عام

حكايات نور محمد1

«لما طلبت أروح أرتاح يومين عند أختي وأنا حامل في السابع، جوزي قفل باب الشقة بالمفتاح، وحماتي ميلتني بالغصب على ترابيزة السفرة. وهو مكتف إيديا، سمعتها بتقول ببرود: “الظاهر إننا دلعناها.. ولازم تتربى”. في المستشفى طلبت الحماية وبلغت عنهم لأول مرة.. وفي اللحظة دي، دخل علينا عامل دليفري معاه كارت ميموري، شايل كارثة محدش فيهم كان يعرف بوجودها!!!!»

​”ندى” كانت حامل في الشهر السابع، لما جوزها أجبرها توطي على ترابيزة السفرة الخشب في الصالة، وحماتها رفعت عصاية خرزان كأنهم بينفذوا حكم إعدام في محكمة محدش بره جدران الشقة دي يملك حق التدخل فيها.

​البيت كان في منطقة شعبية هادية، شارع جيرانه كلهم عارفين بعض وبيصبحوا على بعض من البلكونات. من بره، “طارق” كان بيمثل دور الزوج المثالي؛ شغال محاسب في شركة محترمة، بيدفع فواتيره في ميعادها، وبياخد ندى يكشف عليها في العيادة وهو ماسك إيدها قدام الناس. و”الحاجة سعاد” أمه، كانت دايماً تتباهى قدام الجيران وتقول: “الطفل اللي جاي ده هيكون نور عيني وفرحة العيلة”.

​بس جوه الشقة.. كل نفس بتتنفسه ندى كان محتاج إذن وموافقة.

​الوضع بدأ يتحول لجحيم بجد لما ندى أعلنت إنها تعبانة، ضهرها بيوجعها ومبتعرفش تنام، وطلبت تروح تقعد ٤ أيام عند أختها الكبيرة “شيماء” عشان ترتاح شوية قبل ميعاد ولادتها. هي مكنتش بتهرب ولا بتسيب البيت، كانت بس محتاجة حد يخدمها يومين بدل ما هي بتخدم العيلة كلها وهي بطنها قدامها متر.

​الحاجة سعاد سابت اللي كانت بتقطع بيها الخضار في المطبخ، وبصت لندى بنظرة كلها شر وقالت:

“رايحة تقعدي عند أختك عشان تحكيلها اللي بيحصل هنا وتشتكينا؟”

​ندى حست برعشة في جسمها وردت بخوف:

“والله أبداً يا ماما، أنا بس تعبانة ومحتاجة أرتاح.. مش أكتر.”

​في اللحظة دي، طارق اللي كان واقف عند باب الشقة، لف المفتاح في الكالون وشاله في جيبه، وقال بصوت يخوف:

“إنتي بقالك فترة بتعملي اللي على مزاجك وبتكسري كلمتي.”

​الجملة دي مكنتش جديدة. بقاله شهور بيفتش في تليفونها، بيحاسبها على فلوس الكشف والدوا، وأي محاولة منها إنها تزور أختها بيعتبرها خيانة ليه ولأمه. وبعد كل خناقة كان بيعتذر، ويجيب شيكولاتة، ويوعدها إن أمه مش هتدخل بينهم تاني.

​بس يوم الجمعة ده.. طارق معتذرش.

​الحاجة سعاد سحبت ترابيزة السفرة لنص الصالة، وطلعت عصاية خرزان مرنة من اللي بيسندوا بيها الستاير، ووقفت مستنية.

​ندى بصت لطارق ودموعها في عينيها بترجاه يوقف المهزلة دي:

“أنا حامل يا طارق.. حرام عليك!”

​رد عليها بجمود:

“عشان كده بالذات لازم تتعلمي إزاي تبقي ست بيت مطيعة وماتعمليش مشاكل.”

​طارق مسك دراعاتها الاتنين وكتفهم ورا ضهرها، وأجبرها توطي على الترابيزة. ندى كانت بتحاول تفلت وتضم نفسها عشان تحمي والجنين. والحاجة سعاد بدأت تضربها بعنف وهي بتزعق: “الست المتجوزة متقومش أهلها على جوزها!”. ندى فضلت تصرخ وتترجاهم يوقفوا.. مش عشانها، عشان حتة اللحم اللي في بطنها.

​بس هما موقفوش.

​لما خلصوا، سابوها مرمية على الأرض جنب باب الحمام. ندى مكنتش قادرة تقف على حيلها. زحفت بصعوبة لحد باب ، وبصت من العين السحرية، شافت جارتهم اللي في الوش واقفة ورا بابها الموارب.. كانت سامعة وشايفة، بس قفلت بابها ومحدش اتدخل.

​بعد دقايق، جارة تانية اسمها “أمينة” من الدور اللي تحت، سمعت صريخها المتواصل وطلبت الإسعاف والنجدة.

في المستشفى، بعد ما الدكاترة كشفوا عليها واتطمنوا على نبض الجنين وأثبتوا الكدمات اللي في جسمها في التقرير الطبي، دخل ظابط المباحث وسألها سؤال مباشر:

“يا مدام ندى.. مين اللي عمل فيكي كده؟”

​ولأول مرة من سنين.. ندى بطلت تحمي طارق.

بصت في عين الظابط وقالت بصوت مكسور بس مليان قهر:

“جوزي.. وحماتي.”

​كانت فاكرة إنها أخدت أصعب وأخطر خطوة في حياتها، وإن دي النهاية.

​بس فجأة، باب الأوضة بتاعة المستشفى خبط، ودخلت الجارة “أمينة” ومعاها شاب غريب لابس يونيفورم شركة شحن. الشاب كان ماسك في إيده كيس بلاستيك شفاف جواه “كارت ميموري” صغير جداً.

​وقف قدام السرير وقال وهو بيبص للظابط ولندى:

“أنا اسمي مصطفى.. الموتوسيكل بتاعي كان راكن تحت شباك الصالة بتاعكم بالظبط، والكاميرا اللي مركبها في الخوذة بتاعتي كانت شغالة.. وأعتقد إنها صورت حاجة من الشباك المفتوح، جوزك وحماتك ميعرفوش أصلاً إنها اتسجلت.. وحاجة مرعبة ملهاش خالص!!!!”

الشاب “مصطفى” وقف ثواني، الأنفاس كانت مقتولة جوة أوضة المستشفى. ظابط المباحث بص للكارت الميموري الصغير اللي في إيد مصطفى، وبعدين بص لندى اللي كانت عيونها تايهة ومش مصدقة إن فيه بصيص نجاة جه من برا جدران الشفة الملعونة دي.

الظابط أخد الكارت من إيد مصطفى بحذر، وطلب من الممرضة تجيب لاب توب أو تفتح شاشة التلفزيون الموجودة في الأوضة. قلب الأوضة اتحول لساحة تحقيق مصغرة. الكل كان بيلتقط أنفاسه بصعوبة، وأمينة الجارة واقفة على الباب بتهز راسها بحزن وندم على كل مرة سكتت فيها زمان.

تلات دقايق وتجمع الكل حوالين الشاشة. مصطفى وصل الكارت وفتح ملف الفيديو.

الصورة ظهرت واضحة ونقية جداً. الكاميرا اللي كانت متثبتة على خوذة الموتوسيكل بتاعه تحت الشباك جابت الزاوية بالمللي. زاوية الصالة اللي حصل فيها الاعتداء بانت على الشاشة، بس اللي لفت نظر الظابط ومنع النفس في صدور الكل.. مكنش الضرب اللي حصل، ده كان اللي حصل *قبل* وبعده بدقائق معدودة!

الفيديو جاب طارق وهو بيمد إيده في جيب “الجكت” بتاع أمه الحاجة سعاد، وبيطلع علبة صغيرة جداً، شفافة، جواها بودرة بيضاء مشبوهة. طارق بص لأمه وقالها بالنص والصوت كان واضح بجودة عالية بفضل مايك الخوذة:

“لو الجرعة دي مكملتش العلبة بتاعتها وماتعدلتش قدامي، البوليس هيعرف إنها بتتاجر في المخدرات، وساعتها ابنها هيضيع في الرجلين، وهي هتدبس في القضية لوحدها وهي في العمر ده.. لازم نفضل ضاغطين عليها لحد ما تمضي على التنازل بتاع بيت أبوها اللي كتبه باسمها قبل ما ، عشان أقدر أبيعه وأسدد ديوني للناس اللي بره.”

الحاجة سعاد ردت عليه ببرود من نفسه:

“اعمل اللي تحب يا طارق.. المهم الفلوس، والبت دي ملهاش رجعة للبيت ده غير وهي مرتاحة وساكتة على كل حاجة.”

الظابط فتح عيونه بصدمة، وبص لندى اللي كانت قاعدة على السرير، الدموع جمدت في عيونها وهي مش سامعة صوت من كتر الصدمة. مش مجرد قسوة ولا تحكم مرضي.. دي كانت عصابة جوة البيت! جوزها وأمه كانوا بيخططوا يسرقو ميراثها من أبوها، ويحولوا حياتها لجحيم منظم، والأكتر من كده.. إنها اكتشفت إن الشرب أو الأكل اللي كانت بتاكله في البيت الفترة اللي فاتت، وخلاها تحس بهزلان ودوار مستمر، كان بيتحط لها فيه حاجات غريبة بمرسوم من حماتها عشان تفضل تحت السيطرة!

ظابط المباحث قفل اللاب توب بحدة وبص لواحد من العسكري الواقفين برة الأوضة وزعق بصوت مسموع:

“اطلع فوراً بقوة مدعومة على الشقة دي.. هاتلي طارق وأمه، ومحدش يخرج منها غير وهما مكتفين، وفتش الشقة شبر شبر ودور على العلب اللي في الفيديو!”

ندى بصت لمصطفى وقالت بصوت مكسور وشففاها بتهتز:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى