
ليلتها، البيت كان ساكن زي المقابر، بس العاصفة كانت بتغلي برة.
أحمد مقدرش ينام. طول الليل كان قاعد في الصالة، يبص للفاتورة اللي في إيده، ويقوم يشرب مية، ويرجع يقعد تاني. وأنا كنت قاعدة جنبه، خايفة من القادم. أحمد مش بس كسر كلام أمه، ده هد الهيكل كله فوق دماغهم، ومفيش حد زي الحاجة سناء لما تتجرح كبريائها وتتزنق في الزاوية.
على الساعة تمانية الصبح، تلفون أحمد بدأ يرن وما بطلش.
أرقام غريبة، وأرقام عمامي وأخوالي من ناحية أبوه، وعماته… العيلة كلها اتجمعت. سمر وأمها مقعدوش، تلفنوا لكل كبير وصغير في العيلة، وقالوا إن أحمد “العاق” جاب محامية الغفر، وبيع أرض المزرعة ورماهم في الشارع، وأخد الفلوس لنفسه ولمراته عشان يشتري بيها دهب!
أحمد بص للتلفون وهو بيرن، وماردش على ولا رقم.
قام بكل ثبات، لبس قميصه، وبصلي وقال:
— خليكي جوة الشقة يا روضة، واقفلي الباب بالمفتاح. محدش هيدخل هنا. أنا نازل محلات الصاغة أجمع الدهب بالجرام زي ما كان في الفاتورة، وبعدها هروح للشهر العقاري أأمن باقي الفلوس في حسابك إنتي.
— أحمد… عشان خاطري بلاش تكبر الموضوع أكتر، العيلة كلها مقلوبة عليك!
مسك وشي بين إيديه وبص في عيني بصرامة:
— العيلة دي نسيت الأصول، واللي ينسى الأصول يتربى. الدهب ده هيرجع النهاردة، وكرامتك هترجع قصب عن عين الكل.
نزلت معاه لحد الباب، وقفلته بالمفتاح زي ما قال.
عدت ساعتين، وكل دقيقة كانت بتمر زي السنة. الجرس رن فجأة… ضربات متتالية وقوية على الباب كأن حد بيحاول يكسره!
جريت على الباب وبصيت من العين السحرية.
كانت الحاجة سناء، وجنبها أخت جوزي سمر، ومعاهم عم أحمد الكبير “الحاج متولي”، وراجلين تانيين من كبار العيلة. سمر كانت بتصرخ في الممر:
— افتحي يا روضة! افتحي يا اللي خرّبتي البيت وأخدتي فلوسنا! افتحي بدل ما نكسر الباب فوق دماغك!
جسمي كله اتنفض، ووقفت ورا الباب مش عارفة أعمل إيه. اتصلت بأحمد بسرعة، أول ما فتح قلتله وأنا ببكي:
— أحمد! عمك متولي وأمك وأختك واقفين برة وبيخبطوا على الباب بغل وعايزين يكسروه!
صوت أحمد اتغير تماماً على التلفون، ونطق بقسوة:
— عشر دقائق وأكون عندك… أوعي تفتحي لعدم منهم يا روضة!
سمعت صوته بيقفل، وبرة كان الضرب على الباب بيزيد. صوت الحاج متولي كان عالي ويهز العمارة:
— افتحي يا بنت الناس نتكلم بعقل! الفضيحة دي لازم تقف النهاردة، الفلوس اللي أحمد حط يده عليها دي مال أيتام وحق العيلة!
بعد عشر دقائق بالتمام، سمعت صوت دبة جزمة أحمد في الممر، وصوته الجهوري وهو بيزعق:
— إيه التهريج اللي بيحصل قدام بيتي ده؟! إنتو جين تطبقوا الشريعة على مراتي وإنا مش موجود؟!
الكل اتلف له. الحاج متولي قرب منه بغضب ورفع عصايته في وشه:
— إنت اتجننت يا أحمد؟! بتبيع أرض أهلك بربع تمنها عشان ترضي حريم؟! وبترمي أختك وجوزها في السجن؟! إنت نسيت إنك راجل العيلة بعد أبوك؟!
أحمد وقف بثبات قدامهم كلهم، حط إيده في جيبه وطلع علبة القطيفة… بس المرة دي كانت مليانة!
فتح العلبة قدام عمك متولي وأمه وأخته، الدهب كان بيلمع تحت إضاءة الممر. أحمد بص لعمك متولي وقال بصوت هز السلم كله:
— العيلة اللي بتتكلم عنها يا حاج متولي… أُمي دخلت شقتي في غيابي، فتحت أدراج مراتي، وسرقت دهب أمها الميتة اللي شايلاه ذكرى وأمانة، وباعته من غير علمي عشان تسدد ديون نصاب كتب شيكات بدون رصيد! هل المرجلة والأصول في عيلتك بتقول إن أُمي تمد إيدها على مال غيرها؟!
عم أحمد اتصدم، وبص للحاجة سناء بذهول:
— الكلام ده حصل يا سناء؟! إنتي أخدتي دهب مرات ابنك وباعتيه؟!
الحاجة سناء وشها جاب ألوان، ولعثمت في الكلام بس حاولت تدافع عن نفسها ببجاحة:
— أيوه أخدته! ما هي عايشة في خير ابني، وأخت ابنه كانت هتتخرب بيتها! الفلوس كلها واحد، وهي مش محتاجة الدهب في حاجة!
أحمد ضحك بصوت عالي ومليان سخرية، وبص لعمك متولي:
— سمعت بنفسك يا حاج؟ أُمي بتقول السرق حلال طالما لجوز بنتها! إنا مابعتش الأرض عشان أضايق حد، أنا بعتها بالتوكيل الرسمي اللي معايا عشان أرد حق الدهب ده، وأخلص العيلة من القضايا اللي كانت رفعتوها إنتو نفسكم علينا من سنين بسبب المزرعة! الفلوس اللي طلعت سددت حق الناس، والدهب أهو رجع مكانه في العلبة!
سمر قربت من أحمد وهي بتبكي وبتصرخ:
— ومدحت؟! مدحت محبوس من الصبح يا أحمد! الشيكات اتقدمت والنيابة أدت أمر بظبطه وإحضاره! هيروح في داهية وإنت معاك باقي الفلوس في البنك!
أحمد بص لأخته سمر بنظرة مفيهاش نقطة رحمة وقالها:
— مدحت يروح في داهية، أو يبيع عفش بيته، أو يستسلف من أهله هو! أنا مش ملزم أدفع مليم واحد لشخص طمع في دهب مراتي وكان فاكر إننا هنسكت ونتغطى بكلمة “الست الأصيلة”! الفلوس الباقية من بيع نصيب أمي، اتحولت رسمياً في الحساب بضمان الشهر العقاري باسم مراتي “روضة”، تعويض عن الإهانة والسرقة اللي تعرضت لها في بيتي!




