
دخلت حنان المكتب بخطوات مترددة، عينها بتمشي في المكان بذهول صريح. السنتر كان خيرة معمارية وتجهيزات تقنية على أعلى مستوى، الطلاب والمدرسين مالين الممرات، والموظفين شغالين حركة دؤوبة زي خلية النحل. الديكور، الهدوء، الهيبة اللي المكان بيبثها.. كل ده كان كفيل يخلي حنان تدرك إن الصورة اللي كانت برسمها هي وأخوها عني في مكالماتهم التليفونية اتفتت تماماً.
كانت لابسة وش مسكنة ومصنع، وعينيها فيها نظرة انكسار محروقة بالغل اللي مقتدرتش تداريه كلياً. حطت شنطتها على الكرسي وقعدت من غير ما أعزم عليها، وحاولت ترسم ابتسامة صفرا على وشها.
بصيت لها ببرود وأنا بقلب في أوراق الحسابات قدامي، سبتها قاعدة دقيقة كاملة من غير ما أرفع عيني فيها، لحد ما تحمحت وصوتها طلع واطي ومبحوح: «إزيك يا هناء.. ما شاء الله، المكان يفتح النفس، ربنا يزيدك من نعيمه يا حبيبتي».
قفلت الفايل بالراحة، وسندت إيدي على الترابيزة وبصيت في عينها مباشرة: «أهلاً يا حنان.. أظن المكان هنا شغل ومواعيد بالدقيقة، وأنتي قايلة للسكرتيرة إن الموضوع شخصي ومهم.. سامعاكي، خير؟»
حنان وشها اتغير من النبرة الجافة، بس بلعت إهانتها ومسكت منديل في إيدها وبدأت تمثل دور أخت الزوج الحنونة المشفقة: «الموضوع يخص جمال يا هناء.. أخويا بيموت، الأيام اللي فاتت دي مابيدقش طعم النوم، البنك بدأ يبعتله إنذارات عشان قروضه المكسورة، ومصاريف البيت اللي بتطالبيه بيها فوق طاقته، غير إن صاحب المحل القديم بيطالبه بشرط جزائي.. جمال اتدمر يا هناء، وحاله يقطع القلب، وأنتي عارفة إن جمال طيب ومالوش في اللف والدوران، بس الشيطاني بقى هو اللي دخل بينكم!».
ضحكت بصوت عالي هز المكتب، ضحكة خلّت حنان تتسمر في مكانها. قربت بكرسيي وشورت بإيدي: «جمال طيب؟ ومالوش في اللف والدوران؟ سبحان الله يا حنان! أومال مين اللي كان بيكلمك في التليفون ويقولك “السمكة وقعت في الشبكة وهاخد السنتر منها بالرخص وأكسر مناخيرها”؟ مين اللي أخد تحويشة عمره وراح يشارك المنافس بتاعي عشان يقفل بيتي ويرمي عياله في الشارع؟ الشيطاني اللي بتتكلمي عنه ده مكنش غريب يا حنان.. الشيطاني ده كان أنتي وأخوكي!».
حنان وشها اتجمد والدم هرب منه، لسانها اتعقد وما عرفتش تنطق كلمة واحدة. أدركت إن كل كلمة اتقتالت في الخفاء كانت مسموعة، وإن خطتها الخبيثة هي وأخوها كانت مكشوفة من أول لحظة.
كملت كلامي بمنتهى القسوة والجمود: «جاية دلوقتي تطلبي مني أرحمه؟ جاية تقوليلي أخويا بيموت؟ لما أنا كنت بصرف على البيت والعيال من شقايا وتعب صحتي ورجليا المورمة من الوقفة في المدارس، أخوكي كان بياخد مرنبه يشيله في البنك عشان يذلني بيه في أول زنقة! لما جيت أستلف منه ٥٠ ألف أمن بيهم مستقبل ولادي، استخسرهم فيا وكان عايز يسرق مجهود سنين بجرة قلم! ودلوقتي لما ربنا ردلي حقي وأعماله لفت وربطت على رقبته، جاية تترجيني أنقذه؟».
حنان بدأت تعيط بجد المرة دي، دموع خوف على أخوها وعلى شكلهم اللي بقى في الأرض، وقالت بصوت متقطع: «أنا آسفة يا هناء.. حقك عليا أنا، اعتبريها عشاني أنا، بلاش تحبسيه أو تخرب بيته.. عشان خاطر الولاد يا هناء، الولاد مالهمش ذنب أبوه يتحبس أو يتفضح قدام الناس!».
وقفت من على الكرسي، ومسكت شنطتي ولبستها، وبصيت لها من فوق لتحت: «الولاد؟ الولاد في عينيا وفي حضني، وبكرة هيعرفوا إن أمهم صانتهم وعملت لهم اسم تشرفوا بيه، وإن أبوهم هو اللي كان عايز يهد السقف فوق روسهم. جمال هيدفع كل مليم للبنك وللبيت بالقانون، ولو ما دفعش، المرفوع عليه قضايا نفقة وحبس هو اللي هيتحمل نتيجة نذالته.. أنتي بقى يا حنان، تاخدي بعضك وترجعي لأخوكي وتقوليله إن الأستاذة هناء بتقولك: “اللي يحفر حفرة لأخته في الكار.. يقع فيها ويتدمك”».
سبتها قاعدة في المكتب مصدومة ومش قادرة تقوم من طولها، وخرجت أتابع المجموعات الجديدة. حسيت بنصر كبير، بس النصر المادي والكرامة مكنوش كل حاجة.. كانت فاضلة الخطوة الأخيرة والنهائية عشان أنهي المعاناة دي للأبد وأبني حصن أمان مقفول عليا وعلى أولادي بعيد عن جمال وعيلته كلياً.
تاني يوم الصبح، جالي المحامي بتاعي السنتر، وكان شايل معاه ملف أحمر كبير. قعد قدامي وقال بنبرة جادة جداً: «أستاذة هناء.. الضغط اللي عملناه على جمال بالقضايا وبنك القروض جاب نتيجته، جمال مستعد يوقع على كل الشروط، يتنازل عن حضانة الأولاد كلياً، ويوقع على ورقة الطلاق الرسمي مقابل إننا نطلب من البنك تسوية القروض من شيكات الضمان ونشيل قضايا النفقة المكسورة عليه.. بس في شرط واحد هو طالب يعمله قبل ما يوقع ورق الطلاق».
سألته باستغراب: «شرط إيه؟»
رد المحامي: «طالب يقابلك للمرة الأخيرة في وجود المحامين والأولاد.. وبيقول إن عنده سر خطر يخص الشقة القديمة والمركز الأولاني بتاعك، سر ممكن يغير كل الحسابات اللي بينكم!».
رسالة المحامي نزلَت عليا زي الشوك، السر اللي بيتكلم عنه جمال فتح في عقلي أبواب شك قديمة كنت قفلتها وردمت عليها. الشقة القديمة اللي كانت جنَب شقتي، اللي اشتريتها بدم قلبي وفتحتها أول مركز صغير.. جمال مكنش ليه أي علاقة بشرائها ولا بترخيصها، إيه السر اللي ممكن يكون مخبيه فيها وممكن يقلب الطاولة؟
بصيت للمحامي بثبات وقدرت أداري ريبتي: «يقابلني؟ تمام يا أستاذ.. حدد المعاد بكرة الصبح في مكتبي هنا بالسنتر، وفي وجودك أنت ومحاميه، بس الأولاد مش هيحضروا المهزلة دي.. ولادي بعيد عن القذارة بتاعته».
طول الليل مكنتش عارفة أغمض عيني. أراجع كل خطوة، كل ورقة، كل مليم اتدفع في الشقة دي.. الشقة دي كانت نواة نجاحي، شقايا اللي بسببه بعته عشان أدخل شراكة السنتر الكبير. هل جمال لعب لعبة دنيئة من ورايا زمان وأنا غرقانة في مصاريف البيت ومستأمنة إنه جوزي؟
الصبح بدري، مكتب السنتر كان جاهز. المحامي بتاعي قاعد جنبي، ومحامي جمال دخل ومعه جمال. جمال مكنش الراجل اللي أعرفه؛ كان باين عليه الانكسار والبهدلة، هدومه متلخبطة، وشّه شاحب، وتحت عينيه سواد السنين اللي اتقلب فيها على جمر أفعاله. لكن عينه، رغم كل الضعف ده، كان فيها شرارة غدر أخيرة، كأنه ماسك القشة اللي فاكر إنها هتغرّقني معاه.
قعد قبالي على الترابيزة، المحامين فتحوا ملفات والتنازلات. محاميه بدأ يتكلم عن التسوية، بس جمال رفع إيده وأوقفه، وبصلي بنظرة مليانة كره وغل، وقال بصوت مبحوح: «قبل ما أوقع على أي ورقة يا هناء.. وقبل ما تفتكري إنك خرجتي من الحرب دي منتصرة وأخدتي كل حاجة.. لازم تعرفي إن السنتر الكبير ده كله مبني على باطل، وإن أرضيتك العالية دي ممكن تتهد فوق دماغك بدعوى تزوير واحدة!».




