
وقفت في مكاني مذهولة، والشنطة كادت تقع من إيدي. بصيت لأحمد، ابني اللي سهرت الليالي أعمله ملخصات امتحاناته، اللي كنت باخده معايا المركز وهو صغير وأقعده على الديسك جنب كرسي المعلم عشان عيني تفضل عليه. الدموع اتجمعت في عيني، بس افتكرت على طول إن أي ضعف في اللحظة دي هيستغله جمال عشان يكسرني قدام أولادي.
أخدت نفس عميق، وقربت من أحمد ب هدوء، حطيت إيدي على كتفه وبصيت في عينيه بثبات: «أحمد.. أنت كبرت وبقيت راجل، وأنا عودتك دايماً تشغل عقلك وما تسمعش كلام حد من غير ما تشوف الحقيقة بعينك. بابا بيقولك إني سبتكم عشان الفلوس؟ طب تعال معايا».
مسكت إيده وأخدته على أوضته، فتحت الأدراج وطلعت الشهادات والتكريمات اللي أخدها، وطلعت أجنشات المدرسة وحسابات السنين اللي فاتت. قعدت جنبه على السرير وقالت له بنبرة دافية بس قوية: «شايف التكريمات دي؟ شايف النتيجة اللي خليتك الأول على مدرستك؟ مين اللي كان بيسهر معاك للساعة تلاتة الفجر؟ مين اللي كان بياخدك في عز المطر والبرد معاه السنتر عشان ما يسيبكش لوحدك؟ مين اللي كان بشتري لك لبسك وخروجتك ولعبك من شقاه وتصحيحه لكراسات الناس؟ الفلوس اللي بابا بيتكلم عنها دي هي اللي دخلتك المدارس دي وهي اللي أكلتك وشربتك السنين اللي فاتت كلها، وهو كان بيتفرج علينا وموفر فلوسه لنفسه. لما أنا قررت أكبّر شغلي، كان عشان أأمن مستقبلك أنت وأختك، عشان لما تطلبوا حاجة ما تمدوش إيدكم لحد ولا تحتاجوا من الدنيا حاجة».
أحمد بدأ وشّه يتغير، ونبرة الغضب اللي كانت في عينيه بدأت تتحول لتردد وخجل. كملت كلامي وأنا بمسح على شعره: «بابا زعلان عشان أنا طلبت منه يقوم بدوره كأب ويصرف عليكم زي ما كل الآباء بتعمل، وزعلان إني قدرت أقف على رجلي بفضل ربنا وبشغلي. أنت ابن أستاذة هناء، وأنا مربياك على الحق، انزل بكرة السنتر الجديد وشوف بنفسك أمك بتشتغل إزاي والناس بتحترمها إزاي، وبعدها احكم بنفسك مين اللي بايع ومين اللي بيحافظ عليكم».
أحمد سكت تماماً، ونزل رأسه في الأرض وحضنني بقوة وقال لي: «آسف يا ماما.. أنا بس زعلت لما لقيتك بتتأخري، وبابا كان طول النهار يقولي أمك اتغيرت وما بقتش تحبكم».
في اللحظة دي، جمال كان واقف عند باب الأوضة وبيسمع كل كلمة. كان فاكر إن خطته بتقلِيب العيال عليا هتنجح، بس اتفاجئ إن الدفء والأمان اللي زرعتهم في ولادي السنين دي كلها أكبَر من أي كلام يقدر يقوله. لما عيني جت في عينه، شاف فيهم تحذير واضح: “ولادي خط أحمر”.
مرت الأيام، والمركز الجديد بقى أشهر سنتر تعليمي في المحافظة كلها. الإقبال كان غير طبيعي، وزميلتي وأنا بقينا نعمل مجموعات إضافية ونستعين بمدرسين كبار للمواد التانية، والسنتر اتحول لمؤسسة متكاملة بتكسب مبالغ ضخمة. في المقابل، جمال كان الغل بياكله كل يوم أكتر من اللي قبله. المصاريف اللي بقيت أطلبه بيها شهرياً بدأت تزنقه بجد، وحس لأول مرة يعني إيه راجل يشيل بيت، مدخراته بدأت تقل، وما بقاش قادر يداري فشله المادي ولا ينكر إن مراته بقت أعلى منه بمراحل.
وفي يوم، وأنا في المركز، جالي اتصال من محامي زميلتي، بلّغني بحاجة طيرت النوم من عيني. المحامي قالي إن في شخص مجهول بيحاول يشتري الحصة اللي جنب السنتر بتاعنا في العمارة بنفس السعر المرتفع، ومركز تاني منافس بيحاول يضغط على صاحب العقار عشان يجر معايشة وضرر لينا ويفتح مركز موازي لينا في نفس الدور!
شككت في الموضوع على طول، وقررت أعمل تحرياتي الخاصة. استعنت بواحد من الإداريين الشاطرين عندي، وطلبت منه يعرف مين الشخص اللي بيتفاوض من تحت لتحت عشان يأجر المكان المنافس ده أو يشتريه.
وبعد يومين، دخل عليا الإداري المكتب ووشه أصفر، وحط قدامي ورقة فيها أوراق التفاوض واسم المشتري اللي مقدم العربون للمكان الجديد عشان يفتح سنتر منافس يكسرني فيه.
مسكت الورقة، وقريت الاسم، والدم جمّد في عروقي للمرة الثانية.. المشتري اللي داخل مع المركز المنافس بفلوسه وشايل الخطة دي عشان يخرب بيتي ويقفل السنتر بتاعي، كان هو جمال!
الصدمة المرة دي كانت أشد من كل اللي فات، مسكت الورقة وإيدي بتتنفض من ذهول المشهد.. الراجل اللي مشاركني السقف والأكل والولاد، رايح ياخد شقا عمره والفلوس اللي كان حارم بيته وعياله منها، عشان يدخل شريك مع أكبر منافس ليا في المنطقة، بهدف واحد بس: إنه يكسر السنتر بتاعي ويقفل بيتي ويذلني!
جمال مكنش بس راجل مستغل أو نرجسي، جمال كان مريض بنجاحي، وجودي كست ناجحة ومستقلة كان بيحسسه بعقده ونقصه، ولما فشل يركب الموجة وياخد نص السنتر بتاعي بالرخص، قرر إنه يحرق المركب باللي فيها، حتى لو ده معناه إن فلوسه تضيع أو العيال يتأثروا.
مسحت دموعي في ثواني، ودخلت في حالة جفاف مشاعر تامة. القوة اللي جواه المرة دي مكنتش مجرد دفاع عن النفس، دي كانت رغبة في التطهير الكامل. ناديت على محامي السنتر، وقعدت معاه ومع شريكتي، وحطيت الورقة قدامهم على الترابيزة.
المحامي لما شاف الاسم بلم وقالي: «يا أستاذة هناء.. ده جوزك! ده كده مش مجرد منافسة تجارية، ده حرب مكسورة فيها كل القواعد القانونية والأخلاقية، ولو فتح السنتر ده جنبك بالأسماء المجمعة اللي معاه، هيعمل شوشرة وشغل ضرب تحت الحزام هيضرنا جداً».
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، وقوتها ارعبت المحامي وشريكتي، وقالتله: «يا أستاذ، جمال فاكر إنه بيلعب مع هناء المدرسة اللي بتخاف على شكلها قدام الناس، ميعرفش إنه بيلعب مع ست أكلت السوق بأسنانها وبنت اسمها بدمها.. هو فاكر إن الفلوس اللي معاه هتسنده؟ أنا هخليه يدفع كل مليم شاله من ورايا، وهخليه يندم على النهار اللي فكر فيه يتحدى مراته».
طلبت من المحامي يعمل خطة على مرحلتين: المرحلة الأولى، السكوت التام، نسيبه يكمل في إجراءات العقد ويدفع أكبر مبلغ ممكن كـ “مقدم” و “شرط جزائي” لصاحب المكان، ومن غير ما يحس إننا عرفنا أي حاجة. والمرحلة الثانية، كانت الضربة القاضية اللي مش هيقوم منها.
جمال كان متخيل إنه ماشٍ في الخفاء، كان بيرجع البيت بالليل يمثل دور الزوج المظلوم المجهد اللي مصاريف البيت تقلت عليه، وكان يبصلي بنظرات كلها تحدي ومستني اليوم اللي هيفاجئني فيه بفتح السنتر الجديد عشان يشوف دموعي وهزيمتي. وأنا كنت بتعامل معاه ببرود أشد، أجهزة البيت بتمشي، أطلبه بالقرش والمليم لمصاريف الأولاد، وأسيبه يدفع وهو فاكر إنه بيمتص غضبه في صفقته السرية.
لحد ما جيه اليوم الموعود.. اليوم اللي كان رايح فيه يوقع العقد النهائي مع صاحب العقار والمنافس، ويدفع باقي مبلغ الاستثمار اللي يمثل كل مدخرات حياته وزيادة عليهم قروض أخدها بضمان مرتبه من البنك.
جمال نزل الصبح وهو لابس ومبتسم ابتسامة النصر، فاكر إن اليوم ده هو يوم رد اعتباره.. ميعرفش إن صاحب العقار اللي بيأجر منه المكان، طلع واحد من قرايب صاحب العمارة اللي السنتر بتاعي فيها، ومن أشد المعجبين بشغلي وشخصيتي، وكان المحامي بتاعي وصل له كل التفاصيل بالدلائل والأوراق.
جمال قعد في المكتب، وحط الشيكات والفلوس كاش على الترابيزة، والمنافس قاعد جنبه بيضحك وفاكرين إنهم خلاص حاصروني. وفجأة، قبل ما القلم يلمس العقد عشان يوقع، دخلت أنا المحامي بتاعي، ومعانا رجل الأعمال الكبير اللي كان سلفني الـ ٥٠ ألف جنيه في الأول!
جمال اتسمر في كرسيّه، القلم وقع من إيده، ووشه اتخطف وبقى زي الميتين. بصلي بذهول وهو مش قادر ينطق كلمة واحدة: «هـ.. هناء؟! إنتي إيه اللي جابك هنا؟»
قربت من الترابيزة بكل شموخ، وبصيت للفلوس الملفوفة وللعقود، وبعدين بصيت في عينيه وقالتله بصوت واطي وبارد سمع المكتب كله: «جيت أباركلك يا أستاذ جمال.. جيت أشوف المكان اللي اخترت تحط فيه كل تحويشة عمرك والقروض اللي أخدتها بضمان شغلك، عشان بس تكسرني وتثبت لنفسك إنك راجل».
المنافس وقف بغضب وقالي: «أنتِ دخلتي هنا إزاي يا أستاذة؟ دي صفقة خاصة ومفيش مكان ليكي معانا!».
رجل الأعمال اللي كان معايا حط إيده في جيبه وابتسم بثقة وقال للمنافس: «الصفقة دي اتلغت يا أستاذ.. عشان العمارة والمحلات اللي فيها كلها اتشرت بالكامل الصبح من صاحبها الأصلي، والمشتري الجديد هو أنا والأستاذة هناء، والشرط الجزائي اللي حطه جوز الأستاذة في العقد المبدئي.. بقى ملك لينا إحنا بنص القانون!».




