عام

حكايات اسما السيد

الظابط سجل الكلام ده وسابني ومشي بسرعة. دخلت وقعدت جنب . الولد فتح عينيه بتعب أول ما حس بوجودي. مسكت إيده بالراحة وقلتله:

— حبيبي… الشرطة راحت هناك دلوقتي. مفيش حد يقدر يأذيكم تاني.

الولد ما فرحش. عينيه وسعت بخوف وشد على إيدي وقال بصوت بيترعش:

— هي مش هناك يا عمتو… هي مش في البيت.

قلبي اتخلع من مكانه.

— يعني إيه مش في البيت؟ هي راحت فين؟

دمعة نزلت من عينه وهو بيحاول يقعد:

— لما عرفت إن الباب اتفتح وأنا أخدت اختي ونزلت… سمعتها بتتكلم في التليفون. كانت ببتخانق وبتقول “الولد أخد البنت ونزل، أنا هسيب البيت وأمشي قبل ما حد يوصل لي”. هي مشيت قبل ما أنا أصلًا أعدي الشارع.

في اللحظة دي، تلفون الظابط اللي كان بره رن، وسمعت صوته بيعلى في الممر وهو بيرد على القوة اللي راحت البيت:

— يعني إيه البيت فاضي؟! دوروا في البدروم كويس!

طلعت بره الأوضة بسرعة وأنا برتعش. الظابط بصلي وهو بيقفل التليفون وقال:

— البيت فاضي تمامًا. الباب مفتوح، والبدروم كان مقفول بقفل من بره … بس المكان جوه فاضي، وهي اختفت.

السؤال اللي كان بياكل قلبي وقتها: هي هربت فين؟ والأهم من كده… هل  علشان خايفة من الاتهامات، ولا كانت بتجهز لشيء تاني خالص قبل ما الولد ؟

فجأة، تلفوني أنا رن.

رقم غريب.

رفعت التليفون على ودني وأنا إيدي بتتنفض…

سمعت صوتها. كان صوت بارد، هادي بشكل يخوف، وقالتلي جملة واحدة قبل ما تقفل السكة:

— أنتِ فاكرة إنك أنقذتيهم؟ أنا سبته يهرب علشان يجيلك أنتِ بالذات… افتحي الشنطة اللي كانت مع البنت.

نزلت عيني على الشنطة القماش الصغيرة المبلولة اللي كانت البنت الصغيرة ماسكاها في إيدها أول ما وصلوا، واللي المسعفين حطوها على الكرسي في طرقة المستشفى. إيدي كانت بتتنفض وأنا بمدها ناحية السحاب. الظابط قرب مني بفضول لما شاف توتري، وبمجرد ما فتحت السحاب، حسينا إحنا الاتنين ببرودة مفاجئة سرت في المكان.

جوّه الشنطة ماكانش فيه غيارات للأطفال ولا ألعاب…

كان فيه دفتر مذكرات قديم بخط أخويا الله يرحمه، ومجموعة أوراق رسمية، وفلاشة صغيرة ملفوفة في بلاستيك لحمايتها من المية. بس الشيء اللي خلّى ريقي ينشف، كان ورقة بيضا مطوية مكتوب عليها بخط إيدها هي:

“أنا مكنتش بحبسهم علشان أعاقبهم… أنا كنت بحميهم منك. افتحي الفلاشة وشوفي أخوكي كان خايف من مين قبل ما .”

الظابط أخد الشنطة فوراً، ودخلنا أوضة الفحوصات الجانبية للشرطة في المستشفى علشان نشغل الفلاشة على لاب توب المحقق. اللحظات اللي كانت بتمر وأنا مستنية الملفات تفتح كانت أطول من السنين التلاتة اللي فاتوا. لما الشاشة نورت، ظهرت فيديوهات متسجلة كاميرا مراقبة قديمة، وتواريخها ترجع للأيام الأخيرة قبل وفاة أخويا.

في الفيديو الأول، ظهر أخويا وهو قاعد في صالة بيته، وشكله كان مجهد وشاحب بشكل مرعب، مش زي ما كنا بنشوفه. كان بيتكلم مع مراته وهو بيترعش ويقولها:

— “أختي مش سايباني في حالي… كل ما أرفض أوقع لها على أوراق التنازل عن نصيبي في أرض أبتنا، تهددني إنها هتاخد الولاد مني بأي طريقة. أنا حاسس إنها بتحطلي حاجة في الأكل، أنا جسمي بيموت بالبطيء.”

الممر كله حسيت إنه بيلف بيا. أنا؟ أنا اللي كنت بنزل الأرض وأجري على أكل عيشنا وأسيب لها كل حاجة؟ الرؤية بدأت تظلم قدام عيني، بس الفيديو اللي بعده كان أصعب. ظهرت هي—مرات أخويا—وهي بتسجل فيديو بنفسها من كاميرا الموبايل، دموعها نازلة وبتقول بصوت مرعوب:

— “لو الفيديو ده اتعرض، يبقى أنا يا إما ميتة يا إما محبوسة. أخت جوزي سممت أخوها بالبطيء لحد ما مات، ولما حاولت أبلغ عنها هددتني بالولاد. بدأت تتردد على البيت وتحطلي مواد غريبة في العصير والأكل، ولما حسيت إنها هتاخد الأطفال مني علشان تصفي حساباتها وتورث باقي أملاك أخويا، اضطريت أستخبى أنا والولاد في البدروم… البدروم كان المكان الوحيد اللي هي ما تعرفش توصل له ولا فيه كاميرات. أنا مكنتش بحبسهم شر… أنا كنت بخفيهم عن عينها!”

عيني راحت على الظابط، لقيت نظرته ليا اتغيرت تماماً. خطواته تراجعت خطوة لورا، وإيده نزلت تدريجياً ناحية جراب مسدسه.

— “أستاذة… افيصلي عن الجهاز وما تحركيش من مكانك.”

صرخت بصوت مش طالع من الصدمة:

— “ده كذب! والله العظيم كذب! هي بتعمل كده علشان تلبسني التهمة وتهرب! أنا اللي اتصلت بالطوارئ! أنا اللي جبتهم المستشفى!”

لكن الظابط رد بجمود:

— “الإصابات القديمة اللي في رجل الولد… والتحاليل اللي هتتطلب دلوقتي للجثة اللي اتدفنت من تلات سنين هي اللي هتحدد. أصل مش منطقي أم تحبس ولادها وتجوعهم إلا لو كانت بتغطي على جثامين أو سر كبير… أو لو كانت فعلاً بتجري بيهم من حد.”

في اللحظة دي، سمعنا صوت صريخ جاي من أوضة الأطفال في آخر الممر.

جريت زي المجنونة والشرطة ورايا. فتحنا باب الأوضة… السرير كان فاضي. المحلول ملقى على الأرض وينقط دم، والبنت الصغيرة مش موجودة!

الولد الصغير كان قاعد على السرير، باصص للشباك المفتوح في آخر الأوضة واللي بيطل على جنينة المستشفى الخلفية، وبيعيط بهستيريا وهو بيشاور بإيده المترعشة بره الشباك ويقول:

— “هي أخدتها… أختي ضاعت يا عمتو… هي قالتلي إنك أنتِ اللي خليتي بابا ينام وما يقومش!”

وقفت مسمرة في مكاني، الشباك بيرهج بالمطر بره، والظابط بيحط الكلبشات في إيدي وهو بيقولي حقوقي المتهم، وأنا شايفه من الشباك خيال ست ماشية في الضلمة ورا شجر الجنينة، ماسكة إيد البنت الصغيرة، ولفت وشها ببطء ناحية الشباك… وابتسمتلي.

الكلبشات كانت باردة على إيدي، بس البرودة اللي كانت في قلبي كانت أكبر بكتير. الظابط كان بيشدني لورا علشان يخرجني من الأوضة، وصوت صريخ ابن أخويا وهو بيبصلي من على السرير كان بيشق دماغي:

— “سيبوها! عمتو مكنتش معانا تحت! هي اللي فتحتلنا الباب!”

الكلمة دي خلّت الظابط يقف ثانية ويصلي. الولد، رغم كل الخوف واللغبطة اللي بزرعتها مرّات أبوه في دماغه، الفطرة بتاعته خلت الحقيقة تطلع. بس ماكانش فيه وقت للكلام؛ البنت الصغيرة كانت بتتخطف في الضلمة بره المستشفى.

جمعت كل قوتي وصرخت في وش الظابط:

— “لو عايز تقبض عليا اقبض، بس البنت بتبعد! لو ضاعت دلوقتي مش هنلاقيها تاني! الفيديوهات دي متصنعة أو متسجلة تحت تهديد علشان تهرب هي بفلوس الميراث!”

الظابط بص في عيني لحظة، وشاف الخوف الحقيقي على الأطفال مش الخوف من السجن. نزل إيده، فك الكلبشات بسرعة وقال للعدائين أفراده:

— “حاصروا الجنينة الخلفية ومداخل المستشفى فوراً! مفيش حد يخرج!”

جرينا كلنا ناحية السلالم الموصلة للجنينة الخلفية. المطر كان بينزل بغزارة، والضلمة مالية المكان بين الشجر. كنا بنجري وصوت جزم الشرطة بيضرب في المية. فجأة، سمعنا صوت بكاء طفلة مكتوم جاي من ناحية المولد الكهربائي القديم في ظهر المستشفى.

قربنا بحذر. الضوء اتسلط على المكان… وكانت هي واقفة هناك.

مرّات أخويا كانت زنقت نفسها في الزاوية، ماسكة البنت الصغيرة بقوة، ووشها باين عليه الذهان والانهيار الكامل. ماكانتش الست الضحية اللي ظهرت في الفيديوهات، كانت ست عيونها طالع منها الجنون.

لما شافت كشافات الشرطة، صرخت بصوت هيستيري:

— “أنا مش هسيبهم لك! الأوراق كلها باسمي! الشقة والأرض والمصنع! لو قربتي هنسك أنا وهي في الكابلات دي!”

في اللحظة دي، الصورة اتجمعت كلها في دماغي زي البازل.

أخويا الله يرحمه ما ماتش مسموم مني… هي اللي كانت بتسممه ببطء علشان تاخد كل حاجة باسمها، ولما مات، اكتشفت إن الوصية والأوراق الرسمية بتشترط وجود الأطفال تحت رعايتي أنا لو هي جرى لها حاجة أو لو أثبت عدم أهليتها. عشان كده حبستهم تحت الأرض؛ كانت بتجوعهم وتدمرهم نفسياً وجسدياً علشان الموت يطالهم بالبطيء من غير ما تدفع ثمن جريمة مباشرة، وتقدر تبيع الأملاك وتهرب. والفلاشة كانت خطتها الأخيرة لتبليسي الجريمة وإلهام الشرطة بعيد عنها لو حد اكتشف مكانهم.

الظابط أخد خطوة ببطء وقالها:

— “الأوراق اللي مع القوة في البيت أثبتت إنك بعتي كل أملاك المرحوم بتوكيل مزور الأسبوع اللي فات… والتليفون اللي كلمتي منه أخت زوجك اتحدد موقعه. كل حاجة انتهت.”

عيني جاءت في عين البنت الصغيرة، كانت بتعيط وصوتها رايح. بصيت لمرّات أخويا وقلتلها بهدوء حذر:

— “أنا مش عايزة الفلوس ولا الأرض… خدي كل حاجة وامشي، بس سيبيلنا الأطفال. دول دم أخويا… دول الحجم الباقي منه.”

الجملة هزتها. عينها راحت للبنت، وبعدين للشرطة اللي محاصراها من كل ناحية. في لحظة ضعف وانهيار، إيدها ارخت من على البنت. الشرطي قفز بسرعة وسحب البنت من إيدها، وفي نفس اللحظة تم السيطرة عليها وتكتيفها على الأرض وهي بتصرخ وتسب بألفاظ غير مفهومة.

بعد مرور ستة أشهر…

الشمس كانت داخلة من شباك الصالة في بيتي.

الهدوء كان مالك المكان، بس المرة دي ماكانش هدوء كئيب.

ابن أخويا كان قاعد على السجادة، رجله أخيرًا جُبِسَت واتعالجت تمامًا ورجعت طبيعية، وكان بيلعب بالمكعبات مع أخته الصغيرة اللي خدودها ردت فيها الروح وضحكتها مليانة الصالة.

النيابة العامة أثبتت بعد فتح التحقيق وتحليل جثمان أخويا وجود نسب عالية من السموم، وأتثبت تزوير التوكيلات، وحكم على مرّات أخويا بالسجن المؤبد.

قمت من على الكرسي، قربت منهم وقعدت على الأرض وسطهم. ابن أخويا بصلي، بتسم ابتسامة هادية، وحط إيده الصغيرة في إيدي وقال:

— “عمتو… الباب مقفول؟”

ابتسمتله وأنا  هو وأخته بقوة وقلتله:

— “الباب مقفول يا حبيبي… بس المفتاح معانا إحنا، ومافيش حد في الدنيا هيقدر يقفل عليكم تاني.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى