عام

حكايات اسما السيد 2

مرت ثلاثة أيام على ليلة المطبخ. ثلاثة أيام والبيت الذي كان يضج بضحكات الأطفال وصراخهم، تحول إلى متحف من الصمت .

كان أحمد يجلس على أريكة الصالة، يحدق في الفراغ. السجائر تملأ المطفأة أمامه، وعلب الطعام الجاهز ملقاة على الطاولة. في اليوم الأول، حاول أن يقنع نفسه بالإنكار؛ قال لنفسه إن ندى مجرد امرأة غاضبة، ستمر أيام قليلة، وتثقل عليها الأيام مع ثلاثة أطفال في بيت والدها، وستعود مجبورة تطلب الصفح.

مقالات ذات صلة

لكن اليوم الثالث جاء بحقيقة مختلفة تماماً.

صباح ذلك اليوم، ذهب أحمد إلى مقر شركته الصغيرة. كان يمني نفسه بأن يبدأ يومه بالتركيز في العمل لينسى الكابوس الذي يمر به. لكنه بمجرد أن وطأت قدمه باب الشركة، لاحظ نظرات الهمس بين الموظفين. دخل مكتبه ليجد إخطاراً رسمياً من البنك بالتحفظ المؤقت على الحساب الجاري للشراكة، بناءً على دعوى قضائية عاجلة لإثبات شريكة وتحفظ على الأصول، مرفقة بجميع العقود والأوراق التي وقعها بنفسه لندى قبل سنوات.

سقط أحمد على كرسيه، والشعور بالعجز يخنقه. لم تكن ندى تهدد، بل كانت تنفذ كل خطوة بدقة وهدوء شديدين، وبمساعدة شقيقها الأكبر الذي يعمل محامياً بارعاً.

في مساء اليوم نفسه، وبعد أن أدرك أن محاولات المكابرة ستؤدي به إلى الإفلاس التام، قرر أحمد أن يبتلع كبرياءه. ارتدى ملابسه، وركب سيارته متجهاً إلى بيت حماه.

وصل أحمد إلى البناية، وصعد الدرجات بخطوات ثقيلة. قلبُه كان ينبض بسرعة غير معتادة. رن الجرس، وبعد لحظات فتح له والد ندى، الحاج عبد الله.

لم ينظر إليه الحاج عبد الله بغضب، بل بنظرة هادئة متفحصة.

“ادخل يا أحمد.”

دخل أحمد الصالة. كانت الشقة دافئة، وصوت شاشة التلفاز يعمل بصوت منخفض. أشار له الحاج عبد الله بالجلوس في المجلس، بينما كانت زوجة حماه تخرج من الغرفة وهي تحمل أحد التوائم، وبجوارها ندى تداعب الطفل الثاني.

عندما دخل أحمد، رفعت ندى عينيه إليه. لم تكن نبرة وجهها تحمل أي غل، بل كان ثباتاً كاملاً. ثبات الشخص الذي تعافى من الصدمة وأصبح يعرف قيمته جيداً.

جلس أحمد، ونظر إلى الأرض لفترة قبل أن يبدأ الكلام:

“عمي… ندى… أنا أظن إن الموضوع كبر زيادة عن اللزوم. إحنا عيلة، وبيننا تلات أطفال، ومش صح إن المحاكم والشركات تدمر اللي بيننا.”

رد الحاج عبد الله بوقار وهو يجلس أمامه:

“المحاكم ما بتخربش اللي بين الناس يا أحمد… المحاكم بتيجي لما الأصول والأخلاق بتعجز عن حماية الحقوق. أنت اللي بدأت لما حطيت لمراتك ميزان، وقلت لها دي تصرف ودي تشتغل، وده يستحق وده ما يستحقش.”

أحمد نظر إلى ندى وقال بنبرة انكسار حقيقية لم تعتدها منه:

“ندى… أنا غلطت. أنا معترف إن الكلمة كانت قاسية ومكنتش أقدر حجم التعب اللي أنتِ عايشة فيه. أنا لما سافرت الساحل، كنت فاكر إن شغل البيت حاجة سهلة، وإن السهر مع الأطفال عادي. بس لما قعدت في البيت تلات أيام لوحدي، من غير عيال حتى، وعرفت إن الشركة ممكن تروح مني… حسيت إني كنت بظلمك وبظلم نفسي.”

ظلت ندى صامتة لثوانٍ، تحرك ألعاب الطفل بين يديها، ثم رفعت رأسها وقالت بوضوح:

“أحمد… أنا مش جاية أحاربك، ولا هدفي إني أخسرك شركتك. الفلوس والأوراق دي كلها كانت مجرد وسيلة عشان تفوق. عشان تفهم إن الشراكة في البيت مش فضلة منك، والرحمة مش منة. أنا سيبت شغلي بطلب منك، وعشت ست شهور في جحيم التعب والمسئولية، وأنت كنت بتتفرج عليا وكأني خدامة في البيت، وفي الآخر تقول إني ما استحقش حتى أبص للبحر.”

أحمد اقترب خطوة وقال:

“حقك عليا. أنا مستعد أصلح كل حاجة.”

هنا تدخل الحاج عبد الله، وأخرج من جيبه ورقة مطبوخة بدقة، وحطها على الطاولة أمام أحمد.

“عشان نصلح يا أحمد، المبادئ ما بتتجزأش. دي شروط ندى للرجوع، ومش مسموح فيها بالفصال:”

أحمد مسك الورقة وبدأ يقرأ الشروط:

* إعادة هيكلة الشراكة: تثبيت ملكية ندى لـ 40% من الشركة بشكل رسمي وموثق في الشهر العقاري كشريكة مساهمة، ولها نسبة سنوية ثابتة تُحول لحسابها الخاص.

* مساعدة دائمة: التعاقد مع جليسة أطفال ومساعدة منزلية بدوام كامل على نفقة أحمد الخاصة، لتخفيف العبء عن ندى.

* المشاركة الفعلية: تخصيص يومين أسبوعياً يلتزم فيهما أحمد بالتواجد الكامل في البيت والمشاركة في رعاية الأطفال.

* عطلة تعويضية: السفر سوياً كعائلة كاملة إلى الساحل، وتأمين كافة وسائل الراحة لندى والأطفال، بعد تنظيم ترتيبات السفر بشكل مريح.

أحمد رفعت عينه بذهول وقال:

“يا عمي… التعاقد مع مربية ومساعدة كل شهر هيررهق ميزانيتي!”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى