
طاهر سحب ورقة رسمية مختومة بختم نسر قديم وشيكات بنكية مسحوبة، وحطهم قدامي على الترابيزة:
— أحمد ما كانش مديون لنجلاء ولا حاجة… سعاد هي اللي كانت مديونة بمبالغ ضخمة لتاجر قماش في إمبابة، ومكسورة بشيكات وأحكام حبس غيابية! وسعاد ونجلاء استخدموا أحمد عشان يدوروا على عروسة عندها شقة ملك ومدخرات عشان يبيعوا الشقة بطريقة أو بأخرى ويسددوا ديون سعاد! أحمد كان مجرد “واجهة” غبية بيستخدموها وهم بيحرّكوه زي العروسة الماريتوند!
عيني وسعت وأنا بقرا الأحكام والشيكات. كان فيه أحكام حبس نهائية ضد سعاد من تلات سنين، وديون تتجاوز ستمية ألف جنيه!
طاهر كمل كلامه ونظراته جادة:
— الورقة المزورة اللي بتبصمتِ عليها وأنتِ نفاس، سعاد هي اللي أخدتها من أحمد وادتها لنجلاء عشان يكتبوا فيها مبلغ النص مليون جنيه، ويرفعوا بيها قضية عشان يضغطوا عليكِ تبيعي الشقة وتديهم الفلوس يسددوا بيها ديون سعاد قبل ما تتسجن! وأحمد الهبل ده ما كانش فاهم إن أمه بتلعب بيه وبمستقبله!
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط هيستيري على باب الشقة تاني. بس المرة دي ما كانش خبط تهديد… كان خبط ترجي وعياط!
أمي فتحت الباب بحذر، ولقينا أحمد واقف بره. كان شكله يرثى له، هدومه متبهدلة، وشعره منكوش، وعينيه جاحظة من التعب والسهر في القسم والنيابة. ولما شاف طاهر قاعد جوه ومفرش الأوراق، اتجمد مكانة وشهقه خرجت منه كأنه شاف شبح!
أحمد بص لطاهر وبعدين بصلي وصوته بيترعش:
— طاهر؟! أنت بتعمل إيه هنا؟! وأيه الورق ده؟!
طاهر وقف وبص لأحمد بقرف وقال له:
— جاي أصلح غلطة سكتّ عنها زمان يا أحمد… جاي أورّي ندى الملف الأسود بتاع أمك وأختك اللي أنت كنت مغمّض عينك عنه وراكع تحت رجليها!
أحمد قرب من الترابيزة ومسك الشيكات والأحكام الصادرة ضد أمه. أول ما قرا الأسماء والمبالغ والتواريخ، وشه اصفرّ والأوراق وقعت من إيده على الأرض.
— أمي… أمي عليها أحكام حبس؟ الشيكات دي حقيقية؟!
بصيت لأحمد بمنتهى البرود وقلت له:
— أمك اللي كنت بتقولي عليها “دي أمي يا ندى سيبيها براحتها”… أمك اللي كانت بتاخد أكل بنتك وهدومها وبتناديني بالبخيلة، كانت بتستخدمك أداة عشان تسرقني وتدفع ديونها! وأختك نجلاء كانت بتساعدها عشان تضمن إن الفلوس ما تروحش للتاجر وتفضل الشقة في جيبهم!
أحمد وقع على أركبه في نص الصالة وبدأ يعيط برداءة وصوت هيستيري:
— أنا ما كنتش اعرف… والله العظيم ما كنت اعرف إن الشيكات دي موجودة! هي قالت لي إن الورق ده عشان نأمن حق نجلاء بعد طلاقها! أنا ضعت يا ندى… نجلاء دلوقتي محبوسة في القسم، وأمي أغمى عليها ونقلوها المستشفى لما عرفت إن تقرير الطب الشرعي الصبح هيطلع بتزوير الصلب على البصمة!
أمي وقفت قدامه وبصت له بصرامة وقالت:
— أنت اللي ضيعت نفسك يا أحمد… لما سمحت لأمك ترفع إيدها على مراتك، ولما سكت لما أخدت أكل بنتك، ولما جوّزت نفسك بقلة رجولة وبصمت مرتك على ورق فاضي! 0اللي بيبيع كرامة بيته عشان يرضي باطل، ربنا بيكشفه في الآخر.
أحمد رفعت عينيه المليانة دموع ورجاني:
— ندى… أرجوكي، تنازلي عن المحضر بتاع نجلاء، وأنا أوعدك أنفصل عنهم تماماً! هكتبلك كل حاجة، وهبقى خدام تحت رجليكي أنتِ وليان! أمي هتضيع ونجلاء هتدخل السجن!
وقفت قدامه بمنتهى الصلابة والشموخ، وأنا ماسكة إيد بنتي ليان اللي خرجت من الأوضة وبصت لأبوها وهي مش فاهمة حاجة.
قلت له بصوت زي الحديد:
— التنازل ده حلم مش هتشوفوه… الحقوق اللي اتسرقت بالباطل والكرامة اللي اتداس عليها أربع سنين مش هترجع غير بالقانون. نجلاء وأمك هيتحاسبوا على التزوير والابتزاز، وأنت… أنت مالكش مكان في حياتنا تاني.
مسكت الموبايل واتصلت بالأستاذ عصام المحامي، وأديته رقم الملف والأوراق اللي جابها طاهر عشان يضمها فوراً لملف القضية في النيابة الصبح… ضربة قاضية أخيره هتنهي أسطورة سعاد ونجلاء للأبد!
أحمد بصلي بكسرة وذهول، وعرف إن الست اللي كان فاكرها ضعيفة وبخيلة، بقت الجدار الصلب اللي هيهدم كل مخططاتهم.
#الكاتب_رومانى_مكرم
الجزء الثامن والأخير
سكت أحمد تماماً، وما أخدش في إيده ثانية واحدة عشان يستوعب إن كل حاجة انتهت. الخيط اللي كانوا ماسكينه وبيهددوني بيه اتعقد حولين رقبتهم هما. طلع من بيت أمي في إمبابة يجر رجليه، مكسور ومهزوم، مش قادر يبص في عين حد ولا يواجه الحقيقة اللي كشفها طاهر.
ثاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة صافية فوق مجمع المحاكم. مشيت أنا وأمي والأستاذ عصام في الممرات الطويلة، بس المرة دي ما كانش فيه أي خوف أو تردد في خطواتي.
دخلنا مكتب وكيل النيابة، وكان الأستاذ عصام مجهز الملف الجديد بالكامل: أصل الشيكات والأحكام الغيابية الصادرة ضد سعاد، ورسالة الابتزاز المباشرة من نجلاء، وتقرير الخبير المبدئي من الطب الشرعي اللي أثبت إن صلب الإقرار اتكتب بحبر جديد فوق البصمة القديمة بفرق سنين!




