عام

حماتى حكايات رومانى مكرم 2

«وابني؟ ابني الأولاني يا حضرة الضابط! فوزية قالت إنه اتقيد باسم ست ثريا وسافر برة مصر من سنة! هل ده صح؟ ابني أترسّل لبرة ودمرتم أي طريقة أوصل بيها ليه؟».

ابتسم النقيب أحمد ابتسامة خفيفة يحاول بها وقال:

«دا اللي فوزية كانت فاكراه أو بتحاول تقنعك بيه عشان تقطعي الأمل وتتنازلي عن البحث. الممرضة اعترفت في النيابة إن عملية البيع للست ثريا هانم فعلاً اتفقت عليها فوزية، وكان المفروض تسليم الطفل ليها مقابل المبلغ المالي.. لكن الأوراق الرسمية المزوّرة والشهادة الصحية المزيفة اللي عملوها في المستشفى القديم تعرضت لانتكاسة قانونية وقتها بسبب تفتيش مفاجئ من وزارة الصحة على المستشفى في نفس الأسبوع!».

تجمدتُ مكاني، وقلبي بدأ يخفق بشدة:

«يعني إيه؟ الجنين ما اتسلمش للست دي؟».

تابع الضابط بجدية:

«الست ثريا خافت من الفضيحة والملاحقة القانونية لما عرفت إن التفتيش دخل المستشفى وفيه تحريات، فرفضت تستلم الطفل وسحبت الجزء الأكبر من الفلوس، وفوزية والممرضة خافوا يبقوا بالطفل أو تنكشف ، فعملوا خطة ثانية سريعة عشان يتخلصوا من أثر الجريمة وفي نفس الوقت ما يرجعوهوش ليكي وأنتِ في الغيبوبة».

سألتُه وأنا أضع يدي على فمي لمنع :

«عملوا فيه إيه؟ ودووه فين؟ انطق يا حضرة الضابط أرجوك!».

أخرج الضابط ورقة من الملف وقال:

«الممرضة نقلت الطفل لدار أيتام في محافظة مجاورة كطفل معثور عليه بدون أوراق، وبمساعدة شقيق الممرضة اللي بيشتغل هناك، تم استخراج شهادة ميلاد له باسم مستعار وتثبيت إيداعه في الدار لحد ما الأمور تهدأ، وفوزية كانت بتدفع للدار مبالغ دورية تحت مسمى تبرعات عشان تضمن إن الولد يفضل هناك وما يتعملش ليه تبني أو كفالة لأسرة ثانية لحد ما تلاقي طريقة تبيعه بيها تاني أو تحتفظ بيه كارت ضغط!».

شهقتُ بالبكاء، مزيج من الصدمة والإغاثة. ابني لم يغادر البلاد! ابني لم يضيع في أدغال التبني الخارجي! إنه هنا، في نفس الوطن، داخل دار أيتام يعيش باسم ليس اسمه!

سألته بصوت خنيق:

«الدار دي فين؟ اسم الطفل إيه عندهم؟ أرجوك خدني ليه دلوقتي!».

قال الضابط بثبات:

«النيابة أصدرت قرار عاجل باستدعاء مدير الدار للتحقيق، ونحن بصدد مطابقة البصمة الوراثية (DNA) بينك وبين الطفل الموجود هناك فور موافقة الطب الشرعي، والإجراءات جارية بالفعل من الصباح. بس في حاجة ثانية لازم تعرفيها يا مدام مريم تخص جوزك ياسين».

في هذه اللحظة، ظهر ياسين عند باب الغرفة، كان شكله مكسورًا للغاية، وجهه شاحب والدموع تحفر مجاريها على خديه، وحراسة من الشرطة تقف خلفه.

بصيت له بغضب واشمئزاز، وقلت للضابط:

«الرجل ده أنا مش عايزة أشوفه.. ده كان عارف أو على الأقل كان أداة في إيد أمه!».

تقدم ياسين خطوة واحدة والدموع تسيل من عينيه بصمت، وقال بصوت حزين ومتهدج:

«مريم.. أنا أقسم بالله ما كنت أعرف إن ابني الأولاني عايش أو إن أمي عملت الجريمة دي فيكي وفيّ! أنا لما سددت ديوني من سنتين أمي قالتلي إنها باعت أرض جدتي.. أنا أخدت الفلوس بحسن نية وكنت فاكرها بتساعدني! والنهاردة لما النيابة استدعاني للتحقيق، أنا اعترفت بكل حاجة وأدليت بشهادتي ضد أمي وبصمتها على أوراق التحقيق.. أنا مش جايلك عشان تتنازلي عن حقي، أنا جاي أقولك إني سلمت أوراق المعرض والبيت للنيابة كتعويض ورهن تحت أمرك، وأنا مستعد أدخل السجن لو المحكمة شافت إني مقصر أو مجرم في حقك!».

بصيت له ببرود وقلت له:

«الفلوس اللي عملت بيها نفسك كانت بتمن دموعي وأمومتي يا ياسين.. حتى لو ما كنتش تعرف، سكوتك عن أمك وقسوتك عليا وأنا بموت في عزومة العشاء يخليك شريك في كل نقطة الضابط أومأ لأفراد الشرطة واقتادوا ياسين إلى الخارج وهو يبكي ويستعطفني، بينما أغلقت الدكتورة ريهام الباب خلفهم.

أقتربت الدكتورة مني ومسكت إيدي وقالت:

«اهدي يا مريم، أهم حاجة دلوقتي صحتك وصحة مولودك الجديد.. أنتِ قدامك خطوة واحدة بس وهي تحليل الـ DNA اللي هيتعمل بكره عشان تستردي ابنك البكر رسمياً من دار الأيتام».

نظرتُ إلى سقف ، ودموعي تنزل ببطء على وسادتي. كنتُ بين أمل استعادة طفلي وبين ثقل التي تركتها لي هذه العائلة . لم أكن أعلم أن الأكبر لم تأتِ بعد، وأن الدار التي أُودع فيها طفلي كانت تخفي مفاجأة أخرى أركان ما تبقى من حياتي.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى