
في صباح اليوم التالي، جاء طبيب الطب الشرعي إلى بالمستشفى برفقة النقيب أحمد وممرضة سحبت مني عينة دم لإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA). كنتُ أراقب نقطة وهي تدخل الأنبوبة الزجاجية وكأنها طوق النجاة الوحيد الذي سيصلني بطفلي الأول. مرت ساعات الانتظار كأنها ، وعيني لا تفارق المهد الذي ينام فيه طفلي الرضيع الجديد، وقلبي يحترق شوقاً لرؤية أخيه الكبير القابع خلف جدران دار الأيتام.
جلس النقيب أحمد على الكرسي المجاور ، وقبل أن يفتح الظرف قال بجدية:
«مدام مريم، عينة الدم اللي اتأخدت منك اتطابقت رسمياً مع الطفل اللي كان مودع في دار الأيتام بمحافظة القليوبية تحت اسم مستعار. النتيجة حاسمة ومؤكدة بنسبة 99.9%.. الطفل ابنك».
انهارت في البكاء، ووضعت يدي على وجهي وأنا أردد: «الحمد لله يا رب.. الحمد لله يا رب.. رجعلي ابني!».
لكن ملامح النقيب أحمد لم تكن ملامح رجل يبشر بنهاية سعيدة ومكتملة، بل كانت عينان تشعان بالحيطة والتفكير الجاد. لاحظتُ الدكتورة ريهام هي الأخرى تنظر إليّ بأسف وتردد.
كففتُ دموعي وسألتُ الضابط بوجل:
«في إيه يا حضرة الضابط؟ النتيجة طلعت إيجابية والولد ابني، ليه وشكم متغيّر كده؟ النيابة هتسلمني الولد أمتى؟».
تنحنح النقيب أحمد، وفتح الملف وطلع منه تقرير مفصل وقرار النيابة، وقال:
«مدام مريم.. لما فريق النيابة وقوة المباحث تحركوا لدار الأيتام فور ظهور النتيجة لاستصدار أمر بتسلم الطفل لنقله هنا للمستشفى عشان تشوفيه، اكتشفنا حاجة غيرت مجرى القضية تماماً وجعلتنا نعيد التحقيق مع مدام فوزية للمرة الثالثة».
سألتُه وأنا أرتجف:
«حاجة إيه؟ ابني جرى له حاجة؟ الولد مريض؟».
رد الضابط بثبات:
«الولد بخير ومن الناحية الصحية ممتازة.. لكن المشكلة إن لما فتشنا سجلات الدار وبصمات الأطفال اللي اتسجلوا في نفس الفترة اللي دخل فيها ابنك من سنتين، وجدنا إن فوزية ما أودعتش طفل واحد بس في الدار.. فوزية أودعت طفلين توأم!».
صدمة شلت لساني وأجمدتني في مكاني. الدكتورة ريهام اتسعت عيناها بذهول، وأنا بقيت أنظر للضابط مش فاهمة ولا قادرة أستوعب الكلمة.
قلتُ بصوت متقطع يرتجف:
«توأم؟ يعني إيه توأم؟ أنا.. أنا كنت حامل في توأم من سنتين؟».
أومأ الضابط برأسه وقال:
«التقرير الطبي الأصلي المزور اللي لقيناه في المستشفى الحكومي القديم واللي فوزية دفنت أصله، كان مكتوب فيه إن عملية الولادة القيصرية اللي خضعتِ لها وأنتِ في الغيبوبة نتج عنها ولادة توأم ذكور! فوزية لما اتفقت مع الممرضة والدكتور الفاسد، أخفوا حقيقة إنهم توأم. الأولاني هو اللي كان مبيوع للست ثريا هانم بمبلغ المليون جنيه، ولما الصفقة فشلت بسبب التفتيش، نقلت التوأم الاثنين لدار الأيتام تحت أرقام متسلسلة!».
شهقتُ بصوت هز أرجاء الغرفة، ومسكتُ رأس بيَدَيّ وأنا أصرخ:
«طفلين؟ كان عندي طفلين اتسرقوا مني وأنا فاقدة الوعي؟ يا فوزية يا ظالمة! عملتي فيا إيه ثاني؟ أخدتي مني طفلين في نفس اليوم ورسيتيني على الصفر؟».
تابع الضابط بصوت خفيض ونبرة مليئة بالحزن:
«المأساة يا مدام مريم مش هنا بس.. المأساة إن الطفل الأولاني لقيناه في الدار ونتيجته اتطابقت معاكي.. لكن الطفل الثاني التوأم، أوراق الدار بتقول إنه اتكفل وأتاخد برة الدار رسمياً بنظام التبني والكفالة من سنة ونصف لأسرة ميسورة الحال، والأسرة دي غادرت المحافظة وما حدش يعرف مكانهم الحالي، والأوراق اللي اتعملت بخصوص كفالته كانت محشوة ببيانات مزورة ومختومة بختم مزيف بتسهيل من شقيق الممرضة اللي كان شغال في الدار!».
الدموع كانت تسيل من عيني كالشلال. طفل تمكنت الشرطة من الوصول إليه وتحليل دمه، وطفل آخر شقيق توأم له ضاع في ملفات الكفالة المزورة ولا أحد يعرف أين هو الآن أو مع من يعيش!
قمتُ من السرير متجاهلة آلام الجرح والتعب، وأمسكتُ بملابس الضابط وأنا أبكي و أترجاه:
«أرجوك يا حضرة الضابط! هاتلي الولد الأولاني واقلبوا الدنيا على الولد الثاني! ما تسيبوش ابني يعيش عند ناس أغراب فاكرين إن مالوش أهل! أنا أمهم.. أنا اللي بطني وأنا بين الحياة !».
النقيب أحمد وقف وقال وعهد:
«أوعدك يا مدام مريم.. النيابة أصدرت أمر ضبط وإحضار عاجل لشقيق ، والشرطة بتمشّط كل العناوين المدونة في ملف الكفالة المزيف، والولد الأولاني النيابة صرّحت بتسليمه ليكي رسمياً خلال ساعات بعد استكمال الورقية.. مش هنقفل الملف ده إلا لما التوأم الاثنين يبقوا في حضنك».
في هذه الأثناء، اتصل هاتف الضابط، فرد بسرعة وأصغى بتركيز شديد وهو ينظر إليّ، وفجأة تغير وجهه وقال للطرف الآخر: «أنتم متأكدين من العنوان ده؟.. تمام، تحركوا فوراً وسدوا كل المنافذ!».
أغلق الهاتف والتفت إليّ وقال بنبرة :
«مدام مريم.. التحريات لسه واصلة حالا.. شقيق الممرضة اتجلب وتم القبض عليه في الكمين، واعترف تحت الضغط بالعنوان الحقيقي للأسرة اللي أخدت ابنك التوأم الثاني.. والأسرة دي موجودة حالياً في فيلا في نفس المدينة اللي إحنا فيها، وفي قوة من المباحث نازلة حالياً لتنفيذ أمر النيابة باسترداد الطفل!».
ارتجف جسدي بين الخوف والأمل، ولم أتمالك نفسي وقلت له بصوت يصرخ بالرجاء:
«خدني معاك يا حضرة الضابط! أرجوك خدني معاك! مش هقدر أقعد هنا وأنا عارفة إن ابني الثاني على بعد شوارع مني.. لازم أروح وأجيبه بإيدي!».
نظرت إليّ الدكتورة ريهام بصرامة وقلق، وحاولت منعي من المغادرة قائلة:
«مريم! ده جنون، إنتي لسه طالعة من عملية قيصرية ومحتاجة راحة تامة! الحركة دي ممكن تسبب لك !».
لكنني أمسكتُ بيدها ورجاء لا يقاوم:
«دكتورة ريهام.. أرجوكي! لو إنتي مكان أُم منها توأمها وأول مرة تعرف إن عندها طفل تاني في بيت ناس أغراب، هتستني في ؟ أنا مش هيرتاح لي بال ولا هيلتئم غير لما عيني تشوف طفلي في !».
تنهد النقيب أحمد، وبعد تردد ونظرات متبادلة مع الدكتورة، الأخيرة برأسها وقالت:
«أنا هطلع معاكي في سيارة الإسعاف، وهكون جنبك ومعانا طفلك الرضيع الجديد والولد الأولاني اللي النيابة جابته للمستشفى في نفس اللحظة.. مش هسيبك تتحركي لوحدك».
تداعت الأحداث بسرعة كالبرق. دخلت ممرضة الدار وهي تحمل طفلي الأول، التوأم الأول الذي حُرمت منه سنتين. عندما وضعوه بين ذراعيّ، في مكاني. كان بشكل لا يصدق، له نفس عينيّ وضحكتي ذاتها! وأنا وأقبّل جبينه، بينما كان أخوه الرضيع ينعم بالنوم بجانبه. كنتُ أحمل بين يديّ ثلثي أمومتي المفقودة، وما كان الأخيرة شملي!
انطلقت سيارات المباحث وتتبعها سيارة الإسعاف التي أستقلها عبر شوارع المدينة تحت أضواء الفجر الخافتة. كانت ضربات قلبي تتسارع مع كل متر تقطعه السيارة.
فتحت الخادمة الباب بدشهة، ودخلت الشرطة للمحيط . وبعد دقائق معدودة، خرج صاحب الفيلا وزوجته وهما في حالة صدمة وذهول شديدين، وكانت الزوجة تحمل بين يديها طفلاً صغيراً في نفس عمر طفلي الأول، يرتدي فاخرة.
ترجلتُ من سيارة الإسعاف بمساعدة الدكتورة ريهام، وأنا أجرّ أقدامي ، لكن الشوق كان أقوى من أي
«في إيه؟ أنتم مين ودخلتم بيتي إزاي؟ دا ابني! أنا كفلته وأوراقه رسمية وسليمة!».
تقدم النقيب أحمد وقال بحزم مستنداً للأوراق القانونية:
«الأوراق اللي معاكي مزورة يا مدام، والأخ اللي سهّل لك عملية الكفالة المزعومة اعترف في النيابة. الطفل ده من أمه وهي في غيبوبة في ، والأم الحقيقية واقفة قدامك دلوقتي وبأمر من النيابة العامة جاري استرداد الطفل فوراً إجراءً لتحليل الـ DNA ومطابقته!».
وقفتُ أمامها وأنا أرتجف، ودموعي تنزل بلا توقف. نظرتُ إلى الصبي الذي بين يديها.. كان صُورة طبق الأصل من أخيه الذي تركته في الإسعاف! ناديتُ عليه بصوت :
«يا حبيبي.. أنا أُمك.. أنا اللي بطني عشانك، أنا اللي منك وأنا مش حاسة بالدنيا!».
المرأة وقعدت على الأرض وهي تبكي :
قال زوجها وهو يحاول تدارك المواقف :




