
المستشفى كانت ريحتها مطهرات والهدوء فيها يوتر الأعصاب. أحمد كان قاعد على السرير، رأسه ملفوفة برباط أبيض، وكتفه الشمال متثبت، بس نظرة عينيه كانت أشد صلابة من الأوقات اللي فاتت كلها.
الدكتور دخل طمنا إن الخياطة في رأسه عشر غرز، والكتف فيه جزع شديد بس مفيش كسر. أنا كنت قاعد جنبه، ماسكة إيده اللي بتترعش من التعب، وكل ما أفتكر المنظر بتاع البلطجية وهما رابطينه والدم نازل على وشه، جسمي كله يترعش.
على الساعة تسعة الصبح، والنيابة لسه بتبدأ التحقيق في المحضر، الباب بتاع أوضة المستشفى اتفتح فجأة من غير استئذان.
دخل الحاج متولي، عم أحمد الكبير، ومعاه تلاتة من كبار العيلة. ملامحهم كلها كانت متجهة وناشفة، مفيش في عينيهم أي عاطفة ولا حتى سؤال عن صحة ابن أخوهم المرمي على سرير المستشفى.
الحاج متولي قرب من السرير، وقفت أنا بسرعة ووقفت ورا أحمد. عمك متولي بص لأحمد بنظرة كلها غضب ونطق بصوت جاف زي الحطب:
— حمد الله على السلامة يا أحمد… أظن اللعبة كده زادت عن حدها، والقلم اللي كنت عايز تديه لأمك وأختك تحول لمهزلة العيلة كلها بتتفرج عليها!
أحمد بص لعمك متولي بهدوء، ومسح جبهته بإيده السليمة وقال ببرود:
— الله يسلمك يا حاج متولي. بس هي مش لعبة… دي جريمة سطو مسلح واقتحام بيت وشروع في قتل، والنيابة هي اللي بتهندم المسألة دلوقتي.
الحاج متولي ضرب عصايته في الأرض بقوة هزت الأوضة وصادها صدى عالي:
— نيابة إيه وزفت إيه اللي بتتكلم عنه؟! أمك الحاجة سناء وأختك سمر بايتين في التخشيبة من امبارح مع الحرامية والبلطجية! الستات اللي صانوا اسم أباك الله يرحمه يترد بيهم في الأقسام عشان خاطر حتتين دهب وشوية فلوس في البنك؟! انت اتجننت يا أحمد؟!
أحمد اتعدل في قعدته بالعافية، رغم الوجع اللي كان باين في وشه، وبص لعمك متولي في عينه مباشرة وقال بثبات يرعب:
— الستات دول يا حاج… جابوا بلطجية بعتلات وشوم، كسروا باب بيتي في نص الليل، طفوا الكهرباء، ربطوني ونزفوني دم، وكانوا هيقتلوا مراتي أو يأذوها عشان ياخدوا فلوس بالForce والسرقة! هما اللي رموا اسم أبويا في الطين لما مشيوا مع البلطجية ورضوا بالسرقة!
عم أحمد قرب خطوة من السرير ووطى صوته، بس النبرة كانت مليانة تهديد صريح:
— اسمع يا أحمد… العيلة ملهاش دعوة بالغلط اللي حصل، بس العيلة مش هتقبل إن سناء وسمر يفضلوا في التخشيبة ساعة كمان. المحامي بتاعنا برة، وحضر إقرار تنازل عن المحضر. هتمضي التنازل دلوقتي، والقضية تتقفل وتطلع أمك وأختك.
أحمد ابتسم ابتسامة سخرية وقال:
— وإذا ممضيتش؟
الحاج متولي بصلي أنا الأول، وبعدين رجع بص لأحمد وقال بوضوح:
— إذا ممضيتش… هتنزل من المستشفى دي تلاقي نفسك برة العيلة تماماً. لا ليك أرض، ولا ليك حق في ورث أبوك الباقي، ولا حد من العيلة هيدخل بيتك ولا يقف معاك في واجب ولا جوار. وهتبقى العيلة كلها خصمك في السوق وفي المحاكم. مش بس كده… أهل مدحت جوز سمر مش هيسيبوك يا أحمد، والطار بينك وبينهم اتفتح من الليلة دي!
الجو في الأوضة بقى مكتوم بشكل يقطع النفس. التهديد كان واضح وصريح: يا إما يتنازل عن حقه ويسيب أمه وأخته يخرجوا بدون حساب، يا إما يواجه العيلة كلها وأهل مدحت في حرب ملهاش نهاية.
أنا اتدخلت وبكيت وقلت بصوت بيترعش:
— يا حاج متولي حرام عليكم! أحمد كان هيموت امبارح! شوف دماغه وجسمه! انتو ليه جايين تلوموا الضحية وتنسوا إن أمه هي اللي جابت البلطجية؟!
الحاج متولي ما بصليش حتى، وشاور بإيده وهو بيكلم أحمد:



