
ساد صمت مرعب في الغرفة بعد الكلمة الأخيرة التي نطقت بها فوزية. ابتسامتها المريبة والمليئة بالشر جعلت تتجمد في . بصيت لياسين لقيته واقف مصدوم، ينظر لأمه بذهول وكأنه يكتشف لأول مرة الشخصية الحقيقية للمرأة التي عاش في ظلها طوال حياته. ياسين قرب من أمه مسكها من كتفيها بهستيريا في وجهها:
«يعني إيه يا أمي؟ يعني إيه عايش في مكان أقرب من خيالنا؟ انطقي عملتي إيه من سنتين؟ الممرضة القديمة دي كانت بتعمل إيه عندك؟ ومين الطفل ده؟».
فوزية نفضت إيد ياسين بقوة وقالت ببرود مستفز:
«عايز تعرف؟ اسأل الدكتورة اللي واقفة تتبلى عليا! اسألها هي فوزية اللي خرجتك يا ياسين من أزمات مالية كان ممكن تدخلك ، ولا نسيت من سنتين لما شغلك وقف وشركتك أفلست وفجأة لقينا الفلوس اللي سددت ديونك وعملت لك المعرض الجديد؟ فاكر الفلوس دي جَت منين؟».
اتسعت عينا ياسين، وتراجع خطوتين لورا كأنه اتضرب على سدره. بص لي وهو بيبلع ريقه بصعوبة وقال بصوت متقطع:
«أمي.. إنتي.. إنتي الفلوس دي جبتيها منين؟ إنتي قلتي لي إنك بعتي حتة أرض ورثتيها من جدتي!».
فوزية ضحكت بصوت عالٍ ومستفز وقالت:
«أرض؟ أرض إيه يا غبي! أنا بعت الجنين! بعت الولد للست ثريا هانم اللي كانت محرومة من الخلفة ودفعت فيه مليون جنيه كاش في ساعتها! الممرضة والدكتور الفاسد في المستشفى الحكومي أخدوا نصيبهم، وأنا أخدت الباقي سددت بيه ديونك وجوزتك بمريم بعد ما قامت من الغيبوبة عشان نضمن إن السر يفضل مدفون وما تفتكرش أي حاجة!».
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. الغرفة بدأت تدور بيا، وأنفاسي قطعت. سرقت ابني.. بعت طفلي وهو لسه مولود وأنا بين الحياة والموت في غيبوبة، واستغلت الفلوس عشان تنقذ ابنها وبعدها جوزتني له عشان تسيطر عليا وتحتفظ بالسر تحت عينها!
صصرخت بأعلى صوتي وأنا بمسك بطني وبحاول أقف من على الكرسي:
«يا مجرمة! يا شيطانة! بعتي ابن أختك وقريبتك وبعتي طفلي؟ عملت لك إيه عشان تحرميني من ابني وتخليني أعيش سنتين فاكرة إن عمري ما حملت؟».
في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف ودخل رجلين من رجال الشرطة ومعاهم ضابط بمباحث المستشفى، ومسكوا فوزية ونادية اللي كانت بتحاول تتسلل وتخرج من الغرفة.
الضابط قال بصرامة:
«الحاجة فوزية، مطلوب القبض عليكي وعلى الممرضة اللي تحت بتهمة التزوير في أوراق رسمية وتجارة البشر واختطاف أطفال. اتفضلي معانا من غير شوشرة!».
فوزية وهي بين إيدين الشرطة، التفتت لياسين المنهار على الأرض وصرخت فيه:
«إنت هتقف تتفرج عليا يا ياسين؟ أنا عملت كده عشانك! عشان ما تضيعش! الفلوس اللي كبرتك وعملت لك اسم كانت من ورا البيعة دي! إنت شريك معايا في كل جنيه صرفته!».
ياسين كان حاطط إيده على راسة وبيبكي بحرقة، مش قادر يرفع عينه في عيني. بصيت له بقرف واشمئزاز. الزوج اللي كنت فاكراه سندي، كان معيشني في وهم بالفلوس اللي اتدفنت بيها أمومتي وحرماني من ابني الأول.
قربت الدكتورة ريهام مني وحاولت تهديني وهي بتمسك نبضي وتتأكد إن حالة الحمل الحالي مستقرة، وقالت للضابط:
«يا فندم، مريم محتاجة نقل فوراً لغرفة العناية المركزة، الضغط عندها مرتفع جداً والولادة ممكن تتم في أي لحظة، لازم نحقق مع المتهمة ونعرف اسم الست ثريا هانم عنوانها فين فوراً قبل ما تهرب بالطفل!».
فوزية وهي بتتجر لبرة الغرفة، بصت لي بابتسامة متشفية وقالت كلمتها الأخيرة قبل ما الباب يتقفل:
«تدوري على مين يا دكتورة؟ ثريا هانم سافرت برة مصر بالولد من سنة.. والولد دلوقتي مش باسم مريم، الولد اتسجل برة باسم عيلة ثانية خالص، وعمرك ما هتلاقيه يا مريم.. عمرك!».
انهارت في النحيب، وبطني بدأت تتشنج بآلام ولادة حادة ومفاجئة. الدكتورة ريهام صرخت في الممرضات:
«جهّزوا غرفة العمليات فوراً! مريم بتولد!».
وأنا بتنقل على السرير لغرفة العمليات، وسط صراخي وآلامي، كان ياسين بيجري ورا السرير وبيترجاني أسامحه، لكن كل اللي كان في عقلي في اللحظة دي هو سؤال واحد: هل كلام فوزية صح وابني ضاع للأبد برة مصر؟ ولا في حقيقة ثانية هي لسه مخبياتها؟
دُفعتُ بعربة العمليات بسرعة جنونية عبر ممرات المستشفى، وأصوات الأجهزة ومعدات الأطباء تتداخل مع صراخي الناجم عن آلام المخاض المفاجئة والضغط المرتفع الذي كاد يودي بحياتي. كنت أدخل في حالات غيبوبة جزئية وأستفيق منها على ألم أشد، لكن الألم الأكبر كان يأكل قلبي من الداخل: ابني الأول، طفلي الذي أُخذ من أحشائي وأنا مغمى عليّ قبل سنتين، بعيدٌ عني ولا أعلم عن مصيره شيئًا.
داخل غرفة العمليات، كانت الدكتورة ريهام تُشرف بنفسها على كل خطوة، صوتها حاسم وهي توزع التعليمات على الفريق الطبي لخطف الجنين وإحياء أمومتي للمرة الثانية وسط هذا الكابوس. غبتُ عن الوعي تحت تأثير التخدير الطارئ.
عندما فتحتُ عينيّ مجددًا، وجدتُ نفسي في غرفة العناية المركزة، وبجاني جهاز تتبع النبض يفرز أصواتًا منتظمة، وإلى جواري مهد صغير ينام فيه طفلي الجديد. انهمرت دموعي بغزارة وأنا أنظر إليه؛ خلوقٌ جميل صامد رغم كل الظروف، لكن الفرحة لم تكن كاملة، فقد كان هناك جرحٌ ينزف في روحي على أخيه المفقود.
لم يمر وقت طويل حتى دخلت الدكتورة ريهام ومعها ضابط المباحث الذي تولى التحقيق في القضية. كان وجه الضابط يحمل علامات الجدية الصارمة والأوراق المطبوعة في يده.
قالت الدكتورة ريهام بنبرة دافئة:
«حمد الله على السلامة يا مريم.. ابنك الجديد بفضل الله بصحة جيدة جداً، والضغط عندك بدأ يستقر».
ثم التفتت إلى الضابط الذي تقدم خطوة نحو وقال بصوت خفيض احترامًا لظرفي الصحي:




