
«يا حضرة الضابط إحنا ناس شرفاء وتخدعنا من الموظف اللي في الدار، إحنا مستعدين نتحاكم أو نقدم كل تقدمت الدكتورة ريهام وأخذت الصبي ببطء ورفق من إيد الست المنهارة، وقدمته لي. عندما وضعته بين يديّ، التفت الصبي ونظر في عينيّ، ثم وضع يده الصغيرة على وجهي ومسح فوراً لاستكمال المحضر».
السيارات عادت بنا جميعاً إلى مبنى المستشفى والنيابة، وفي سيارة الإسعاف، كنت أجلس وعلى يديّ التوأم الأول والأول، وفي المهد بجانبي مولودي الجديد.. ثلاثة أطفال أعادهم الله لي من بين براثن الظلم والغدر.
لكن المحاكمة لم تنتهِ بعد. في صباح اليوم التالي، كُنت أستعد للدخول للنيابة العامة للإدلاء بشهادتي النهائية، وكان ياسين يجلس في الأغلال جنب أمه فوزية في انتظار بدء الجلسة.
عندما مرتُ من أمامهم وأنا أحمل أطفالي، رفعت فوزية رأسها المكسور وعيونها المليئة بالندم والخوف، وقالت بصوت خافت ويرتجف:
«مريم.. سامحيني يا بنتي.. أنا الشيطان غواني والفلوس عمت عيني.. أرجوكي ارحميني من السجن وأنا ست كبيرة!».
وقفتُ أمامهما بحزن وثبات لم أعهده في نفسي من قبل، ونظرتُ في عينيها وعيني ياسين، وقبل أن أنطق بكلمتي الأخيرة التي ستحدد مصير هذه العائلة للأبد…
نظرتُ إلى فوزية ببرود جاف، ثم نقلتُ بصري إلى ياسين الذي كان يطأطئ رأسه في الأرض، والدموع تحفر مجاريها على وجنتيه في ذلٍ واستكانة. كانا ينتظران مني كلمة رحمة، أو إشارة تنازل، أو حتى لحظة ضعف تُعيد لهما الأمل في النجاة من مقصلة العدالة.
رفعتُ رأسي واستجمعتُ كل قوتي، وقلتُ بصوتٍ ثابت هز أرجاء الممر:
«الرحمة؟ بتطلبي الرحمة بعد ما حرمتيني من طفليّ التوأم وسرقتيهم من أحشائي وأنا غايبة عن الوعي بين الحياة والموت؟ بتطلبي الرحمة بعد ما سبتيني أتعذب وسيبتيني أغمى عليا على الأرض في عزومتك وقيل للجميع إنني بتمثل؟ والشركاء معكي هم ابنك اللي ما صانش عرضي ولا حماني وعاش بالفلوس المسمومة! الرحمة أصلها من ربنا، والقانون هو اللي هياخد حق أطفالي اللي عاشوا مشردين ومحرومين من حضن أُمهم!».
التفتُّ وعطيتُهم ظهري، ودخلتُ مكتب وكيل النيابة بثبات وأنا أحمل أطفالي الثلاثة؛ توأمي الكبيرين اللذين عادا لي من بين ظلمات الغدر، ومولودي الصغير الذي نجا بمعجزة.
أدليتُ بشهادتي كاملة دون نقصان، وقدمت الدكتورة ريهام التقرير الطبي الشامل الذي أثبت بالدليل عمليةإثبات نسب رسمياً لي واستخراج شهادات ميلاد جديدة تحمل اسمي وحقي الكامل في مع أخيهما الأصغر، بعد إخلاء سبيل الأسرة المكفولة لعدم علمهم .
خرجتُ منادم: مهما بلغت دناءة وقدرته على حبك المكائد الحقائق، فإن الله يعلم وأخفى، ولابد للعدالة الإلهية أن تظهر ولو بعد حين، فالله يمهل ولا .
* حدس وأمومتها أقوى من كل الأكاذيب: لا يمكن لطب أو أو سنين من الضياع أن تمحو غريزة ؛ فالقلب الذي ينبض بالحب الحقيقي يتصل بأبنائه برباط لا تقطعه أدوات البشر.



