
طلع محمود السلم بخطوات ثقيلة ومكسورة، والكل طالع وراه.. صوت جزم إخواتي وأبويا على السلم كان بيصحي في قلبي كل لحظة ظلم وكسرة نفس عشتها في البيت ده خلال الست شهور اللي فاتوا. حماتي كانت واقفة على باب شقتها تحت، بتبص علينا بغل وعينيها بتطق شرار، بس ما قدرتش تنطق بكلمة واحدة بعد ما شافت إصرار بابا وعمامي وموقف جوز بنتها اللي رجّع الميكرويف وهو ساكت ومكسوف.
حط محمود المفتاح في الباب وفتحه، والشقة كانت ساحبة العفرة وريحة النكد مالية المكان. أول ما دخلنا الصالة، بابا بص للتكييف المتركب على الحيطة، هديتي اللي شقي فيها عشان يرطب عليا، ولّف لعمي وقال:
* اتصل بالفني يا أبو كريم خليه يجي يفك التكييف فوراً، وحاجة بنتي اللي جابتها بفلوسها تتلم.
محمود كان واقف في نص الصالة زي الألف، مش عارف يعمل إيه ولا يروح فين. قرب من بابا وحاول يمسك إيده:
* يا عمي استهدي بالله، الميكرويف ورجع، والتكييف صاحب البيت أولى بيه، عبير مراتي وحبيبتي والزعل ده بين أي اثنين متجوزين، بلاش نوصلها للطلاق وخراب البيوت عشان أجهزة وحاجات تتجاب بفلوس!
بابا نفض إيده بصرامة وبص له بنظرة جمدت الدم في عروقه:
* خراب البيوت بدأ من اليوم اللي سمحت فيه لأمك تحط عينها على شقا مرتك! من اليوم اللي اديتها مفتاح الشقة تدخل في غيابها تسرق حاجتها وتوزعها على بنتها! البيت اللي ما فيهوش أمان لمرتك مش بيت، والراجل اللي ما يصونش حرمة بيته وشقا مرته ما يلزمناش!
دخلت أوضة النوم، ودموعي نازلة بس المرة دي مش دموع ضعف، دي دموع قهر بيتنضف. فتحت الدولاب وطلعت الشنط الكبيرة، بدأت ألم هدومي، أطقم الملايات اللي جايباها بفلوسي، الشنط والساعات والجزم، وكل حاجة دخلت بيها البيت ده. محمود دخل ورايا الأوضة وقفل الباب بالراحة، كانت عينيه أحمرت وبيحاول يمسك إيدي:
* عبير.. أرجوكي تفكري، أنتِ بتضيعي ست شهور جواز عشان موقف؟ أنا غلطت، معترف إني غلطت لما جاملت أمي وأختي على حسابك، بس أنا بحبك ومقدرش أستغنى عنك! أمي ست كبيرة ومبتفهمش في الأصول، وأنا اتحطيت في المكبس بينكم!
بصيت له بثبات ورفعت صباعي في وشه:
* ما تقولش اتحطيت في المكبس! أنت فتحت الشقة بإيدك يا محمود! أنت اديت أمك الخيط اللي تخنقني بيه! الميكرويف ده أنا كنت بقسطه من مهيتي، من وقفتي في الشغل وطول اليوم على رجلي، وأنت بكل سهولة خدته تراضيها بيه عشان خايف ترفع صوتها عليك! أنت مش راجل يتحامى فيه، أنت مجرد ظل لأمك!
الكلمة نزلت عليه زي اللطمة، وشها احمر وشد على أسنانه:
* أنا مش ظل لأمك يا عبير! احترمي نفسك وما تتعديش حدودك!
* الحدود أنت اللي مسحتها لما دخلت أهلك بيتي في غيابي!
خرجت وسيبته يتكلم مع نفسه في الأوضة. في الصالة، كان الفني جه وبدأ يفك التكييف، صوت الشكوش والمفك وهو بيفك الوصلات كان زي النغم في ودني، كأني باسترد كرامتي حتة حتة. عمامي كانوا واقفين يشرفوا على كل حاجة، وبابا واقف على باب المطبخ بيلم الأجهزة الكهربائية الصغيرة اللي أنا جايباها بفلوسي، الخلاط، العجان، والكتل.
حماتي طلعت السلم تاني لما سمعت صوت الدق، ووقفت على الباب تزعق بصوت بحوح:
* أيوة اخلعوا! اخلعوا وهاتوا اللي جابوه! الشقة هتفضل لابني، وألف مين تتمنى تراب رجله! بكرة أجوزه سيد سيده، واحدة تعرف الأصول وتعرف إن خير البيت لأهل البيت!
عمي الكبير لف لها وقالها بصوت هادي بس يقطع العرق ويسيح الدم:
* ربنا يسعده يا ست، بس ابنك بكرة لما يجي يتجوز، ابقي قولي لأهل العروسة الجديدة إنك بتدخلي الشقة بمفتاح وتسرقي عفشها وتديه لبنتك! عشان يبقوا عارفين الأصول اللي بتتكلمي عنها!
حماتي اتخرست ووشها جاب ألوان، وما لقيتش حاجة تقولها غير إنها تدبدب ورجعت نزلت شقتها وهي بتبرطم وتدعي علينا.
بعد ساعة زمن، كانت الشنط كلها الملمومة في الصالة، والتكييف محطوط في كرتونته، والميكرويف جنبه. محمود كان واقف عند الباب، يائس، ومكسور قدام الشارع كله وهو شايف عفش مراته بينزل في عربية نص نقل بابا جابها.
قربت منه، وطلعت مفتاح الشقة من شنطتي، مسكت إيده وحطيت المفتاح في كفه وقفلته عليه:
* ده مفتاح شقتك يا محمود.. اديه لأمك تفتح وتقفل بيه زي ما هي عوزة، وبكرة المحامي هيتصل بيك عشان أوراق القايمة ونفقة المتعة وحقوقي كلها.. اللي أخدته بالقانون هيرجع، واللي أخدته بالبلطجة رجعناه إمبارح والنهارده.
محمود بص للمفتاح في إيده ولادي بصوت مبحوح:
* عبير.. مش هسامحك إنك فضحتينا وهديتي البيت!
رديت عليه وأنا نازلة السلم ومن غير ما ألتفت ورايا:
* أنت اللي هديته لما حسستني إني غريبة في بيتي.. والبيت اللي يتسرق صاحبه، ما يتبكيش عليه.
نزلت السلم بخطوات واثقة، ركبت العربية جنب بابا وعمامي، والعربية تحركت بينا. بس وأنا ببعد عن العمارة، بصيت من الشباك.. لقيت محمود واقف في البلكونة يبص عليا، وحماتي واقفة في الشباك اللي تحته بتلوّح بإيدها بغل.. كنت فاكرة إن الموضوع خلص لحد هنا، بس ما كنتش اعرف إن محمود وأمه ناوين على مصيبة أكبر هيقلبوا بيها الطاولة عليا في الشغل والمحاكم!
مر أسبوع كامل وأنا في بيت أبويا، أسبوع كانت أعصابي فيه زي الأوتار المشدودة. كنت بحاول أرمي كل اللي حصل ورا ضهري وأركز في شغلي، خصوصاً إن المحامي بدأ بالفعل يجهز أوراق القايمة ودعوى النفقة وباقي الإجراءات القانونية. بس محمود وأمه ما كانوش من النوع اللي يسلم بسهولة، كان جواهم غل ونار بتاكل فيهم بعد ما كسرنا شوكتهم ورجعنا حاجتي قدام المنطقة كلها.
في صباح يوم الأحد، نزلت شغلي في الشركة اللي شغالة فيها موظفة مبيعات من أربع سنين. مكان شغلي بالنسبة لي كان ملاذي الوحيد اللي بحس فيه بكياني وكرامتي. طلعت المكتب، وسلمت على زميلاتي وقعدت على مكتبي أتابع الإيميلات والشغل اللي تراكم عليا.
على الساعة 11 الصبح، فجأة هدوء الممر المكاتب اتكسر بصوت زعيق وزيطة طالعة من دور خدمة العملاء والاستقبال تحت. الصوت كان بيعلى وبيزيد، ولحظات ولقيت زميلتي دخلت الأوضة وشها أصفر وبتهتز:
* عبير! الحقي! في ست كبيرة وشاب طالعين يصرخوا في الطرقات وبيسألوا عن مكتب المدير وعن مكتبك أنتِ بالذات!
قلبي مقطوع ووقفت على طولي. خرجت الممر، وكانت الصدمة..
حماتي “أم محمود” ومحمود معاها، طالعين الممر ورجال الأمن بيحاولوا يمنعوهم، بس حماتي كانت بتصرخ بصوت أعيرة نارية يملأ الشركة كلها:
* فين مدير الشركة دي؟! فين الموظفة الخائنة اللي شغالينها عندكم؟! تعالوا شوفوا الموظفة محترمة اللي جوزها وبتتبلى على أهله وتجيب لهم البوليس!
زمايلي كلهم خرجوا من المكاتب، والناس كلها وقفت تتفرج وتتهامس. محمود كان واقف جنب أمه، مش بيمنعها، بل كان واقف وشه عرقان وبيمثل دور الزوج المظلوم المكسور.
حماتي أول ما شافتني واقفة على باب المكتب، شاورت عليّ بإيدها وصرخت بصوت هز الدور كله:
* أهي! أهي الست هانم! جاية تقعد لي في التكييف هنا وتعمل نفسها موظفة شريفة، وهي سالبة جوزها وراهنة حاجته وواخدة فلوسه وعاملة لي فيها بريئة! يا ناس دي ست مش أمينة، والشركة دي لازم تعرف حقيقتها!
دمي اتصفى من وشي، وإيدي اترعشت من كثرة الإهانة، بس مسكت نفسي بالعافية وقربت بخطوات ثابتة وقولت بصوت حاد ومسموع:
* أنتِ بتعملي إيه هنا يا ست أنتِ؟! أهلاً بكِ في مكان شغلي عشان تتفضحي بالقانون! أنتِ وجوزي جايبين نفسكم لحد هنا ليه؟
في اللحظة دي، خرج أستاذ “سامح” مدير الفرع من مكتبه، راجل صارم وشديد، وشها متجهم من المهزلة اللي بتحصل:
* في إيه هنا؟! إيه الفوضى دي؟ مين الناس دول ويا عبير إيه التهريج ده في مكان العمل؟!
محمود اندفع للأستاذ سامح وحط إيده على صدره يتكلم بمسكنة وخبث:
* يا فندم أنا جوزها.. الأستاذة عبير الموظفة الملتزمة عندكم، حابسة حاجتي ورافعة عليا قضايا تزوير وسرقة وبتمارس عليا بلطجة هي وأهلها! وجاية شغلك تتدارى فيكم وأنا جاي أطالب بحقي وبمرتبها اللي بتاخده وما بتدفعش منه مليم في بيتي!
حماتي كملت وراه ببراعة:
* أيوة يا بيّ! دي بتيجي هنا الشغل تسيب بيتها خراب وتيجي تأكل وتشرّب على قفا جوزها، وخدت أجهزة البيت كلها وهربت! شركة محترمة زي دي إزاي تشغّل عندها واحدة بالقسوة والافترى ده؟
الأستاذ سامح بص لمحمود ولأمه بنظرة احتقار قاطعة، ولّف لي وقال بجمود:
* عبير.. اتفضلي على مكتبي حالاً. وأنتوا اتفضلوا ادخلوا معها عشان المهزلة دي تنتهي هنا.
دخلنا المكتب، والأستاذ سامح قفل الباب وقعد ورا مكتبه، وبص لمحمود وقال بلهجة ثقيلة:
* الأستاذ بيقول إن عبير خدت حاجته وهربت ورامياك؟ ممتاز.. عبير شغالة معانا هنا من أربع سنين، وكل القرارات المادية وفواتير الشراء والتقسيط بتم من خلال الشركة بخصم مباشر من مرتبها. الميكرويف والأجهزة اللي بتتكلموا عنها، عبير قسطتها من مرتبها الخاص ومعانا الفواتير هنا في شؤون العاملين باسمها وبإمضائها!
محمود اتلخبط ووشها جاب ألوان، وقال يتلعثم:




