عام

قبل فرح ابني حكايات رومانى مكرم 2

مديت إيدي، وعدلت له ياقة القميص بتاعه بحنان، ونفضت الوهم العالق في دماغي، وقلت بحسم:

«أزعل على إيه يا أحمد؟ أنا حسيت إني كسبت نفسي، وكسبت راجل بجد ضهر وسند ليا. الفرح الحقيقي مش بالقاعة والزغارطة، الفرح الحقيقي هو إننا نضفنا بيتنا من الخيانة والكذب.»

الناس في القاعة بدأت تنسحب بهدوء بعد ما انقشع الغبار، والمكان فضل فاضي إلا مننا إحنا التلاتة وخالتي فاطمة. حسيت إن الوقت جه عشان نقفل الصفحة دي نهائياً ونبدأ صفحة بيضاء نظيفة مفيهاش أي كدب.

خدت نفسي بعمق، وبصيت لأحمد وفاطمة، وقلت:

«تعالوا.. يلا بينا نروح البيت. بيتنا الجديد اللي مفيش جواه غير الأمان والحقيقة.»

رجعنا البيت، وكان إحساس غريب ومختلف مسيطر علينا كلنا. البيت اللي قعدت فيه خمسة وعشرين سنة أحلم إنه واحة أمان، كشف لي وجهه الحقيقي، بس الأهم من كده إن الغبار اتقشع، وبقى نُضيف من جوه وبره.

فتحت باب الشقة، ودخلنا أنا وأحمد وفاطمة. الهدوء كان مالك المكان، بس مكنش هدوء كئيب زي الأول، كان ههدوء راحة وطمأنينة. قعدت على الكرسي في الصالون، وحسيت كأن هموم الدنيا كلها كانت على كتافي واتشالت في ثانية واحدة.

خالتي فاطمة جهزت لنا كوبايتين شاي مظبوطين، وقعدت جنبنا وهي بتقول:

«خلاص يا سعاد، صفحة وقفلت بكل ما فيها من مرارة. محمود ومنة في النيابة بيواجهوا تحقيقات موسعة، والفلوس اللي اتسرقت والتوكيلات المزورة كلها هترجع لحساباتك بقوة القانون، ومحدش هياخد جنيه واحد تعبتي فيه».

بصيت لفاطمة وابتسمت بحمد وشكر، وبعدين وجهت عيني لأحمد ابني. كان قاعد قدامي، ماسك كوباية الشاي وباصد للأرض بشرود. قربت منه، وقعدت جنبه على الكنبة، وحطيت إيدي بحنان على كتافه وقلت بصوت دافئ:

«حبيبي.. زعلان عشان شكلك قدام الناس، وعشان الفرح اللي مكملش؟»

أحمد رفع راسه، وبص في عيوني بابتسامة صافية، ابتسامة راجل حقيقي يملى العين، وقال:

«أزعل على إيه يا ماما؟ بالعكس، أنا حاسس إني ولدت من جديد النهاردة. صحيح الفرح باظ، وصدمة بابا كانت قاسية، بس الأهم إني حميتك، وحافظت على كرامتنا، وفضحت كل الكدب ده قبل ما يتفشت في بيتنا أكتر من كده. أنا فخور بكي يا ماما، وفخور إني ابنك».

دموع الفرحة لمعت في عيوني، ضميت ابني لصدري بكل قوة، وحسيت إن تعب السنين وتربيتي ليه جابوا نتيجة أعظم بكتير من أي فرح وهمي أو زفة كدابة. ربنا عوضني بأحمد، بسند حقيقي وظهر ما يميلش أبدًا مهما مالت الدنيا.

قمت وقفت بثبات، وبصيت حواليا في البيت، وقلت بصوت عالي ومليان إصرار:

«يلا يا أحمد، يلا يا فاطمة.. من اللحظة دي، البيت ده هيتفتح للخير والضحكة الحقيقية وبس. هنبدل كل عفش قديم، وكل ذكرى مرة بصفحة جديدة نظيفة. إحنا بدأنا حياة جديدة، ومفيش مكان بينا للضعف بعد النهاردة».

ضحكوا هما الاتنين، وحسيت إن الشمس أخيرًا طلعت على بيتنا بجد، من غير سحب سوداء، ومن غير كدب.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى