
ت الملف الأسود ببطء، وطلعت منه ورق أبيض متثبت في حافظة بلاستيكية شفافة، ومدته ليا. قربت إيدي وهي بتترعش كأنها مش قادرة تتحكم فيها، ومسكت الورقة. كانت شهادة ميلاد.. بس مش أي شهادة ميلاد!
«اقري الاسم كويس يا سعاد.. بعينيكي دول!»
بصيت للورقة، والنظر قدامي كان مشوش من كتر الدموع، لكن الحروف كانت بارزة وواضحة بشكل قاسي:
اسم المولود: يوسف محمود إبراهيم.
اسم الأم: منة الله حسن (يعني عروسة ابني أحمد!).
تاريخ الإصدار: من سنتين!
حسيت إن السقف نزل فوق دماغي. الدنيا لفت بيا لفة عريضة لدرجة إنني تخيلت إني هفقد وعيي على الأرض، لكن أحمد مد إيده بسرعة وسندني، وهو بيساعدني أقعد على الكرسي اللي جنبنا.
«ابن؟! محمود ومنة عندهم ابن؟! عنده سنتين؟!»
قلت الكلمات دي من صميم روحي، صوتي طلع مكسور ومخنوق، لدرجة إن بعض الضيوف اللي كانوا واقفين بره الصالة التفتوا ناحيتنا باستغراب، ففاطمة شارت لهم بيدها وقالت بصوت حازم وثابت:
«مفيش حاجة يا جماعة، مجرد توتر عروسة وعريس، اتفضلوا جوه دقايق وهنحصلكم.»
رجعت أبص لأحمد وفاطمة، ودموعي بتنزل بغزارة من غير توقف، وقلت بصوت متقطع:
«يعني إيه؟ يعني البنت اللي ابني كان هيدخلها بيته، ويحبها، ويحطها جوة عيونه.. دي في الأساس.. دي في الأساس مرتبطة بأبوه بعلاقة سرية؟! ولا تبقى إيه منه بالضبط؟!»
فاطمة قعدت قدامي، ومسكت إيدي التانية وقالت بنبرة حازمة وفيها حزن عميق:
«الموضوع أصعب بكتير مما تتخيلي يا سعاد. محمود مش بس مرتبط بيها من خمس سنين، دي كانت أصلًا طالبة عنده في الكلية أو في شغله القديم، وعنده منها ولد من سنتين. وفيه مصلحة تانية كبيرة مدبرينها سوا. منة مكنتش ناوية تتجوز أحمد حبًا فيه ولا صدفة، دي خطة مدروسة بعناية!»
أحمد كمل كلام خالته، وصوته كان مليان حزن وغضب محبوس جوه صدره:
«أيوه يا ماما.. منّة دخلت حياتي من سنة تقريبًا، وقربت مني بذكاء شديد، وكانت دايمًا بتفتح معايا مواضيع عن بابا وتمدحه قدامي، وتخليني أثق فيها أكتر وأكتر. وأنا كنت فاكر إني قابلت بنت الحلال اللي هتشاركني حياتي وتحافظ على بيتي. لكن الحقيقة المرة إن بابا هو اللي دخلها حياتي ضمن خطة مدبرة!»
«خطة مدبرة؟!» قلتها وأنا حاسة إن عقلي مش قادر يستوعب اللي بسمعه. «ليه يا أحمد؟ ليه أبوه يعمل فيه كده؟! إيه السبب؟!»
أحمد رد وهو بيحاول يسيطر على انفعاله:
«علشان حاجتين يا ماما: الفلوس، وتصفية حسابات قديمة! بابا كان عارف إن عيادة الجد والميراث اللي جتلنا من جدي زمان مسجلة باسمك إنتي، وإنتي رافضة تبيعيها نهائي. ولما لقى إنك متمسكة بيها، خطط مع منّة إنها تدخل بيتنا، وتقرب مني، وتعرف كل أسرار البيت، وفي نفس الوقت تبدأ تسحب الفلوس من حساباتك بالتزوير. ولما الفرح يتم وتدخل البيت، كان ناوي ينقل جزء كبير من أملاكنا باسم منّة بحجة إنها مرات ابنه، وبعدين يدبروا مشكلة كبيرة ليا أنا ويبعدوني عن الصورة خالص، وتفضل أملاكنا وتعب السنين اللي أنا وإنتي شقينا فيه في إيديهم!»
فاطمة حطت الملف قدامي وقالت:
«وعندي هنا مستندات تثبت إن فيه توكيل عام رسمي باسمك، اتزور إمضاؤه من شهرين بس، ومكتوب فيه إنك وكلتي منّة في إدارة كل حساباتك وأملاكك العقارية في شبرا والمهندسين. التوكيل ده اتعمل في ظروف مشبوهة، والجهة اللي صدر منها ظهرت فيها مخالفات، وفيه تحقيقات جارية حواليه من الجهات المختصة.»
بصيت للورق، وبصيت لابني الشاب اللي لسه في أول حياته، واللي ضاع منه حلمه في الفرح والزواج، وتحول يوم عرسه لمواجهة كبيرة. حسيت إن كل دمعة نزلت مني اتحولت لقوة. الوجع اللي في قلبي اتراجع في ثانية واحدة، وحل مكانه إصرار وهدوء غريب.. هدوء الإنسان اللي قرر إنه مش هيسمح لحد يسلبه حقه وكرامته.
وقفت على رجلي بثبات، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت لفاطمة وأحمد بنظرة خلتهم هما الاتنين يتفاجئوا بقوتي المفاجئة.
«إنتوا بتقولوا الفرح مش هيتلغي.. صح؟»
أحمد هز راسه بإيجاب وقال:
«أيوه يا ماما.. المأذون جوه القاعة مستني، والناس كلها جوه بتبارك، وبابا قاعد على المنصة بيظبط الكارفتة، وشايف نفسه أذكى مخلوق في الدنيا وعامل فيها الأب المثالي الحنون.»
ابتسمت بمرارة شديدة، ورفعت راسي لفوق، وعدلت عبايتي وشالي، وقلت بصوت حازم ما يهتزّش:
«تمام.. يبقى هندخل. هندخل ونخلي عريسنا وكل ضيوفنا يسمعوا الحقيقة. ومحدش فيهم هيخرج من القاعة دي قبل ما كل حاجة تتوضح بالكامل.»
فاطمة بصتلي بإعجاب وقالت:
«هي دي سعاد اللي أنا أعرفها.. طب تعالي ورايا، والشنطة دي فيها كل النسخ من التحقيقات والتوكيلات والشهادات، وأول ما المأذون يفتح الدفتر.. إحنا هنكشف كل التفاصيل!»
دخلنا ورا بعض. أنا في المقدمة، ورايا ابني أحمد اللي ظهره كأنه جبل، وورانا خالتي فاطمة بشنطتها السودا، اللي كانت مليانة مستندات تكشف الحقيقة.
دخلنا قاعة الأفراح، الأنوار كانت مبهرة، والأغاني الهادية بتشتغل في الخلفية، والناس بتصفق وتبارك. شفت محمود جوزي.. واقف جنب منّة اللي كانت لابسة فستانها الأبيض، وشايلين بوكيه الورد وبيضحكوا للكاميرات.
أول ما شافني جاية من آخر القاعة ومعايا أحمد وفاطمة، لمعت في عينه نظرة استغراب وقلق سريع، لكنه حاول يخفيها وابتسم ابتسامة متكلفة وقال بصوت عالي شوية علشان يوصل للناس:
«أهلًا بأم العريس.. تعالي يا سعاد، تعالي شوفي العروسة جميلة إزاي، خلاص دقايق والمأذون هيكتب الكتاب ويبقوا على ذمة بعض!»
وقفت قدامه مباشرة، والمسافة بينا كانت أقل من خطوة. بصيت في عيونه اللي كنت فاكراني عارفاها شبر شبر على مدى خمسة وعشرين سنة، ولقيت قدامي واحد تاني خالص، شخص غريب عني.
ابتسمت بهدوء، وقلت بصوت واطي بس كل اللي حوالينا سمعوه بوضوح تام:
«معاك حق يا محمود.. العروسة جميلة قوي، بس خسارة.. خسارة إنها مش مناسبة لأحمد ابني.. دي علاقتها بيك إنت محتاجة تفسير!»
محمود اتجمد في مكانه، وابتسامته اختفت من على وشه، وقال بصوت متوتر:
«إنتي.. إنتِ بتقولي إيه يا سعاد؟ إنتي بتتكلمي قدام الناس ليه؟!»
قبل ما يرد، أحمد مسك الميكروفون الصغير اللي كان مع الكورال، وخلّى صوته يوصل لسماعات القاعة كلها، وقال بصوت قوي:
«محدش بيبالغ يا بابا.. الفرح ده اتلغى، وبدل ما نكتب كتابي على واحدة اكتشفت إن بينها وبينك أسرار كبيرة، وإن فيه طفل عمره سنتين مرتبط بالحكاية دي.. إحنا النهارده جايين نكشف الحقيقة قدام الكل، ونوضح كل التفاصيل بالمستندات!»
القاعة كلها سكتت في ثانية واحدة، والصوت انقطع تمامًا، والكل بصّ علينا بذهول، مستني يعرف إيه الحكاية اللي قلبت الفرح في لحظات.




