روايات وقصص

حكايات صافى 2

استدارت ومسكت شنطتها، وخرجت من المكتب بخطوات ثابتة وقوية، من غير ما تلتفت وراها ولا مرة. وطارق فضل واقف مكانه يبص لي بنظرة أخيرة وقال: «فكّر كويس يا جاسر في كلامي.. لو لسه فيك ذرة حب حقيقي ليها ولأولادك، ابعد.. وسيبهم يرتاحوا.»

خرجت من المركز وأنا حاسس كأن روحي مسحوبة مني. ركبت العربية ورمزي كان قاعد جنبي باصص لي بقلق خايف ينطق. بصيت للكورنيش قدامي، وللبحر الواسع اللي ما كانش أكتر هدوءاً من نظرة سارة الأخيرة ليا.

قلت لرمزي بصوت مكسور تماماً: «على القاهرة يا رمزي.. ارجع بينا.»

ولأول مرة في حياتي، عرفت إن الفلوس والجاه مش بيشتروا أبداً أهم حاجة في الدنيا.. الإنسان اللي بيحبك بجد.

عدت إلى القاهرة، لكن جسدي فقط هو من عاد؛ أما روحي وعقلي فبقيَا هناك، على كورنيش إسكندرية، مع تلك الطفلة التي تشبهني، ومع المرأة التي كسرتها بجهلي وغفلتي ثم وجدت من يُداويها. مرّت الأيام ثقيلة كأنها جبال تُطبق على صدري. كنت أذهب إلى الشركة، أجلس على مكتبي الفاخر، أوقع على الأوراق والصفقات، لكن كل ركن في المكتب كان يذكرني بصوت سارة وهي تقول: “البيت اللي بتتكلم عنه ده اتدمر من تلات سنين يا جاسر.”

في أحد الأيام، وبينما كنت غارقاً في أوراق العمل، دخل رمزي مكتبي بدون موعد، ووجهه يكسوه قلق مختلف هذه المرة.. قلق ينم عن خبر جديد. وقف قدامي وقال بصوت متردد: «يا باشا.. مدام عنايات والدتك كانت بتسأل عنك بتقول إنها نازلة إسكندرية بكرة عشان تزور عمك القديم هناك، بس…»

قمت من مكاني بسرعة وخوفاً من اللي بيفكر فيه: «بس إيه يا رمزي؟! اتكلم!»

قال بخفوت: «الظاهر إن فيه حد من قرايبها شاف سارة صدفة في المركز الطبي بتاع دكتور طارق، ومعاها التوأم، والخبر وصل لها.. وبتسأل إزاي ولاد جاسر المهدي يتسجلوا في إسكندرية ومن غير ما تعرف!»

شعرت أن الدنيا دارت بي. أمي.. مدام عنايات، بصلابتها، وعقلها القديم، ونفوذها، لو نزلت إسكندرية وعرفت بالقصة، هتحاول تتدخل بطرق رسمية، وربما تسبب أزمة كبيرة لطارق وسارة وتطالب بالولاية بطرق تخص العائلة. صرخت في رمزي: «جهز العربية حالاً! لازم أسبقها على إسكندرية قبل ما تتحرك من القاهرة!»

ركبت العربية، ولم يكن أمامي سوى حل واحد.. يجب أن أذهب إلى طارق وسارة بنفسي، لا لأطالب بحق ولا لأمارس نفوذاً، بل لأحذرهم، ولأحاول لمرة واحدة في حياتي أن أحمي شيئاً صالحاً صنعته بيدي دون أن أفسده.

طوال الطريق، كنت أضغط على نفسي لأكون أسرع من الوقت. وصلت إسكندرية، وطلعت على مركز الدكتور طارق مباشرة. لم أهتم بنظرات الموظفات ولا باستغراب الأمن. فتحت باب مكتبه بقوة، وكان طارق قاعداً وحده، رفع عيونه فيا باستنكار وقال بحدة: «أنت تاني يا جاسر؟ مش كفاية اللي عملته المرة اللي فاتت؟»

قلت وأنفاسي متقطعة من التعب والتوتر: «اسمعني كويس يا دكتور.. مفيش وقت للكلام ده. أمي عرفت بالقصة، وجاية بكرة إسكندرية بكل إصرارها ومحاميها عشان تطالب بحقوق العائلة وتتحرك رسمياً. أنا جاي أحذركم!»

طارق وقف مكانه، وبانت على ملامحه علامات الصدمة والقلق الحقيقي لأول مرة. قال بصوت مشدود: «قصدك إيه؟ والدتك تعرف منين؟!»

قلت بوجع: «قريب لنا شاف سارة صدفة.. وأمي مش هتسكت. لو عرفت مكانكم هتحاول تفرض تدخلاتها القانونية!»

في تلك اللحظة، فتح باب المكتب ودخلت سارة. كانت تبدو هادئة، لكن في عيونها نظرة تحدٍ جعلتني أقف متجمداً. سمعت جزءاً من كلامي، وقالت بصوت ثابت وقوي: «وإيه اللي يخليك مهتم بينا للدرجادي يا جاسر؟ خايف على أمك ولا خايف على صورتك قدام المجتمع؟ ولا دي حركة جديدة عشان تبتزنا بيها؟»

بصيت لها بدموع أحرقت عيوني، وقلت من قلبي: «عشان لأول مرة في حياتي أكون بني آدم صح يا سارة! عشان فهمت إني طول عمري كنت أناني، ومش عايز أمي تظلمكم زي ما أنا ظلمتكم. أنا مش جاي أخد الولاد منك.. أنا جاي أقولك اسبقيني.. خبي الولاد وسافري أي مكان أمي ما توصلوش، وأنا هقف قدامها وهمنعها بنفسي، حتى لو أضحي بكل ما أملك!»

سارة بصت لي بذهول، كأنها مش مصدقّة إن الكلمات دي طالعة مني. وطارق تقدم خطوة وقال بنبرة هادئة ومتزنة: «تهرب؟ إحنا مش هنهرّب ولادنا من حد يا جاسر.. مدام عنايات دي ست زمان، لكن الحق مش معها، والولاد في شهادات الميلاد ولادك شرعاً، بس في الحقيقة والتربية هما ولادي أنا وسارة.»

قبل ما أرد، سمعت صوت تليفون طارق يرن بشدة على المكتب. رده، وفجأة بانت علامات الرعب على وجهه وهو بيبص لسارة وقال: «سارة.. المدرسة اتصلت بيكِ.. التوأم مش موجودين في الحضانة، المدرسين بيقولوا فيه ست كبيرة بملامح صارمة ومعاهم محامي دخلوا وخدوهم!»
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى