
الراجل العجوز بص لينا بعيون تلمع بالدموع، وحرك شفايفه الناشفة بصوت ضعيف جداً، كأنه بيتكلم من جوة قبر:
– “متصوتيش يا بنتي.. سيبيه.. سيبيه يفهم.. هو.. هو طارق ابني.. مش كده يا طارق؟ أنا.. أنا أبوك!”
الجملة نزلت على دماغي زي طلقة رصاص طايشة.
أبويا؟!
أبويا أنا؟!
عينيا اتسعت لحد ما حسيت إنها هتطلع بره راسها. بصيت للراجل بتشويش جنوني، ورجعت بصيت لشيرين اللي نزلت راسها في الأرض وبدأت تعيط بصوت عالي وهي مغطية وشها بإيديها.
– “أبويا؟!” صرخت بصوتستنكر ومجنون: “أنت بتقول إيه؟! أبويا مين؟! أبويا مات! أبويا توفى من خمس سنين، أنا دفنته بإيدي في مقابر العائلة في إسكندرية! أنا كنت قاعد على قبره وبقرا له الفاتحة قبل ما أركب الأتوبيس وأجيلكم! أنتو بتهزروا معايا ولا جرى لعينكم حاجة؟!”
الراجل هز راسه ببطء، وابتسم ابتسامة مكسورة نزلت معها دمعة حفرت طريقها في تجاعيد وشّه:
– “ماتموتش يا ابني.. أنا.. أنا ماماتش.. دي كانت تمثيلية.. تمثيلية عشان أنقذكم.. عشان أنقذ نفسي وعليكم من الموت الحقيقي.”
شيرين رفعت وشها المبلل بالدموع، وقربت مني أكتر، مسكت طرف قميصي وهي بتترعش زي الورقة في الريح، وقالت بصوت مكسور:
– “سامحني يا طارق.. أرجوك سامحني.. والله ما كان بإيدي غير كده.. يوم ما جنازته حصلت، والناس دفنت الراجل اللي في التابوت، أبوك جه عندي البيت في نص الليل وهو مرعوب، ميّت من الخوف، بيجري بحياته وبيترجاني أداريه عن عيون الناس والجهات اللي كانت طارداه.”
– “مين دول اللي طاردينه؟!” قطعتها بصوت عالي وعصبي: “فهميني بالراحة.. إيه اللي بيحصل؟ ابوي كان تاجر بسيط، إيه اللي دخله في سكة مطاردات وموت ودفن وهمي؟!”
شيرين التفتت بصت لأبويا نظرة طويلة مليانة خوف وحنين، ورجعت بصت لي وقالت:
– “أبوك.. أبوك كان ماسك مستندات وأوراق خطيرة جداً تخص شريكه القديم اللي نصب عليه في كل أمواله وفلوس العيلة، والشريك ده بقى واحد من كبار رجال الأعمال وله نفوذ وسطوة يقدر يشتري بيها أرواح الناس بكلمة. لما أبوك حاول يهدده بالمستندات دي، هددوه إنه هيقتلك أنت وأنا وبنتك جنا في نور الضهر لو ما سلمش الأوراق وسكت للأبد!”
عقلي كان بيحاول يستوعب الكارثة، بس المعلومات كانت أكبر بكتير من قدرتي على التحمل. بصيت لأبويا اللي انحنى بضهره أكتر وقعد على صندوق قديم جنبه، وهو بيكمل بصوت واهن:
– “اضطريت أموت يا طارق.. اتفقت مع واحد من أصحاب الأمانة الموثوقين إنه يشتري جثة لشخص مجهول في نفس اليوم، ويدفنوها على إنها جثتي، وأنا هربت وجيت هنا.. في أمان بيتك.. المكان الوحيد اللي ماكنش حد هيتوقع أبداً إني أختبئ فيه.. تحت رجليكم.”
– “وتحت رجلينا خمس سنين؟!” قلتها وأنا حاسس بملامح وشي بتتشقق من الصدمة: “خمس سنين وأنا قاعد فوق بضغظ في الشغل، بشتغل ليل نهار عشان أصرف، وبزور قبر وهمي كل عيد، وأنت قاعد في العتمة والتراب والبرد ده تحت البلاطة اللي أنا عايش عليها؟! ليه يا شيرين.. ليه ماقلتيليش من أول يوم؟ ليه رضيتي تعيشي معايا في الكذبة دي؟! ليه عذبتيه وعذبتيني معاكم؟!”
شيرين انهارت أكتر، وقعت على ركبتها على أرضية البدروم الخشبية، وبقت تعيط بشهقات عالية وهي بتقول:
– “عشان حياتكم! لو كنت قولتلك، كنت هتتجنن، كنت هتروح تواجه الناس دي بنفسك، وكنت هتروح في داهية في ثانية، وكانوا هيقتلوا بنتك ومرتك وأبوك قدام عينك! كنت لازم أختار.. يا إما تعيشوا في كذبة مؤلمة بس عايشين، يا إما الحقيقة تظهر ونموت كلنا في ليلة واحدة! أبوك كان بيموت، كبر في العُمُر وصحته راحت، بس كان بيعيش ويستحمل كل ده عشان يسمع صوت جنا وهي بتلعب فوق راسه.. جنا هي الوحيدة اللي حسّت بيه، جنا هي اللي نزلت له في السر من ورايا وسقته المية وادته العيش، عشان قلب الأطفال أطهر وأعرف بالحق مننا كلنا!”
في اللحظة دي، بصيت لجنا اللي كانت واقفة فوق عند باب البدروم، باصة علينا بعيونها الواسعة وبرائحتها الطفولية السذجة، مش فاهمة حجم الدمار ولا حجم الأسرار اللي محوطة العيلة دي من سنين.
قربت من أبويا بخطوات بطيئة، حسيت كأن رجليا مصنوعة من رصاص. نزلت على ركبتي قدامه، مسكت إيديه الباردة والمترعة بالتجاعيد، وفتحت عيني لقيت دمعة ساخنة نزلت على خدّي من غير ما أحس.
بص لي بعيون كلها رضا وتعب، وقال بصوت هامس:
– “سامحني يا ابني.. أنا السبب في شقاك وعذابك.. بس والله.. ما هان عليا أموت وأسيبكم للذئاب.”
ضميت إيديه لصدري، وبصيت لشيرين اللي كانت بتعيط بصمت، وحسيت ساعتها إن الفرحة اللي دخلت بيها البيت من ساعتين ما كانتش غير وهم، وإن الحقيقة مهما كانت مُرة، أكبر بكتير من إني أتحملها.. بس الأغرب من كده، إن وسط كل السواد ده، حسيت لأول مرة من سنين طويلة.. إن أبويا عايش.. وإن بيتنا، رغم كل الخوف والتراب، لسه فيه روح بتجمعنا.



