي كانت تنتظرها قلوبنا… رن هاتف طارق برقم غريب، ولما رد، سمعت صوتاً مذعوراً من الطرف الآخر يجعله يتجمد في مكانه!
تسمّر طارق في مكانه، وامتقع وجهه وهو يستمع إلى الصوت المذعور القادم من سماعة الهاتف: “يا بشمهندس طارق! الحقنا في موقع مجمع الأيتام… كريم خرج من عندك زَي المجنون، وجاب معاهم مادة سريعة الاشتعال وكان عايز يولّع في المبنى الجديد! بس الحمد لله، الناس والعمال مسكوه قبل ما يرمي الكبريت، والشرطة وصلت والمطافئ مسكته متلبس!”
أغلق طارق الهاتف ونظر إليّ والذهول يملأ عينيه، ثم قال بصوت يرتجف من الهول: “كريم كان رايح المجمع الخيرية يا مروة… كان عايز يدمر كل حاجة عشان يطفي النار اللي جواه، بس ربنا سلم والعمال قبضوا عليه متلبس قبل ما يمس المبنى بحدث!”
في تلك اللحظة، شعرت بقشعريرة تسري في كامل جسدي. لقد بلغت الدناءة والحقد بقلبه مبلغاً جعله يجرؤ على حرق مكان يتأوى فيه الأيتام والمحتاجون، فقط لكي يتشفى فيّ ويطفئ غليل طمعه.
في صباح اليوم التالي، كنت أقف في قسم الشرطة برفقة طارق والأستاذ رفعت. هذه المرة لم يكن هناك مجال للتردد أو المغفرة الزائفة. كان كريم يجلس في الأغلال، مذهولاً، منهاراً، وقد أحيط به ضباط التحقيق والتجار الذين يطالبونه بأموال الشيكات الصريحة. لقد نفسه في شباك المشهود: محاولة عمدي، وتزوير، وشيكات بدون رصيد، مباشر.
نظر إليّ كريم من خلف القضبان بعينين خاويتين من أي رجاء، ولم يستطع حتى أن يرفع رأسه ليقابل نظراتي. لم أقل له كلمة واحدة.. لم أعد بحاجة للعتاد أو الكلام. تركته للقانون والمصير الذي صنعه بيده، بعد أن صدر بحقه حكم حاسم وسريع بالسجن المشدد سنوات طويلة كفيلة بأن يراجع فيها كل لحظة ظلم وطمع أقدم عليها.
مرت الأيام والشهور، واكتمل بناء المجمع الخدمي، وبدأت الضحكات تملأ أرجاءه. انقضت كل آثار الماضي المظلم، وحلّ محلها الأمل والسكينة.
وفي يوم مشرق، وأمام جمع من الأهل والأحباب والوجوه الطيبة، جحدتُ عقد قراني على طارق. كان يقف بجانبي لا كرجل يرى فيّ مالاً أو ميراثاً، بل كشريك حقيقي يرى فيّ روحي وعقلي وكرامتي. وفي لحظة كتابة العقد، نظر إليّ وابتسم ابتسامة دافئة وقرأ قوله تعالى: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}.
دستُ على كل الآلام القديمة، وعرفتُ أن كل دمعة من عيني في الماضي كانت تدفعني نحو هذا الأمان.
الحكمة:
تُعلمنا هذه القصة أن الطمع عمى، والظلم مرتعه وخيم.
* النية الصافية والتوكل على الله: مهما حُكت في الخفاء، ومهما حاول الأقربون ، فإن التدبير الإلهي دائماً يسبق مكر البشر، ويثبت أن “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”.
* الكرامة فوق كل مال: القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بأخلاقه ومعدنه عند الاختبار؛ فالذي يبيعك في لحظة طمع لا يستحق أن تمنحه فرصة أخرى في لحظة احتياج.
* المنح تأتي من رحم المحن: أحياناً يزيح الله من حياتنا أشخاصاً نراهم أماناً، فقط ليكشف لنا زيفهم، ويفتح لنا أبواباً للخير والعزة والأمان الحقيقي لم نكن نتخيلها.






