
جمال قام وقف، ركبه كانت بتخبط في بعضها، وبص لصاحب المكان اللي هز رأسه وقاله: «آسف يا أستاذ جمال.. الأستاذة هناء اشترت الدور بالكامل، والفلوس والعربون اللي دفعتهم دخلوا ضمن حسابات البيع وللأسف الشديد، طبقاً لبنود عقدك المبدئي، العقد ملغي بدون استرداد العربون لو المالك قرر يبيع العقار بالكامل!».
جمال حس إن السقف وقع فوق دماغه، الفلوس اللي شقا فيها طول عمره، الفلوس اللي كان حارم بيته منها، راحت في الهواء بضغطة زرار وبسبب غبائه وغله! مسك في طقطوقة المكتب وهو مش قادر يتنفس، والدموع اتجمعت في عينيه مش من حزنه عليا، لكن من خيبته وصدمته في تحويشة عمره اللي ضاعت.
قربت منه وشلت الفلوس والعقود من قدامه، وبصيت له وقولت له بكلمات حاسمة: «الفلوس دي راحت يا جمال.. راحت عشان تعرف إن اللي يبني على الغل والحقد بيته على دماغه. أنت خسرت فلوسك، وخسرت مكانتك، ودلوقتي جه الوقت اللي هتدفع فيه تمن كل سنة عشت فيها استغلالي ومستني لحظة ».
جمال كان واقف في وسط المكتب زيه زي الجثة الهامدة، إيديه نازلة جنبه، عينيه بتبص للترابيزة الفاضية ومش قادر يستوعب إن تحويشة عمره، والقرض اللي هيفضل يسدد فيه سنين من مرتبه، طاروا في الهواء في لحظة غباء وغل. المنافس أول ما حس إن الكارت اتحرق وإن العمارة بقت ملكي أنا ورجل الأعمال، أخد بعضه وجري وانسحب بجلدها، وساب جمال لوحده غرقان في شر أعماله.
قربت منه بخطوات بطيئة، حطيت إيدي في جيبي وبصيت له بقمة الاستهانة: «تقدر ترجع البيت دلوقتي يا أستاذ جمال.. أو تروح لأختك حنان تحكيلها إزاي “السمكة اللي وقعت في الشبكة” أكلت الشبكة باللي فيها وصادت الصياد».
خرجت من المكتب وأنا مرفوعة الراس، وسيبته ورايا يتخنق بعبرته. في اليوم ده، أدركت إن الحق ما بيرجعش بالدموع، الحق بيرجع بضربات قاضية وذكية تحت مظلة القانون.
لما رجعت البيت بالليل، لقيت جمال قاعد في الضلمة في الصالة. مكنش شغل النور، ومكنش فيه الحيل حتى إنه يرفع راسه يبصلي وهو بيكلمني. صوته كان مكسور ومبحوح، خالي تماماً من أي نبرة استعلاء أو كبرياء من اللي كان بيمارسهم عليا السنين اللي فاتت.
قال وهو باصص للأرض: «عملتيها يا هناء؟ دمرتيني؟ ضيعتي الفلوس اللي طلعت بيها من الدنيا عشان ترضي غرورك؟»
قعدت على الكرسي اللي قدامه، وفتحت نور الأباجورة الصغير عشان عينه تيجي في عيني: «غروري؟ أنت لحد دلوقتي شايف إن ده غرور؟ أنت اللي جيت عليا، أنت اللي استخصرت فيا الخمسين ألف وأنا شايلة بيتك وعيالك سنين، أنت اللي خططت مع أختك إزاي تذلني وتجبرني أكتب تعب عمري باسمك، وأنت اللي أخدت تحويشة عمرك وروح تدفعها للمنافس بتاعي عشان تخرّب بيتي وتقفل السنتر اللي بيصرف على عيالك! أنت ما تدمرتش بسببي يا جمال.. أنت تدمرت بسبب غلك وحقدك على الست اللي رفعتك وشالتك السنين دي كلها».
جمال رفع عينه ليا، وبدأ يلعب كارت المسكنة ودموع التمساح: «أنا جوزك يا هناء! جوزك وأبو ولادك! إزاي تهينيني بالشكل ده قدام الغريب؟ إزاي تسبيني أخسر كل فلوسي والقروض دي؟ أنا كده هتحبس.. البنك هيرفع عليا أسطات القرض وأنا مرتب مبيغطيهاش، والمصاريف اللي طلبتيها مني مش هقدر أدفع منها مليم خلاص! أنتي كده بترميني في الشارع وبترمي عيالك معايا!».
ضحكت ضحكة مكتومة فيها كل معاني القسوة اللي زرعها جواه: «ولادك؟ دلوقتي افتكرت إن عندك ولاد؟ لما كنت بياعهم وماشيلتش عنهم مليم وسايبني أصرف من دم قلبي مكنتش فاكرهم؟ لما كنت رايح تفتح سنتر منافس عشان تقفل شغلي ومصدر رزقهم الوحيد مكنتش خايف عليهم؟ متخافش يا جمال.. ولادي في عينيا، أنا اللي ربيت وأنا اللي صرفت وأنا اللي هفضل سنداهم. أما بالنسبة لك أنت.. فاللي عملته بإيدك اتحمله لوحدك».
جمال قام وقف فجأة، وحاول يمارس دور الراجل للمرة الأخيرة، صرخ بصوت مهزوز: «يبقى نطلق يا هناء! نطلق وكل واحد يروح لحاله، وأنا هاخد ولادي مني.. مش هسيبهملك تتكبري عليهم بفلوسك وسناترك!».
وقفت قدامه بكل ثبات، وطلعت من شنطتي حافظة أوراق ثانية خالص، رميتها على الترابيزة قدامه وقولت له ببرود: «تطلق؟ ده القرار الوحيد الصح اللي نطقته من يوم ما عرفتك.. بس بالنسبة للولاد، الأوراق اللي قدامك دي فيها كشوفات الحسابات البنكية ومصاريف المدرسة وشهادات الشهود من جيراننا وأولياء الأمور والمدرسين على مدار سنين، بتثبت إنك مكنتش بتصرف مليم على بيتك ولا عيالك، وإنك كنت ممتنع عن الإنفاق، وغير القضية اللي هترفع عليك بخصوص النفقات والأجور المكسورة عليك من السنين اللي فاتت. لو فكرت بس تلعب بكارت العيال، هرفع عليك قضية حجر ونفقة وأخلي المحكمة تتكفل بيك.. وأنت عارف كويس قوي إنك قدام المحامي بتاعي مش هتستحمل جولة واحدة».
جمال بصل للأوراق، وركبه خانته وقعد تاني على الكرسي. عرف إن اللعبة انتهت تماماً، إن هناء الضعيفة اللي كانت بتطبطب وتلم الموقف عشان البيت ما يتهدش ماتت، وبقت مكانها ست معتمدة على نفسها، متحكمة في كل خيوط اللعبة، ومعاها القانون والشغل والعيال.
مرت شهرين.. السنتر الجديد بقى مؤسسة تعليمية هي الأقوى في المحافظة، والمكان اللي اشتريته أنا ورجل الأعمال وسعناه وفتحنا فيه أكاديمية لغات كاملة. ولادي بقوا جنبي في السنتر، بيشوفوا أمهم والناس بتشاور عليها باحترام، وأحمد ابني بقى هو اللي بيساعدني في تنظيم المواعيد ودخول الطلاب، وهو فخور بيا وبيقولي دايماً: «أنا مرفوع الراس عشان أنا ابن الأستاذة هناء».
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي بالسنتر الجديد، وبراجع الحسابات الأسبوعية، دخلت عليا السكرتيرة ووشها فيه استغراب، وقالتلي: «أستاذة هناء.. في واحدة برة مصرة تقابلك وتقول إن الموضوع شخصي ومهم جداً ومستنية بقالها ساعة».
سألتها: «مين دي؟»
ردت السكرتيرة: «بتقول إنها أخت أستاذ جمال.. المدام حنان».
ابتسمت ابتسامة هادية، وحطيت القلم من إيدي، وعرفت إن وقت الحساب الأخير واللعب على المفتوح جه.. ووزنت كل كلمة هقولها قبل ما أقول للسكرتيرة: «دخليها يا ابنتي.. خليها تشوف الشغل على أصوله».




