عام

حكايات امانى السيد 3

المحامي بتاعي وقف بغضب: «أستاذ جمال يلزم حدودك، إيه الكلام الفارغ ده؟».

جمال ضحك ضحكة جافة ومكسورة وقرب لوراء الترابيزة: «كلام فارغ؟ أسأل موكلتك يا أستاذ.. الشقة القديمة اللي باعتها عشان تدفع نص حق السنتر ده، العقود بتاعتها والتوكيلات كانت بتمر من تحت إيدي وأنا اللي خلصت إجراءاتها زمان.. الشقة دي مكنتش باسمها لوحدها كاملة زي ما هي فاكرة، أنا كتبت نصها باسمي بشرط التزام مالي في السجل العقاري من غير ما تاخد بالها، والتوكيل اللي استخدمته في البيع كان ناقص توقيعي الشخصي كمالك للنصف! يعني البيعة اللي عملتيها للشقة القديمة باطلة، والشاري الجديد لو عرف هيحجِز على السنتر الجديد ده كله عشان يسترِد فلوسه بالفوائد والشرط الجزائي، وهتتدخلي في قضية بيع ما لا تملكي وتزوير يا أستاذة!».

الصدمة كانت زي القلم على وشي، افتكرت الأيام اللي كنت بجري فيها بين المدرسة والبيت والدروس، الأيام اللي كنت بأمنه فيها يروح الشهر العقاري يخلص الورق عشان أنا معنديش وقت! جمال استغل ثقتي فيه من سنين، وزرع لغم في ملكيتي للشقة القديمة عشان يفرقعوا في وشي في الوقت اللي يعجبه!

محامي جمال حط ورقة على الترابيزة وقال بثقة: «جمال مستعد يوقع على التنازل عن نص الشقة القديمة بأثر رجعي، ويسحب أي بلاغ أو دعوى بطلان عقد البيع، بس بشرط واحد.. تتنازلي عن قضايا النفقة، وتدفعي قروض البنك المكسورة عليه، وتكتبي له 25% من أرباح السنتر الجديد لمدة 5 سنين كتعويض!».

جمال ابتسم ابتسامة خبيثة، فاكر إنه مسكني من إيدي اللي بتوجعني، فاكر إن تعب سنيني والسنتر الجديد بقى رهينة تحت إيده من جديد، وإن الـ 50 ألف اللي استخصرهم زمان، هيرجع ياخدهم أضعاف مضاعفة بالمكر والابتزاز.

المحامي بتاعي بصلي بلقق، الموقف كان معقد قانونياً، ولغز الشقة القديمة كان ممكن يعمل شوشرة تهد سمعة السنتر وتدخلنا في متاهات المحاكم لسنين.

جمال مسك القلم ولعب بيه بين صوابعه وقالي بثقة نذل: «إيه رأيك يا أستاذة هناء؟ تدفعي وتعدي الشئ باللي فيه والسنتر يفضل شغال وسمعتك في المحافظة تفضل ناصعة؟ ولا ندخل المحاكم ونفضح كل حاجة والسنتر ده يتحفظ عليه؟».

أخدت نفس عميق جداً.. أيدي كانت بتترعش تحت الترابيزة، بس ملامح وشي اتحولت لكتلة من الثلج. بصيت لجمال، وبعدين بصيت للمحامي بتاعي وابتسمت ابتسامة هادية جداً.. ابتسامة خلت جمال يمسك القلم بقوة وريقه ينشف.

طلعت تليفوني من الشنطة، ودست على زرار تسجيل صوتي كان شغال من أول ما دخلوا القاعة، وحطيت التليفون في نص الترابيزة، وطلعت معاه ملف أسود صغير كنت مجهزاه من أسبوع.. ملف مكنش يحلم في كوابيسه إن أيدي تطوله!

وقولتله بنبرة واثقة هزت أركان الأوضة: «لعبة حلوة يا جمال.. بس خايبة جداً زي صاحبها، لعبتك دي كنت هتاكل بيها عيش لو بتلعب مع ست غبية.. لكنك نسيت إنك بتلعب مع هناء العوضي!».

جمال اتسمر في مكانه، والضحكة الخبيثة اللي كانت على وشّه اختفت تماماً لما شاف الملف الأسود والتليفون اللي بيسجل كل كلمة ابتزاز نطقها. عينيه راحت للملف برعب، كأنه حاسس إن الحبل اللي كان بيحاول يلفه حولين رقبتي اتعقد حولين رقبته هو.

فتحت الملف الأسود ببطء، وطلعت منه أوراق رسمية مدموغة بختم الدولة، وحطيتها قدام محاميه مباشرة وقيلت ببرود يقطع العرق: «التزوير والنصب لعبة قذرة يا جمال.. بس أنت غبي لدرجة إنك نسيت المشتري اللي اشترى مني الشقة القديمة يبقى مين! المشتري طلع راجل واعي، ولما جينا نكتب العقد النهائي في الشهر العقاري، الموظف كشف إنك حاولت تدخل اسمك في السجل بغير وجه حق وبشهادات مزورة زمان، ولأنك ما كملتش التزاماتك المالية السنوية اللي ادعيتها، التوكيل بتاعك اتلغى رسمياً بقوة القانون وبقرار محكمة إدارية من سنتين فاتوا! يعني الشقة كانت ملكي خالصاً مية في المية، والبيعة سليمة وشغالة ومفيش فيها ثغرة واحدة تقدر تمسكها عليا!».

جمال وشّه بقى زي جثة طلعت من القبر، وبص للمحامي بتاعه بذهول، المحامي مسك الأوراق وقرأ الاختام والتواريخ، وبص لجمال بغضب وحرج وقال له بصوت واطي: «أنت كنت بتشتغلني يا جمال؟ الأوراق دي سليمة وقاطعة، ولو رفعنا قضايا بطلان إحنا اللي هندخل السجن بتهمة البلاغ الكاذب ومحاولة الابتزاز والتزوير المادي!».

كملت كلامي وأنا بضغط على كل كلمة: «مش بس كده يا أستاذ.. التسجيل اللي على التليفون ده مع أوراق المحاولة الفاشلة لفتح سنتر منافس بفلوس القروض، ومع كشوفات الامتناع عن الإنفاق، هيدخلوا بكرة الصبح للنيابة العامة كبلاغ محاولة ابتزاز واعتداء على حقوق ملكية وتزوير أوراق رسمية. أنت مش بس هتدفع القروض يا جمال.. أنت هتقضي بقية عمرك ورا السلاسل، واسمك هيتوصم بالنذالة قدام المحافظة كلها!».

جمال انهار تماماً، ركبه خانته وسقط على الكرسي كأنه شوال فحم، العرق كان بينزل من جبهته بغزارة، وصوته المبحوح طلع بترجي وكسرة عمري ما شفتها فيه: «بلاش النيابة يا هناء.. أرجوكي يا هناء بلاش السجن! أنا أختي وأهلي هيتدمروا، والعيال هيتأذوا في مدرستهم! أنا هوقع على كل حاجة.. هوقع على الطلاق وعلى الحضانة وعلى التنازلات، بس سيبيني أمشي في حالي!».

بصيت له بنظرة خالية تماماً من أي رحمة أو شفقة، النظرة دي مكنتش غضب، دي كانت نهاية فصل كامل من الاستغلال والظلم. مسكت القلم وحطيته في إيده المرتعشة، وشورت له على العقود: «وقع يا جمال.. وقع وأنت ساكت، واعرف إن ربنا ما بيبسيبش حق حد، وإن الست اللي شالتك وسندتك زمان لما استقويت عليها بالشر، دهستك بنجاحها وشرفها وذكائها».

مسك القلم وإيده بتتنفض، ووقع على ورق الطلاق الرسمي، وتنازل عن حضانة الأولاد، وبصم على تسوية كاملة تخليه يتحمل قروضه ومشاكله المالية لوحده بعيد عني وعن أولادي، وبدون ما يطالبي بأي مليم أو يحق له يحط رجله في السنتر أو البيت تاني.

أول ما خلص توقيع، المحامي بتاعي أخد الأوراق وراجعها، وهز رأسه بإشارة إن كل حاجة تمت رسمياً وقانونياً مية في المية. وقفت من على مكتبي، وفتحت باب القاعة، وقولت لجمال بنبرة حاسمة أخيرة: «مع السلامة يا جمال.. من النهاردة أنت غريب عن البيت وعن العيال وعن حياتي، والباب اللي يخرجك ما يرجعكش تاني».

خرج جمال يجر أذيال الخيبة والكسرة، يجر خيبته وقروضه وسمعته اللي اتدمرت بفضل غله وشره، وساب ورايا مكتب ناصع، ومستقبل مشرق مبني على عرق جبيني وشقايا.

بعد أسبوعين، كانت ورقة  في إيدي. عملت حفلة صغيرة في السنتر الجديد، كافأت فيها كل المدرسين والإداريين اللي وقفوا جنبي، وأخدت أحمد وأخته في حضني وقمنا فتحنا فرع جديد للأكاديمية باسم “مؤسسة الأستاذة هناء التعليمية”.

وقفت قدام باب السنتر الجديد، وشفت اسمي منور على اليافطة الضخمة في وسط الشارع، وبصيت للسما وقلت: ” الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات”. عرفت إن الست لما تظلم وتتقهر بتقدر تقوم وتصنع مجدها بنفسها، إن الشرف والأمانة والشغف بالنفس هما السلاح الحقيقي، وإن رد الإهانة مش بالدموع.. رد الإهانة بالنجاح الساطع اللي يخلي كل من حاول يكسرك يتمنى بس يلمس ظلك وما يطولوش.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى