منوعات

حكايات اسما السيد 1

«ابنتك تصارع الموت يا شريف، وأنت تحتضن امرأة أخرى فوق يخت اشتريته من ميراث أبي؟ أقسم لك أنك ستعود يومًا تتوسل أن تفتح لك ابنتك بابها، ولكنك ستكتشف أن بعض الأبواب إذا أُغلقت بالخيانة، لا تفتحها دموع الندم!»

لم أقل له هذه الكلمات يوم اكتشفت خيانته، بل احتفظت بها في أعماقي، حتى جاء اليوم الذي رأيته فيه راكعًا أمام باب منزلي، يبكي كطفل فقد أمه، ويتوسل إليّ أن أمنحه فرصة واحدة.

لكنني يومها لم أكن المرأة التي عرفها، ولم يعد قلبي ذلك القلب الذي كان يغفر له كل شيء.

فبعض الخيانات لا تقت/ل الحب وحده، بل تق/تل في الإنسان قدرته على الاطمئنان إلى أقرب الناس إليه.

اسمي نادية، أبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، ومتزوجة منذ أحد عشر عامًا من رجل يُدعى شريف المنصوري، يعمل في مجال الاستثمار العقاري، ويتمتع بوسامة لافتة وحضور قوي يجعله قادرًا على إقناع الآخرين بما يريد.

كنت أظن أنني أعرفه أكثر من أي إنسان آخر.

أعرف ما يسعده، وما يغضبه، وكيف يحب قهوته، وما الكلمات التي تخفف عنه ضغوط العمل.

لكنني اكتشفت متأخرة أنني كنت أعرف الرجل الذي أراد أن أراه، لا الرجل الذي كان يعيش خلف ظهري.

رزقنا الله بابنتنا الوحيدة ليلى بعد ثلاث سنوات من الزواج.

كانت ليلى معجزة صغيرة دخلت حياتنا بعد رحلة طويلة من العلاج والانتظار.

أتذكر يوم ولادتها، حين حملها شريف بين ذراعيه للمرة الأولى، وبكى وهو يقبل جبينها.

قال لي يومها:

«هذه ابنتي يا نادية، وأقسم أنني لن أسمح لشيء في الدنيا أن يؤذيها ما دمت حيًا.»

صدقته.

وكيف لا أصدقه وهو والدها؟

كبرت ليلى، وأصبحت طفلة رقيقة الملامح، بعينين واسعتين وشعر أسود طويل، وضحكة كانت كفيلة بأن تبدد عن قلبي حزن الدنيا.

لكن فرحتنا بها لم تخلُ من القلق.

ففي عامها الرابع، اكتشف الأطباء أنها تعاني حساسية شديدة تجاه بعض أنواع المكسرات، وأن تعرضها لها قد يسبب تفاعلًا تحسسيًا خطيرًا يهدد حياتها.

منذ ذلك اليوم، تحولت حياتي إلى مراقبة دائمة لكل ما تتناوله.

كنت أقرأ مكونات الطعام بعناية، وأحتفظ بأدوية الطوارئ التي وصفها الطبيب، وأحرص على أن يعرف كل من يتعامل معها طبيعة حالتها.

وكان شريف يعرف كل هذه التفاصيل.

بل إنه حضر معي أكثر من زيارة للطبيب، واستمع بنفسه إلى التحذيرات.

ولهذا، حين قررت أداء العمرة، لم أتردد في تركها معه.

كنت أحلم منذ سنوات بزيارة بيت الله الحرام، وحين تيسرت لي الرحلة، شعرت بأن الله يفتح لي بابًا طال انتظاري أمامه.

في الليلة السابقة لسفري، جلست مع شريف في غرفة المعيشة، بينما كانت ليلى نائمة في غرفتها.

قلت له بقلق:

«شريف، أريدك أن تنتبه جيدًا لطعام ليلى. لا تسمح لها بتناول أي شيء قبل التأكد من مكوناته، وأرجوك لا تتركها وحدها لفترات طويلة.»

ابتسم وهو يضع هاتفه جانبًا.

«يا نادية، أتحدثين وكأنني غريب عنها؟ إنها ابنتي قبل أن تكون ابنتك.»

قلت:

«أعرف ذلك، لكنني أخاف عليها.»

أمسك يدي وقال:

«اذهبي لأداء عمرتك وأنت مطمئنة. سأعتني بها كما أعتني بعيني.»

