قصص وروايات

بعد تلات أيام حكايات مشيره محمد1

بعد تلات أيام متعبة في شغلى فى إسكندرية قدرت ألحق أتوبيس بدري رجعني القاهرة في وقت قياسي لا عرفت مراتي ولا بنتي إني راجع كنت عايز أشوف الفرحة في عيونهم أول ما أفتح باب .

​والمفاجأة نجحت تماماً؛ أول ما خطيت جوه الصالة لقيت بنتي “جنا” جاية تجري عليا زي  وهي بتصرخ بلهفة:

“بابا!”

ورمت نفسها في حضني بقوة لدرجة كنت هقع بالشنطه.

​ومن وراها طلعت مراتي “شيرين” من المطبخ، ملامحها كانت مفاجأة بس مليانة فرحة كبيرة، فحطت إيديها حوالين رقبتي وضحكت وقالت:

“حمد الله على سلامتك! جيت بالسرعة دي إزاي؟”

بست راسها وأنا بقول: “وحشتوني قوي، وما قدرتش أقعد هناك ساعة زيادة”.

​في الدقائق دي حسيت إن الدنيا بتضحك لي، وإن كل أمور حياتي ماشية أحسن ما يكون.

دخلت أفضي شنطتي وجنا ماشية ورايا خطوة بخطوة، تحكي لي تفاصيل أسبوعها ورتني لوحة ملطخة بالألوان وعرفتني على لعبة قطنية جديدة سمتها “سمسم” وقالت لي إنها بقت فرد من العيلّة وأنا غايب..و لحد ما جه وقت الغداء.

​كانت لحظة دافية من اللحظات العادية اللي الواحد مبيعرفش أنها هتفضل محفورة في عقله طول العمر. قعدنا سوا على السفرة في الصالة شيرين حطت الاكل وجنا قاعدة في النص وبتهز رجليها الصغيرين بفرحة تحت الترابيزة.

​وفجأة.. بصت لي بعينيها الواسعة وسألت سؤال غير الجو في ثانية واحدة:

“يا بابا.. هو بابا التاني هيتغدى معانا كمان؟”

​في الأول أخدت الموضوع بضحك خفيف العيال الصغيرة متعودين يتخيلوا حاجات غريبة فابتسمت وسألتها:

“ابوكي التاني؟ مين ده يا حبيبتي؟”

هزت راسها بجدية وثقة كاملة:

“أيوة.. بابا التاني.”

فضحكت وسألتها تاني: “وفين ابوكي التاني ده بقا ياست جنا؟”

​ردها جه بكلمات صدمتنى

“قاعد تحت في البدروم دلوقتي.”

​البيت سكت سكوت رهيب بصيت لشيرين وشوفت الدم بيطير من وشها في ثانية وبقى أصفر زي الليمونة منظر يخلي أي حد يشك.

​ابتسامتي طارت وسألت بعصبية:

“إيه اللي البنت بتقوله ده؟”

شيرين حاولت ترسم ابتسامة صفراء باهتة مليانة توتر وقالت:

“دي طفلة عندها اربع سنين يا طارق.. أنت عارف خيال العيال الواسع في السن ده، أكيد بتألف قصة!”

​بس الموقف مكنش مريح خالص، وكان فيه إنّ جنا مكنتش بتهزر ولا بتضحك، كانت ملامحها ثابتة وهي بترد ببراءة طفولية مؤكدة:

“لا يا ماما.. مش بألف هو قاعد في البدروم بجد.”

​قلبي بقى يدق زي الطبول بس في اللحظة دي مفيش غير سيناريو واحد دخل دماغي: أنا راجع فجأة من غير ما أعرفهم، ومراتي وشها أصفر ومرعوبة، وبنتي بتتكلم عن راجل تاني مستبي في بدروم بيتنا.. عقلي هيخترع إيه غير كده؟!

​زقيت الكرسي لوراء وقمت واقف. شيرين صرخت برعب وتوسل:

“طارق.. أرجوك ماتعملش كده وحياة أغلى حاجة عندك.”

بصيت لها وعيني بتطلع شرار:

“ماعملش إيه!?”

قامت جري من مكانها وقالت:

“أرجوك صدقني مفيش حد هناك مفيش حد !”

​في اللحظة دي اتأكدت كل شكوكى لو الموضوع مجرد خيال عيال كانت هتموت من الرعب وتترجاني مانزلش ليه؟

سألتها بصوت واطي ومخيف من كتر الغيظ:

“شيرين.. انطقي مين اللي مستبي في البدروم تحت؟”

– “مفيش حد.. أقسم بالله مفيش حد.”

– “امال مرعوبة ليه كده وبتجربي تمنعيني؟”

عينيها اتملت دموع ورعب وقالت:

“أرجوك ثق فيا.. ثق فيا المرة دي وبس.”

​أثق فيها؟! في اللحظة دي بالذات الثقة كانت آخر حاجة ممكن أفكر فيها. سبتها ومشيت بخطوات سريعة وعصبية ناحية باب البدروم اللي في أرضية الصالة ومن ورايا شيرين بتصرخ باسمي وتستحلفني مانزلش وبتقول إن البنت بتهزر بس هي كانت بتنهار عياط من غير ما تفهميني حاجة.

​ومع كل خطوة بخطيها الأفكار السوداء كانت بتلعب في دماغي بطريقة تقرف: تخيلت راجل غريب في بيتي علاقة شمال، حياة سرية عايشاها من وراء ظهرى، وخيانة مكنتش أتخيلها يوم من الست اللي حبيتها.

​لما وصلت باب البدروم، كانت إيدي بترتعش زي الورقة؛ أنا مدخلتش المكان ده من سنين طويلة. مسكت الحديد ومن ورايا صوت مراتي طالع مكسور ويائس تماماً: “أرجوك.. ماتعملش كده”.

​فتحت الباب وشدّيت نفسي بالقوة.

​ابتديت أنزل سلم الخشب خطوة خطوة وانا متاكد ان كل خطوه بتهدم بيتي وهتخلص على جوازي للابد.

​كملت نزول لحد ما رجلي لمست أرض البدروم.

وهناك، اتسمرت في مكاني من اللي عينيا شوفته والصدمة كانت أقوى بكتير من إني استحملها!

​

خطوت خطواتي الأخيرة على أرضية البدروم الخشبية، وريحة الرطوبة والتراب القديم دخلت في صدري زي السكينة. الضوء الوحيد اللي كان نازل كان جاي من باب البدروم المفتوح فوق، عامل زي شعاع رفيع وسط عتمة المكان.

قلبي كان بيدق بعنف لدرجة حسيت إنه هيخترق ضلوعي. كل الأفكار القذرة اللي جت في دماغي عن الخيانة، وعن إن شيرين جايبة راجل مستبي في بيتي ورا ضهري.. كانت بتتحرك جوه راسي بسرعة الجنون.

رفعت عيني في العتمة، وأنا مجهز نفسي أشوف منظري المشين اللي هيهدم كل سنين جوازنا، ويخلي العواقب دمار مطلق.

بس.. مفيش أي راجل.

وقفت مذهول، عيني بدأت تتعود على الضوء الخافت. بصيت يمين وشمال. كراكيب قديمة، صناديق كرتون مترربة، ترابيزات مكسورة، وناموسية قديمة مرمية في جنب.. ومفيش أي أثر لأي بني آدم.

في اللحظة دي، حسيت بنوع من الارتياح السخيف.. يعني البنت كانت بتهزر فعلاً؟ خيال عيال زي ما شيرين قالت؟

لكن الراحة دي مكملتش ثانية واحدة.

سمعت صوت حفيف خفيف، صوت حركة ناعمة جداً طالعة من الزاوية المظلمة اللي تحت السلم مباشرة، زاوية مستحيلة العين تشوفها بوضوح من غير ما تقرب.

عروقي جمدت في مكاني. جسمي كله اتنحش.

صوت طرقعة خفيفة، وبعدها صوت أنفاس.. أنفاس تانية غير أنفاسي!

بلعت ريقي بصعوبة بالغة، وحسيت برعشة باردة سرت في ظهري كله. بصوت مسطول من الخوف والذهول، وبحلق في الزاوية، قلت:

– “مين.. مين هناك؟!”

الأنفاس وقفت. السكوت رجع للمكان، بس كان سكوت مرعب، سكوت بيسبق العاصفة.

وفجأة، طلع صوت من الضلمة.. صوت غريب، مش صوت راجل أضخم مني ولا صوت عشيق زي ما خيالي المهووس صور لي..

صوت طالع بصعوبة.. صوت واحد بيكح كحة خفيفة وواجعانه:

– “يا.. يا طارق..؟”

الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة.

اسمى؟!.. مين ده اللي يعرف اسمي وبيستخبى في ضلمة البدروم؟!

رجعت خطوتين لورا من الخوف، وحطيت إيدي على الحيطة عشان ما اقعش. صرخت بصوت عالي ومرعب رجّ أركان البدروم:

– “انطق! مين أنت؟ اخرج النور بدل ما أطلع أدفنكم كلكم!”

من وسط الضلمة، ومن تحت كومة من اللوحات الخشبية القديمة والصناديق، ظهرت إيد.. إيد نحيلـة جداً، جلدها متشقق وأزرق من العجز، ماسكة في طرف كرسي قديم عشان ترفع نفسها.

وعينيا اتفتحت على أوسعها من هول الصدمة وأنا بشوف الوجه اللي طلع بالبطء المرعب ده من الضلمة.

شعر أبيض كالعاصفة، تجاعيد مالية الوش كأنها خريطة قديمة، وعينين تايهتين مش قادرتين تركز في النور المفاجئ.

وقفت عاجز عن الحركة، لساني ابتلعته، حسيت إن عقلي هيستجنن.

الراجل العجوز بص لي بابتسامة ضعيفة ومرتعشة، وقال بصوت مكسور وواهن كأنه جاي من تحت الأرض:

– “ازيك يا ابني.. بقالي كتير مستنيك.. شيرين.. شيرين منعتني أطلع.. بس جنا شافتني.. جنا طيبة.. مش كدة؟”

وقفت مش عارف أخد نفسي..

الراجل ده مش عشيق.. الراجل ده مكنش حد غريب..

ده كان…

قبل ما الحق أكمل الفكرة، سمعت صوت صرخات شيرين العالية من فوق وهي نازلة على السلم بسرعة وجنون، وبتصرخ بصوت ممزق:

– “طارق! ابعد عنه.. أرجوك ابعد عنه.. هفهمك والله كل حاجة..!”

وقفت في نص البدروم، عيني تايهة ما بين الراجل العجوز اللي واقف قدامي بكيان مكسور ومنهك، وبين شيرين اللي نزلت السلم تجري وهي بتترعش، ماسكة فستانها بايديها وعنيها مليانة دموع الرعب واليأس.

الصمت في البدروم كان أشبه بصمت القبور، مفيش صوت غير صوت أنفاسنا الثقيلة، ورائحة الرطوبة والتراب اللي بقت أثقل من الأول.

شيرين جرت بسرعة، وقفت ما بيني وبين الراجل، وفردت دراعاتها كأنها بتحميه مني، وهي بتعيش حالة انهيار تام، صوتها بيطلع متقطع ومبحوح:

– “أرجوك يا طارق.. اهدا.. اهدا والنبي واقعد اسمعني.. والله العظيم هفهمك كل حرف.. متخافش.. متعملش فيها حاجة!”

بصيت لشيرين، وعروق رقبتي كانت بارزة من كتر الصدمة والذهول والغضب اللي مش عارف أوجهه لمين بالظبط. صوتي طلع حاد وعالي، لدرجة إنه رجّ حوائط البدروم القديمة:

– “أفهم إيه يا شيرين؟! إيه اللي بيحصل هنا؟! مين ده أصلاً؟! وإزاي.. وإزاي راجل في سن دة عايش  في البدروم تحت بيتنا وفي عتمة وتراب بالشكل ده؟! وكنتي ناوية تخبيه عني لحد امتى؟! أنطقي!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى