عام

حكايات اسما السيد

ابن أخويا اللي عنده 6 سنين وصل لباب بيتي وهو بيزحف، وأخته الصغيرة اللي عندها 3 سنين ماسكة في هدومه، وهمسلي:

—  تحت تاني…

أنا في الأول افتكرت إنه اتصاب وهو بيحاول يهرب…

لحد ما الدكتور بص على الأشعة وقاللي حاجة قلبت القصة كلها.

كنت بصلّح مفصلة مفكوكة في باب البيت، لما سمعت صوت غريب جاي من بره.

ماكانش صوت كلب، ولا كيس بيتجر على الأرض بسبب الهوا.

كان صوت ناشف ومتقطع…

زي حد بيحك إيديه في الأرض وهو بيحاول يتحرك بالعافية.

خرجت أشوف إيه اللي بيحصل…

والمفك وقع من إيدي.

ابن أخويا كان بيزحف ناحيتي.

وشه شاحب، وشعره لازق في جبينه من العرق، ورجل واحدة ممدودة وراه من غير ما يحركها.

مع كل حركة كان بيعملها، دراعاته كانت بتترعش كأن جسمه خلاص مش قادر يستحمل أكتر.

وورا منه كانت أخته الصغيرة ماشية بالعافية.

حافية.

هدومها متسخة.

وإيديها الاتنين ماسكين في قميص أخوها بقوة، كأنها خايفة تسيبه وتفضل لوحدها.

كان بيتهم بعيد عن بيتي بمسافة مش قليلة.

والاتنين أصلًا ماكانش المفروض يكونوا في الشارع لوحدهم.

جريت عليهم.

— حصل إيه؟!

رفع وشه وبصلي.

عينيه كانت مليانة دموع وإرهاق.

وقال بصوت واطي جدًا:

— حبستنا تحت تاني.

تاني.

الكلمة دي لوحدها خلت قلبي يقع.

ماقالش “بالغلط”.

وماقالش “النهارده”.

قال: تاني.

وبعدين همس:

— كان لازم أطلع أختي… هي كانت جعانة.

شلت البنت الصغيرة الأول.

وأول ما رفعتها حسيت برعشة في ضهري.

كانت خفيفة بشكل يخوف.

وبعدين حاولت أشيل أخوها بحذر، من غير ما ألمس رجله.

عض على سنانه من الوجع…

بس ماصرخش.

وده خوّفني أكتر.

دخلتهم الصالة.

أول ما البنت شافت علبة بسكويت فوق الترابيزة، مدت إيدها عليها بسرعة وبدأت تاكل كأنها ماكلتش من زمان.

كانت بتاكل بسرعة لدرجة إني قربت منها علشان أخاف تشرق.

وأخوها، رغم إنه كان بيتنفس بالعافية من الوجع، مد إيده على ضهرها وقال:

— بالراحة… كلي بالراحة.

وقفت أبصله وأنا مش مصدقة.

طفل عنده 6 سنين…

بيتعامل مع أخته اللي عندها 3 سنين كأن مسؤولية بقائها عايشة فوق كتفه هو.

طلعت موبايلي.

وقلت:

— هطلب مساعدة.

فتح عينيه بخوف وقال بسرعة:

— هي هتزعل.

نزلت لمستواه وبصيتله في عينه.

— هي مش هتلمسك تاني.

اتصلت .

قلتلهم إن ولاد أخويا وصلوا عندي لوحدهم، وإن الولد عنده  خطيرة في رجله، والبنت ضعيفة وجعانة، وإنه قاللي إن مرات أبوه حبستهم تحت.

وأنا مستنية الإسعاف، دماغي رجعت بيا تلات سنين لورا.

أخويا مات فجأة وهو لسه صغير.

ابنه وقتها كان عنده حوالي 3 سنين، والبنت كانت لسه بتتعلم تمشي.

مراته وقفت يوم الجنازة وهي بتعيط، ووعدتنا إن أهم حاجة عندها إنها تحافظ على استقرار الأطفال.

وأنا صدقتها.

فضلت شهور أتصل بيها.

أودي أكل.

أشتري هدايا.

وأعرض عليها أساعدها في أي حاجة في البيت.

في الأول كانت بتقول إن الأطفال نايمين.

بعد كده قالت إنهم تعبانين.

وبعدين بدأت تقول إن الولد مش عايز يشوف حد.

وفي مرة قالتلي جملة خلتني أبطل أضغط عليها:

— وجودك بيفكرهم بأبوهم زيادة.

الكلمة وجعتني…

بس احترمت رغبتها.

قلت يمكن فعلًا رؤيتي ليهم بتوجعهم وبتفكرهم بأبوهم.

فضلت أسيب الهدايا على الباب.

وأبعت رسائل.

وأعرض آخدهم نخرج أو ناكل حاجة.

لكن كل مرة كانت تقول “لأ”…

كنت بتراجع.

دلوقتي وأنا شايف ابن أخويا مرمي على الكنبة، وهو لسه حريص يخلي جزء من البسكويت لأخته…

كل عذر سمعته خلال التلات سنين اللي فاتوا بدأ ياخد معنى تاني تمامًا.

الإسعاف وصل بسرعة.

ومعاهم جه أفراد من الشرطة.

المسعفين ثبتوا رجل الولد، وفحصوا البنت، وبدأوا يسألوني أسئلة سريعة.

اديتهم عنوان البيت اللي الأطفال كانوا عايشين فيه.

نفس البيت اللي كل مرة كنت بسأل عنهم، كانوا يقولولي:

— نايمين.

مشيت ورا الإسعاف لحد المستشفى.

الولد دخل يعمل أشعة.

والبنت ركبولها محلول.

وأنا فضلت ماشية رايح جاي في الممر، والذنب بياكلني من جوايا.

افتكرت كل عيد ميلاد عدى من غير ما أحضنهم.

كل مناسبة كنت بسيب فيها أكياس الهدايا قدام الباب وأمشي.

كل رسالة كانت توصلني تقول:

— مش النهارده… هما حالتهم النفسية تعبانة.

أنا كنت فاكرة إني بحترم حزنهم.

يمكن في الحقيقة…

كنت بحترم كذبة.

بعد فترة، الدكتور خرج من عند الولد ومعاه الأشعة.

قمت بسرعة.

كنت متوقعة يقوللي إن رجله  وهو .

يمكن وقع من شباك.

يمكن خبطها في الطريق.

لكن الدكتور بصلي بنظرة جدية خلت معدتي تتقبض.

وقال:

— الكسر ده مش حاصل النهارده.

فضلت باصة له ومش فاهمة.

— يعني إيه مش النهارده؟

قال:

— العظمة فيها علامات إنها بدأت تلتحم. الإصابة دي بقالها كذا يوم.

حسيت الممر بيلف حواليا.

ابن أخويا ماكسرش رجله وهو .

هو هرب…

ورجله كانت مكسورة من أيام أصلًا.

ومع كده…

جر جسمه المسافة كلها وهو مصاب…

بس علشان أخته الصغيرة كانت جعانة.

وقتها فهمت إن السؤال مش:

هي عملت فيهم إيه الصبح ده؟

السؤال الحقيقي كان:

بقاله قد إيه محبوس وهو مصاب… ومستني حد يلاحظ إنه اختفى؟

وقفت في ممر المستشفى مش قادرة أستوعب كلام الدكتور. العظمة بدأت تلتحم غلط من كتر الأيام اللي عدت وهي مكسورة. يعني الولد ده عاش أيام تحت في الضلمة، وجعه بيزيد كل ثانية، ومع ذلك قاوم الوجع ده كله وعافر على الأرض بدموعه وجروحه علشان يوصل لبيتي.

قربت من باب الأوضة وفتحت الباب بشويش. الولد كان نايم على ، وجنبه أخته الصغيرة ماسكة في طرف الملاية ورافضة تفتح إيدها. الظابط اللي كان واقف بره الممر قرب مني وقال بصوت واطي:

— قوة من الشرطة راحت للبيت دلوقتي. بس عايزين نسألك… هل في المكان ده قبْو أو غرفة زير تحت الأرض؟

هزيت رأسي وأنا بدأت أفتكر تصميم البيت.

— أيوه… بيت أخويا الله يرحمه فيه بدروم قديم كان أبويا بيستخدمه للمخزن، الباب بتاعه مدفون تحت السلم ورا باب خشب قديم.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى