
سكتت قليلًا.
ثم سألت:
«هل بابا هيسيبنا؟»
لم أرد أن أكذب عليها.
قلت:
«قد تتغير بعض الأشياء بيني وبين والدك، لكنني سأظل إلى جانبك، وسنحرص على أن تكوني في أمان.»
أغمضت عينيها، ثم قالت:
«أنا مش عايزة أشوف رانيا تاني.»
مسحت على شعرها.
«لن يجبرك أحد على الحديث معها الآن.»
وبعد دقائق، نامت وهي تمسك بيدي.
أما أنا، فبقيت مستيقظة أتأمل وجهها.
كانت طفولتها قد تعرضت لجرح عميق، وكنت أعلم أن شفاؤها النفسي سيحتاج إلى وقت واحتواء، لا إلى وعود فارغة.
في صباح اليوم التالي، تلقيت اتصالًا من أمينة.
كان صوتها مرتبكًا.
«مدام نادية، لازم حضرتك تعرفي حاجة.»
سألتها:
«ماذا حدث؟»
قالت:
«البيه رجع البيت امبارح بالليل، وكان معاه الست رانيا.»
شعرت بالغضب.
«دخلها بيتي؟»
«أيوه يا هانم، وكانوا بيدوروا على أوراق في مكتب حضرتك.»
توقفت عن التنفس لحظة.
«أي أوراق؟»
«مش عارفة، لكنهم فتحوا الأدراج والخزنة الصغيرة. ولما ما لقوش اللي بيدوروا عليه، البيه اتعصب جدًا.»
سألتها:
«هل سمعتِ شيئًا؟»
ترددت.
«سمعته بيقول لها: لو نادية وصلت للملف الأزرق قبلنا، كل حاجة هتضيع.»
الملف الأزرق!
تذكرت فجأة أن أبي كان يحتفظ بملف أزرق قديم، نقلته بعد وفاته إلى مكتبي الخاص.
كان يضم مستندات ملكية أصلية وبعض الأوراق المتعلقة باستثماراته.
لكنني قبل السفر بأيام كنت قد نقلته إلى مكان آخر، بعد أن احتجت إلى مراجعة بعض محتوياته.
لم أخبر شريف بذلك.
قلت لأمينة:
«هل ما زالا في المنزل؟»
«لا، خرجا منذ ساعة.»
«حسنًا. لا تلمسي شيئًا، ولا تدخلي في مواجهة معهما.»
أنهيت المكالمة واتصلت بعمر.
أخبرته بما حدث.
قال فورًا:
«سأذهب مع المحامي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين الأوراق. لا تذهبي وحدك.»
لكن ما اكتشفناه بعد ذلك كان أكثر خطورة.
فقد تبين أن شريف حاول استخدام صورة من أحد التوكيلات القديمة لإتمام معاملة تتجاوز الصلاحيات الممنوحة له.
وكان هناك موعد قريب لتوقيع مستندات جديدة تتعلق بأحد أكبر العقارات التي ورثتها عن أبي.
عقار تجاري في القاهرة تقدر قيمته بعشرات الملايين.
والجهة التي كان يحاول نقل المنفعة إليها مرتبطة بشركة رانيا.
أدركت حينها أن رحلة الساحل لم تكن مجرد نزهة غرامية.
تذكرت محاولاته المتكررة لإقناعي بأن أنقل بعض العقارات إلى شركة جديدة بحجة تقليل المصروفات.
وتذكرت جملة قالها لي قبل سفري بأسبوع:
«أنت لا تثقين بي يا نادية، ولو كنت تحبينني حقًا لما راجعتِ كل قرار أتخذه.»
يومها شعرت بالذنب.
أما الآن، فقد أدركت أنه كان يحاول تحويل ثقتي به إلى وسيلة للسيطرة عليّ.
سألت المحامي:
«ماذا تقترح؟»
قال:
«أولًا، نتحقق من جميع التوكيلات ونتخذ الإجراءات اللازمة لإلغاء ما يمكن إلغاؤه منها وإخطار الجهات المعنية. ثانيًا، نطلب مراجعة الحسابات والمعاملات المالية. ثالثًا، نتقدم بالبلاغات المدعومة بالمستندات إذا ظهرت أدلة على التزوير أو الاستيلاء على الأموال.»
ثم نظر إليّ بجدية.
«أما ما حدث لليلى، فلا بد من توثيقه طبيًا وإبلاغ الجهات المختصة بما ذكرته عن الحلوى. لا يجوز أن نفترض أن رانيا تعمدت إيذاءها، لكن لا يجوز أيضًا تجاهل أقوال الطفلة.»
أومأت.
«افعلوا كل ما يلزم لحماية ابنتي وحقوقي.»
ثم أضفت:
«وأريد أن أبدأ إجراءات الانفصال عن شريف.»
نظر إليّ عمر بحزن.
«هل أنت متأكدة؟»
قلت:
«كنت أستطيع احتمال خيانته لي، وربما كنت سأحتاج إلى وقت لأقرر مصير زواجنا. لكنني لا أستطيع الاستمرار مع رجل ترك ابنته في خطر، ثم عاد ليهددني بها.»
لم يحاول أخي إقناعي بالعدول.
اكتفى بأن وضع يده فوق يدي.
وقال:
«لن تكوني وحدك.»
بعد يومين، تحسنت حالة ليلى بما سمح بنقلها من العناية المركزة إلى غرفة عادية، مع استمرار متابعتها الطبية.
كانت تلك اللحظة أجمل ما عشته منذ عودتي.
جلست بجوارها، أساعدها على تناول طعامها الذي وافق عليه الطبيب، وأستمع إلى حديثها عن الأشياء التي اشتاقت إليها.
لكنني لاحظت أنها أصبحت تخاف من الطعام.
كانت تسألني قبل كل لقمة:
«هل أنت متأكدة أنه لا يحتوي على مكسرات؟»
وكنت أطمئنها وأريها المكونات حين يكون ذلك ممكنًا.
وفي إحدى الليالي، سألتني فجأة:
«ماما، هل رانيا تحب بابا أكثر مني؟»
شعرت بوخزة حادة في قلبي.
اقتربت منها.
«لماذا تقولين ذلك يا حبيبتي؟»
قالت:
«لأن بابا كان بيضحك معاها كتير، لكن لما كنت بطلب منه يقعد معايا كان بيقول إنه مشغول.»
احتضنتها.
«اسمعيني جيدًا يا ليلى. أنت لست مسؤولة عن أخطاء الكبار، ولا يوجد شيء ناقص فيك يجعل أحدًا يبتعد عنك. أنت طفلة رائعة وتستحقين الحب والاهتمام.»




