
وكيل النيابة قلب الورق بهدوء، ومشي صباعه على التواريخ والفروق بين عمر الحبر والبصمة، وبعدها بص للشاويش وقمر بإحضار المتهمين.
أول ما دخلت نجلاء من باب المحبوسين، كانت كأنها كبرت عشر سنين في يومين. شعرها متبهدل، عينيها ورمانة من العياط، وإيدها في الكلبش. ووراها دخلت سعاد وهي مسنودة على عكاز وبتبكي بصوت خافت، ومفيش في وشها غير الذل والكسرة بعد ما المستشفى حوّلتها للنيابة فور تحسن حالتها.
أول ما سعاد شافتني، حاولت ترمي نفسها عند رجلي وهي بتصرخ:
— سامحيني يا ندى! يا بنتي أرجوكي ارحمي شيبتي! نجلاء ملهاش ذنب، أنا اللي زقيتها، أنا اللي كنت خايفة من السجن والديون! أرجوكي اسحبي البلاغ ومش عاوزين الشقة ولا عاوزين أي حاجة!
أما نجلاء، فكانت بتبصلي بعيون مليانة التوسل والرجاء، الكبرياء والبجاحة اللي كانت بتواجهني بيهم طارت في الهواء، وقالت بصوت متقطع:
— يا ندى… عشان خاطر ليان بنتك، بلاش تخربي بيتي وتسجنيني! أنا عندي عيال!
بصيت ليهم الاتنين بثبات وصمت تام. افتكرت قسوتهم لما دخلوا المطبخ وياخدوا أكل بنتي، افتكرت بجاحة سعاد وهي بتقولي “يا بخيلة”، وافتكرت نجلاء وهي واقفة قدام الجيران بتتهمني في شرفي ومالي وبتحاول تسرق شقتي وتسلبني حضانة بنتي.
رديت عليهم بصوت هادي وواثق هز جدران المكتب:
— اللي ما رحمش طفلة عندها أربع سنين وجرّدها من أبسط حقوقها، واللي حفر فخ عشان يرمي ست مظلومة في السجن ويستولى على شقا عمرها… ما يطلبش الرحمة لما يقع في شر أعماله. القانون هو اللي بيننا.
وكيل النيابة ضرب بيديه على الترابيزة وقرأ القرار النهائي:
“إحالة المتهمة نجلاء والمتهمة سعاد إلى محكمة الجنايات بتهم التزوير في محررات رسمية، وخيانة الأمانة، والابتزاز والشروع في النصب. مع استمرار حبس المتهمة الأولى، وتحديد جلسة عاجلة للحبس الصارم.”
في نفس اليوم، رفع الأستاذ عصام دعوى طلاق للضرر ضد أحمد، مرفقة بجميع الأحكام والتهم الموجهة لأهله وتزويره للتوقيع والبلاغات الكاذبة. أحمد ما قدرش يقف قدام القاضي أو ينكر كلمة واحدة، وتم الطلاق بحكم محكمة نهائي، مع إلزامه بكافة نفقات ليان والتمكين الكامل للشقة باسمي وبحضانتي التامة.
بعد مرور ستة أشهر…
كنت واقفة في مطبخ شقتي في شبرا، نفس المطبخ اللي شهد بداية الكابوس يوم حلة اللحمة. الريحة الحلوة كانت مالي المكان، وأمي كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التلفزيون، وليان بتجري حواليها بتضحك وبصحة وعافية.
الشقة كانت هادية، مليانة دفء وأمان. سعاد ونجلاء أخدوا أحكام بالسجن المشدد والتنفيذ الفعلي، وأحمد ساب المنطقة كلها وسافر يشتغل في مكان بعيد وهو شايل خيبته وذنبه طول العمر.
مسكت موبايلي، وبصيت لبنتي اللي جرت عليّ ومسكت في فستاني وهي بتقول:
— ماما… الأكل ريحته حلوة أوي، هنعمل أكل لمين النهاردة؟
وطيت مستوى طولها، ونزلت لمستها وأنا ببتسم من كل قلبي وبمسح على شعرها:
— هنعمل الأكل لينا إحنا وبس يا قلب ماما… لينا إحنا وبس.
اتعلمت إن الحدود مش بخل، وإن السكوت عن الحق مش صبر، لكن القوة الحقيقية هي إنك تقفي في وجه الظلم مهما كان قريباً، وتدوسي على قلبك عشان تحمي بيتك وبنتك وكرامتك.
#الكاتب_رومانى_مكرم
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




