
رواية: حين خان الأب الأمانة
الجزء الثاني من ثلاثة
بقلم الكاتبة أسما السيد
«هناك وثيقة تخص ليلى نفسها، وعليها توقيع منسوب إليكِ… وإذا استطاع شريف استخدامها كما يخطط، فقد يحاول حرمانك من ابنتك والاستيلاء على الجزء الأكبر من ثروتك باسمها!»
تجمد الدم في عروقي وأنا أستمع إلى كلمات أخي عمر.
لم أعد أفهم شيئًا.
أي وثيقة تلك التي تحمل توقيعي دون علمي؟ وكيف يمكن لرجل أن يستخدم ابنته المريضة وسيلة للاستيلاء على أموال أمها؟
قلت بصوت مرتجف:
«عمر، أرجوك أخبرني بالحقيقة كاملة. ماذا فعل شريف؟»
تنهد أخي طويلًا قبل أن يجيب:
«وجدنا مسودة اتفاق تتضمن إقرارًا منسوبًا إليكِ بالموافقة على إقامة ليلى مع والدها بصورة دائمة، مع منحه صلاحيات واسعة لإدارة بعض الأصول المخصصة لمصلحتها. وهناك أوراق أخرى تشير إلى محاولة نقل ملكية عقارات من ممتلكاتك إلى شركة تملكها رانيا.»
شعرت بأن جدران المستشفى تضيق حولي.
«لكنني لم أوقع شيئًا من هذا!»
«أعرف يا نادية، ولهذا طلبت من المحامي فحص المستندات والتحقق من مصدرها. لا يمكننا اعتبارها صحيحة لمجرد وجود توقيع عليها.»
جلست على أقرب مقعد، وأخذت أتنفس بصعوبة.
كان أبي، رحمه الله، رجلًا عصاميًا قضى عمره في بناء ثروته. وحين رحل، ترك لي عقارات وأموالًا وحصصًا في شركات، لكنه ترك لي قبل ذلك وصية لم أفهم قيمتها إلا الآن.
قال لي قبل وفاته بأيام:
«يا نادية، المال لا يحمي صاحبه إذا سلم مفاتيحه لمن لا يخاف الله. أحسني الظن بالناس، لكن لا تجعلي حسن ظنك بديلًا عن حفظ حقوقك.»
كنت أبتسم كلما تذكرت وصيته.
فأنا متزوجة من شريف، الرجل الذي أحببته ووثقت به، والذي كنت أعتقد أنه سيحفظني ويحفظ ابنتنا بعد رحيل أبي.
لم أتخيل يومًا أن يأتي الخطر من داخل بيتي.
رفعت الهاتف إلى أذني وقلت:
«عمر، أريد أن أعرف شيئًا واحدًا… هل كان شريف يخطط لكل هذا قبل سفري؟»
أجاب:
«بعض الأوراق مؤرخ قبل رحلتك بأسابيع. لكننا نحتاج إلى التأكد من صحتها. وهناك أمر آخر…»
«ما هو؟»
«رانيا ليست مجرد امرأة على علاقة بزوجك. إنها شريكته في شركة تأسست منذ ستة أشهر، ويبدو أن بعض الأموال التي أُخرجت من مشروعاتك وصلت إلى حسابات مرتبطة بتلك الشركة.»
أغمضت عيني.
ستة أشهر!
ستة أشهر كان يجلس خلالها إلى مائدتي، ويقبل جبين ابنتي، وينام مطمئنًا تحت سقف منزلي، بينما يخفي عني حياة أخرى.
سألته:
«هل نستطيع استعادة الأموال؟»
«إذا ثبت أن التصرفات تمت دون تفويض صحيح، فهناك إجراءات قانونية يمكن اتخاذها. لكن لا تتعجلي المواجهة. علينا أولًا تأمين المستندات وحماية حقوقك.»
ثم أضاف:
«والأهم الآن أن تهتمي بليلى. أما شريف، فسنتعامل معه بالقانون.»
أنهيت المكالمة، وبقيت أحدق في الأرض طويلًا.
كنت أظن أن أقسى ما يمكن أن تفعله امرأة بزوجة أخرى هو أن تخطف زوجها.
لكنني اكتشفت أن بعض النساء لا يكتفين بخطف الرجال، بل يحاولن سرقة الحياة التي بنتها امرأة أخرى بتعبها ودموعها.
في العاشرة صباحًا، سمعت صوتًا مرتفعًا في ممر المستشفى.
كان صوت شريف.
«أين ابنتي؟ أنا والدها، ومن حقي رؤيتها!»
خرجت من غرفة الانتظار.
رأيته واقفًا أمام مكتب التمريض، يرتدي ملابس أنيقة ونظارة شمسية، وكأنه عائد من رحلة سياحية عادية.
لم تظهر عليه آثار ليلة من الخوف أو السهر.
وحين رآني، تقدم نحوي بسرعة.
«نادية! كيف حال ليلى؟»
نظرت إليه طويلًا.
كان الوجه نفسه الذي أحببته أحد عشر عامًا.
العينان نفسيهما.
الصوت نفسه.
لكنني شعرت كأنني أقف أمام رجل غريب.
قلت:
«حالها أفضل قليلًا، بفضل الله ثم جهود الأطباء.»
تنفس بارتياح، ثم حاول الإمساك بيدي.
سحبتها بهدوء.
تغير وجهه.
«ما بك؟»
أجبته:
«لا شيء. ابنتك في الداخل، ويمكنك سؤال الطبيب عن حالتها.»
اقترب مني وخفض صوته.
«نادية، أعرف أنك غاضبة بسبب الصورة، لكنني أستطيع تفسير كل شيء.»
نظرت إليه باستغراب.
«ابنتك كادت تموت، وأول ما تريد تفسيره هو صورتك مع رانيا؟»
ارتبك.
«لم أقصد ذلك.»
«إذن ماذا تقصد؟»
قال بعصبية مكتومة:
«لا داعي لتحويل الأمر إلى فضيحة. رانيا مجرد صديقة قديمة.»
ابتسمت ابتسامة باردة.
«وهل اعتدت أن تعانق صديقاتك على يخت زوجتك، وتسمح لهن بمناداتك بحبيبي؟»
احمر وجهه.
«أنت تفهمين الأمور بصورة خاطئة.»
قلت:
«ربما. لكنني أفهم جيدًا أن ابنتك دخلت العناية المركزة، وأنك قرأت رسالة الاستغاثة ولم تجب.»
سكت.
ثم قال:
«كنت مشغولًا، ولم أدرك أن الأمر بهذه الخطورة.»
حدقت فيه.
«مشغولًا بماذا يا شريف؟»
لم يجب.
تابعت:
«باليخت؟ أم برانيا؟ أم بالأوراق التي كنت تعدها من وراء ظهري؟»
رأيت الخوف يظهر في عينيه للحظة خاطفة.
لكنه سرعان ما تمالك نفسه.
«أي أوراق؟»
قلت:
«أنت أدرى.»
اقترب مني خطوة.
«هل تحدثت مع عمر؟»
لم أجب.
فقال بحدة:
«كنت أعرف أن أخاك سيحاول تخريب حياتنا! إنه يكرهني منذ البداية!»
عندها شعرت بالغضب يصعد إلى صدري.
لكنني تماسكت.
«عمر لم يترك ابنته في المستشفى يا شريف. ولم يسافر مع امرأة أخرى بينما طفلته تصارع الموت.»
رفع صوته:
«كفى يا نادية!»
التفت بعض الموجودين نحونا.
قلت بهدوء:
«اخفض صوتك. نحن في مستشفى.»
ثم تركته واقفًا ودخلت إلى غرفة ليلى.
حين سمح الطبيب لشريف برؤية ابنته، دخل الغرفة مترددًا.
كانت ليلى مستيقظة، لكنها ما زالت مرهقة.
اقترب منها وابتسم.
«حبيبتي، كيف حال أميرتي الصغيرة؟»
نظرت إليه دون أن تبتسم.
مد يده ليمسح على شعرها، لكنها أدارت وجهها ناحية النافذة.
تجمد مكانه.
«ليلى؟ ألا تريدين أن تقبلي بابا؟»
ظلت صامتة.
اقترب أكثر.
«لقد أحضرت لك هدية جميلة من الساحل.»
وفجأة التفتت إليه.
قالت بصوت ضعيف:
«كنت في الساحل يا بابا؟»
ارتبك.
«نعم يا حبيبتي، كان لدي عمل هناك.»
سألته:
«وأنت عارف إني في المستشفى؟»
لم يجد إجابة.
كانت طفلة في الثامنة من عمرها، لكنها طرحت السؤال الذي عجزت أنا عن طرحه دون أن أنهار.
قال بعد لحظات:
«لم أكن أعرف أنك مريضة إلى هذه الدرجة.»
نظرت إليه بعينين دامعتين.
«أنا كنت بنادي عليك يا بابا.»
أطرق برأسه.
تابعت:
«وأمينة اتصلت بيك كتير.»
حاول الإمساك بيدها.
«سامحيني يا حبيبتي.»
لكن ليلى سحبت يدها، وهمست:
«أنا عايزة ماما.»
لم أتحمل المشهد.
اقتربت منها واحتضنتها بحذر، بينما وقف شريف عاجزًا عن الكلام.
قالت ليلى وهي تتشبث بيدي:
«ماما، خليه يمشي.»
نظر إليّ شريف بصدمة.
كان ينتظر مني أن أقنعها بمسامحته.
لكنني لم أفعل.
قلت له بهدوء:
«لقد سمعتها. دعها تستريح.»
خرج من الغرفة، ولحقت به بعد دقائق.
كان يقف في الممر وقد تحول حزنه إلى غضب.
«أنت التي حرضتها عليّ!»
نظرت إليه في ذهول.
«هل تظن حقًا أن طفلة في الثامنة تحتاج إلى من يحرضها كي تحزن لأن والدها تخلى عنها؟»
قال:
«لن أسمح لك بأخذ ابنتي مني.»
شعرت بقشعريرة.
كانت تلك أول مرة يهددني فيها بصورة صريحة.
قلت:
«ليلى ليست ملكًا لأحد يا شريف. إنها طفلة تحتاج إلى الأمان، ومن واجبنا حمايتها.»
اقترب مني وقال بصوت منخفض:
«لا تختبري صبري يا نادية. أنت تعرفين أنني أستطيع جعل الأمور صعبة عليك.»
تأملت وجهه.
للمرة الأولى، لم أخف من تهديده.
قلت:
«وأنت لا تعرف بعد كم تغيرت الأمور.»
ثم تركته ورحلت.
في مساء اليوم نفسه، حضر أخي عمر ومعه المحامي الأستاذ محمود.
جلسنا في غرفة صغيرة داخل المستشفى، بعد أن اطمأننت إلى أن ليلى تستريح تحت رعاية الأطباء.
فتح المحامي حقيبته وأخرج مجموعة من المستندات.
قال:
«راجعنا الأوراق الأولية، وهناك مؤشرات خطيرة تستدعي التحقيق.»
وضع أمامي صورة عقد.
«هل هذا توقيعك؟»
نظرت إليه.
كان يشبه توقيعي بدرجة مخيفة.
لكنني عرفت فورًا أنه ليس توقيعي.
قلت:
«لا.»
سأل:
«هل سبق أن وقعت على ورقة خالية من البيانات أو منحت شريف تفويضًا شاملًا بالتصرف في ممتلكاتك؟»
«لم أوقع أوراقًا خالية، لكنني حررت له توكيلات محددة لإدارة بعض المشروعات.»
قال:
«هذا ما سنراجعه بدقة. أما المستند الذي يحمل توقيعًا تنكرينه، فسنطلب فحصه بالطريق القانوني.»
ثم أخرج ورقة أخرى.
«وجدنا أيضًا مراسلات تشير إلى محاولة ترتيب نقل أصول إلى شركة رانيا، باستخدام موافقات منسوبة إليك.»
سألته:
«وما علاقة ليلى بذلك؟»
تبادل المحامي وأخي نظرة قلقة.
ثم قال محمود:
«يبدو أن شريف كان يخطط لإنشاء هيكل لإدارة بعض الممتلكات باسم ابنتك، مع محاولة الاحتفاظ بالسيطرة على إدارتها. كما توجد مسودة اتفاق بشأن إقامتها معه. لكن هذه الأوراق لا تمنحه حقًا تلقائيًا في حرمانك من ابنتك، ولا تثبت بذاتها انتقال ملكية شيء.»
تنفست بصعوبة.
«لماذا يفعل ذلك؟»
قال عمر:
«لأنه يعلم أن أغلب ثروتك مسجلة باسمك، وأنه لا يستطيع الاستيلاء عليها لمجرد كونه زوجك.»
ثم أضاف المحامي:
«هناك احتمال آخر لا أريد تجاهله. ربما كان ينوي استخدام الضغط العاطفي المتعلق بليلى لدفعك إلى توقيع تنازلات.»
وضعت يدي فوق وجهي.
كل ما حدث خلال الأشهر الأخيرة بدأ يتضح أمامي.
تذكرت إلحاح شريف على أن أترك إدارة الأموال له بالكامل.
تذكرت غضبه كلما طلبت الاطلاع على الحسابات.
تذكرت محاولاته المتكررة لإقناعي بأن أنقل بعض العقارات إلى شركة جديدة بحجة تقليل المصروفات.
وتذكرت جملة قالها لي قبل سفري بأسبوع:
«أنت لا تثقين بي يا نادية، ولو كنت تحبينني حقًا لما راجعتِ كل قرار أتخذه.»
يومها شعرت بالذنب.
أما الآن، فقد أدركت أنه كان يحاول تحويل ثقتي به إلى وسيلة للسيطرة عليّ.
سألت المحامي:
«ماذا تقترح؟»
قال:
«أولًا، نتحقق من جميع التوكيلات ونتخذ الإجراءات اللازمة لإلغاء ما يمكن إلغاؤه منها وإخطار الجهات المعنية. ثانيًا، نطلب مراجعة الحسابات والمعاملات المالية. ثالثًا، نتقدم بالبلاغات المدعومة بالمستندات إذا ظهرت أدلة على التزوير أو الاستيلاء على الأموال.»
ثم نظر إليّ بجدية.
«أما ما حدث لليلى، فلا بد من توثيقه طبيًا وإبلاغ الجهات المختصة بما ذكرته عن الحلوى. لا يجوز أن نفترض أن رانيا تعمدت إيذاءها، لكن لا يجوز أيضًا تجاهل أقوال الطفلة.»
أومأت.
«افعلوا كل ما يلزم لحماية ابنتي وحقوقي.»
ثم أضفت:
«وأريد أن أبدأ إجراءات الانفصال عن شريف.»
نظر إليّ عمر بحزن.
«هل أنت متأكدة؟»
قلت:
«كنت أستطيع احتمال خيانته لي، وربما كنت سأحتاج إلى وقت لأقرر مصير زواجنا. لكنني لا أستطيع الاستمرار مع رجل ترك ابنته في خطر، ثم عاد ليهددني بها.»
لم يحاول أخي إقناعي بالعدول.
اكتفى بأن وضع يده فوق يدي.
وقال:
«لن تكوني وحدك.»
بعد يومين، تحسنت حالة ليلى بما سمح بنقلها من العناية المركزة إلى غرفة عادية، مع استمرار متابعتها الطبية.
كانت تلك اللحظة أجمل ما عشته منذ عودتي.
جلست بجوارها، أساعدها على تناول طعامها الذي وافق عليه الطبيب، وأستمع إلى حديثها عن الأشياء التي اشتاقت إليها.
لكنني لاحظت أنها أصبحت تخاف من الطعام.
كانت تسألني قبل كل لقمة:
«هل أنت متأكدة أنه لا يحتوي على مكسرات؟»
وكنت أطمئنها وأريها المكونات حين يكون ذلك ممكنًا.
وفي إحدى الليالي، سألتني فجأة:
«ماما، هل رانيا تحب بابا أكثر مني؟»
شعرت بوخزة حادة في قلبي.
اقتربت منها.
«لماذا تقولين ذلك يا حبيبتي؟»
قالت:
«لأن بابا كان بيضحك معاها كتير، لكن لما كنت بطلب منه يقعد معايا كان بيقول إنه مشغول.»
احتضنتها.
«اسمعيني جيدًا يا ليلى. أنت لست مسؤولة عن أخطاء الكبار، ولا يوجد شيء ناقص فيك يجعل أحدًا يبتعد عنك. أنت طفلة رائعة وتستحقين الحب والاهتمام.»