ثم أضاف ضاحكًا:

«بل ربما تجدينها أكثر تعلقًا بي حين تعودين.»

ضحكت يومها، وشعرت بالراحة.

لم أكن أعلم أن تلك الكلمات ستكون آخر وعد أصدقه منه.

سافرت في صباح اليوم التالي، وكانت ليلى تلوح لي بيدها الصغيرة من نافذة السيارة.

صرخت قبل أن أغادر:

«لا تنسي أن تدعي لي يا أمي!»

ابتسمت والدموع تملأ عيني.

«سأدعو لك في كل صلاة يا حبيبتي.»

وفي مكة، كنت كلما وقفت أمام الكعبة أرفع يدي وأدعو الله أن يحفظ ابنتي وزوجي وبيتي.

كنت أطلب السكينة لعائلتي، بينما كانت العاصفة تتشكل بعيدًا عن عيني.

خلال الأيام الأولى، كنت أتصل بليلى مرتين يوميًا.

كانت تخبرني عن مدرستها وألعابها وما تناولته من طعام.

لكنني بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.

كلما سألتها عن والدها، كانت تجيب بإيجاز.

«بابا في الشغل.»

«بابا خرج.»

«بابا قال إنه سيعود متأخرًا.»

وفي اليوم الخامس، سألتها:

«ألم تخرجي مع والدك منذ سفري؟»

صمتت قليلًا، ثم قالت:

«خرجنا مرة واحدة، لكنه ظل يتحدث في الهاتف طوال الوقت.»

حاولت ألا أُظهر قلقي.

«ربما لديه أعمال كثيرة يا حبيبتي.»

فقالت بصوت خافت:

«أمي، متى ستعودين؟»

شعرت بانقباض في صدري.

«بعد يومين يا روح قلبي.»

همست:

«أريدك أن تعودي الآن.»

سألتها عن السبب، لكنها لم تجب.

ثم قالت جملة لم أنسها طوال حياتي:

«أشعر أن بابا لم يعد يحب الجلوس معي.»

حاولت طمأنتها، ووعدتها أن أعود قريبًا.

في تلك الليلة، اتصلت بشريف.

أجاب بعد محاولات عديدة، وكان صوت الموسيقى واضحًا من حوله.

سألته:

«أين أنت؟»

قال بسرعة:

«في عشاء عمل.»

«ولماذا تبدو ليلى حزينة؟»

تنهد بضيق.

«نادية، لا تبالغي. البنت تفتقدك فقط.»

«هل تقضي معها وقتًا كافيًا؟»

«بالطبع. هل ستظلين تحققين معي حتى وأنت تؤدين العمرة؟»

آلمني أسلوبه.

اعتذرت وأغلقت الهاتف.

ثم جلست طويلًا أمام النافذة، أحاول إقناع نفسي بأن قلقي مجرد شوق إلى ابنتي.

لم أكن أعرف أن شريف لم يكن في عشاء عمل.

ولم أكن أعرف أن المرأة التي تجلس أمامه تلك الليلة كانت تخطط معه لرحلة إلى الساحل الشمالي.

ولم أكن أعرف أن اسمي كان يتردد بينهما مصحوبًا بالضحكات.

في اليوم التالي، طرأ تعديل على ترتيبات عودتي، فأصبحت رحلتي قبل موعدها الأصلي بيوم كامل.

فرحت كثيرًا.

قررت ألا أخبر شريف أو ليلى، وأن أفاجئهما بعودتي.

اشتريت لابنتي هدية صغيرة كانت تتمناها، واحتفظت لها بمصحف جميل يحمل اسمها على غلافه.

كنت أتخيلها تركض نحوي حين أفتح باب المنزل.

كنت أرى بعيني خيالي كيف ستلقي بنفسها بين ذراعي، وكيف سأحتضنها وأخبرها أنني اشتقت إليها أكثر مما تتصور.

لكن حين وصلت إلى المنزل في السادسة مساءً، لم أجد شيئًا مما تخيلته.

فتحت الباب بمفتاحي.

كان الهدوء يملأ المكان بصورة غير طبيعية.

لم أسمع صوت التلفاز، ولا خطوات ليلى، ولا ضحكتها التي اعتدت أن تستقبلني بها.

وضعت حقيبتي وناديت:

«ليلى! حبيبتي، لقد عادت أمك!»

لم يجبني أحد.

تقدمت نحو غرفتها، فوجدت سريرها خاليًا.

كانت لعبتها المفضلة ملقاة على الأرض، وغطاؤها الصغير متجعدًا فوق الوسادة.

نزلت إلى المطبخ، فوجدت أمينة، السيدة التي تساعدنا في أعمال المنزل، واقفة بجوار الحوض.

وحين رأتني، سقط الكوب من يدها وتحطم.

حدقت في وجهي كأنها ترى شبحًا.

«مدام نادية؟!»

اقتربت منها.

«ما بك يا أمينة؟ أين ليلى؟»

ارتجفت شفتاها.

«سامحيني يا مدام… والله فعلت كل ما استطعت.»

توقف قلبي لحظة.

«عم تتحدثين؟ أين ابنتي؟»

انفجرت بالبكاء.

«الآنسة ليلى في المستشفى.»

شعرت بأن الأرض تتحرك تحت قدمي.

«أي مستشفى؟ ماذا حدث لها؟»

قالت وهي تبكي:

«تناولت قطعة حلوى تحتوي على المكسرات، وبعد دقائق بدأت تختنق. اتصلت بالإسعاف، ونقلوها منذ ساعتين.»

لم أعد أسمع سوى كلمة واحدة.

تختنق.

ابنتي تختنق.

صرخت:

«وأين والدها؟!»

أطرقت أمينة برأسها.

«البيه سافر منذ الأمس.»

«إلى أين؟»

«إلى الساحل الشمالي.»

نظرت إليها غير مصدقة.

«ترك ليلى وسافر؟»

هزت رأسها.

«قال إنه سيعود الليلة، وطلب مني الاعتناء بها.»

«وهل اتصلت به؟»

أخرجت هاتفها بيد مرتعشة.

«أكثر من عشر مرات. وأرسلت له رسائل أخبرته فيها أن ابنته في المستشفى.»

«وماذا قال؟»

بكت بحرقة.

«لم يقل شيئًا. لقد قرأ الرسائل ولم يجب.»

شعرت بشيء ينكسر في داخلي.

لكن لم يكن هناك وقت للانهيار.

أخذت عنوان المستشفى وانطلقت مسرعة.

طوال الطريق، كنت أدعو الله بصوت مرتجف.

«يا رب، لا تحرمني منها. خذ من عمري وأعطها. يا رب، إنها طفلتي الوحيدة.»

وصلت إلى المستشفى وأنا أكاد أفقد قدرتي على الوقوف.

ركضت نحو الاستقبال، ثم إلى قسم العناية المركزة.

وجدت الطبيب المسؤول، فأمسكت بذراعه وسألته:

«ابنتي ليلى المنصوري… أرجوك أخبرني أنها بخير.»

نظر إليّ بعطف.

«هل أنت والدتها؟»

«نعم.»

قال بهدوء:

«وصلت ابنتك وهي تعاني صدمة تحسسية شديدة، أثرت على التنفس وضغط الدم. بدأنا العلاج الطارئ فور وصولها، واستقرت بعض المؤشرات، لكنها ما زالت تحتاج إلى مراقبة دقيقة.»

سألته والدموع تخنقني:

«هل ستعيش؟»

لم يعطني وعدًا كاذبًا.

«نبذل كل ما نستطيع، واستجابتها الأولية مشجعة، لكن الساعات المقبلة مهمة.»

دخلت لرؤيتها بعد أن سمح لي الفريق الطبي.

كانت ليلى مستلقية على السرير، صغيرة بصورة موجعة، تحيط بها الأجهزة والأنابيب.

وجهها الذي كان يضيء المنزل بدا شاحبًا.

اقتربت منها، ولمست أصابعها برفق.

«ليلى… أنا هنا يا حبيبتي. لقد عدت.»

لم تفتح عينيها.

انحنيت وقبلت جبينها.

«سامحيني يا صغيرتي. تركتك مع الرجل الذي ظننت أنه سيحميك من العالم كله.»

جلست إلى جوارها، وأخذت أقرأ ما تيسر من القرآن وأدعو لها.

وفي تلك اللحظة، اهتز هاتفي.

ظننت أن شريف اتصل أخيرًا.

لكن الإشعار كان من تطبيق فيسبوك.

منشور جديد لامرأة تدعى رانيا.

كنت أعرف رانيا معرفة سطحية؛ زميلة قديمة لشريف، سبق أن رأيتها في مناسبتين.

فتحت المنشور دون اهتمام في البداية.

ثم تجمدت أصابعي فوق الشاشة.

كانت هناك صورة التُقطت على متن يخت فاخر.

رانيا ترتدي فستانًا أنيقًا، وتقف إلى جوار رجل يحتضن كتفها.

ذلك الرجل كان زوجي.

شريف.

وكان الاثنان يبتسمان للكاميرا في سعادة كاملة.

قرأت الكلمات المكتوبة أسفل الصورة:

«أجمل أيام حياتي مع أغلى إنسان في قلبي. شكرًا لأنك تجعلني أشعر أنني ملكة.»

ثم رأيت التعليقات.

إحدى صديقاتها كتبت:

«تستحقان السعادة، أخيرًا أصبحتما معًا دون خوف.»

وردت رانيا:

«القادم أجمل بكثير.»

حدقت في الشاشة طويلًا.

لم تكن الصدمة في وجوده مع امرأة أخرى فقط.

بل في المكان نفسه.

فذلك اليخت لم يكن ملكًا لشريف.

كان ملكي أنا.

اشتريته قبل عامين من جزء من ميراث والدي الراحل، وسجلته باسمي، وكنت أسمح لشريف باستخدامه في الرحلات العائلية.

والآن كان يقف فوقه مع عشيقته، بينما ابنته الوحيدة تقاوم الموت.

شعرت بالغثيان.

أغلقت الهاتف للحظات، ثم فتحته مجددًا.

التقطت صورًا للشاشة، وحفظت المنشور والتعليقات.

بعدها فتحت محادثة شريف.

كانت آخر رسالة أرسلتها إليه قبل ساعات من عودتي:

«اعتنِ بليلى، وأخبرها أنني أحبها.»

ولم يكن قد أجاب عنها.

دخلت إلى سجل اتصالات أمينة الذي أرسلته إليّ، ورأيت المحاولات المتكررة للاتصال به.

ثم رأيت الرسالة التي أرسلتها:

«يا بيه، الآنسة ليلى تعبت جدًا والإسعاف أخذها المستشفى. أرجوك اتصل فورًا.»

وتحتها ظهرت علامة القراءة.

كان قد قرأ الرسالة.

وعرف أن ابنته في المستشفى.

ومع ذلك لم يتصل.

رفعت عيني إلى ليلى.

وفي تلك اللحظة، اختفى شيء من داخلي إلى الأبد.

لم أعد أشعر بالرغبة في الصراخ أو العتاب.

لم أرد أن أسأله لماذا خانني.

ولا كيف استطاع ترك ابنته.

لقد أصبحت الحقيقة أمامي واضحة بصورة لا تحتمل التأويل.

الرجل الذي كنت أستند إليه هو نفسه الذي تركنا نسقط.

في التاسعة مساءً، خرجت من غرفة العناية وجلست في الممر.

اتصلت بأخي الأكبر، المستشار القانوني عمر.

كان عمر أكثر أفراد عائلتي هدوءًا، وأكثرهم معرفة بطباع شريف.

وحين سمع صوتي، سأل بقلق:

«نادية، ماذا حدث؟»

قلت:

«ليلى في العناية المركزة.»

ساد صمت قصير.

ثم قال:

«أنا قادم فورًا.»

أضفت:

«وأريدك أن تحضر معك المحامي المسؤول عن أملاكي.»

استغرب.

«لماذا؟»

أجبته:

«لأنني اكتشفت اليوم أن ابنتي كادت تدفع حياتها ثمن ثقتي في أبيها، ولا أريد أن أدفع ثمن هذه الثقة مرة ثانية.»

وصل عمر بعد أقل من ساعة.

دخل لرؤية ليلى، ثم خرج وعيناه ممتلئتان بالدموع.

جلس إلى جواري وسألني:

«أين شريف؟»

ناولته الهاتف.

رأى الصورة.

وقرأ الرسائل.

تغير وجهه تمامًا.

«هل هذا الرجل فقد عقله؟»

قلت:

«لا أعرف. لكنني أعرف أنه قرأ رسالة المستشفى ولم يجب.»

ضغط عمر على قبضته بغضب.

«سأتصل به.»

أمسكت بيده.

«لا.»

نظر إليّ باستغراب.

«نادية، يجب أن يعرف أن ابنته…»

قاطعته:

«إنه يعرف يا عمر. وهذا هو الفارق.»

صمت.

ثم سأل:

«ماذا تريدين أن تفعلي؟»

نظرت إلى باب العناية المركزة.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى