عام

حكايات اسما السيد 2

سكتت قليلًا.

ثم سألت:

«هل بابا هيسيبنا؟»

لم أرد أن أكذب عليها.

قلت:

«قد تتغير بعض الأشياء بيني وبين والدك، لكنني سأظل إلى جانبك، وسنحرص على أن تكوني في أمان.»

أغمضت عينيها، ثم قالت:

«أنا مش عايزة أشوف رانيا تاني.»

مسحت على شعرها.

«لن يجبرك أحد على الحديث معها الآن.»

وبعد دقائق، نامت وهي تمسك بيدي.

أما أنا، فبقيت مستيقظة أتأمل وجهها.

كانت طفولتها قد تعرضت لجرح عميق، وكنت أعلم أن شفاؤها النفسي سيحتاج إلى وقت واحتواء، لا إلى وعود فارغة.

في صباح اليوم التالي، تلقيت اتصالًا من أمينة.

كان صوتها مرتبكًا.

«مدام نادية، لازم حضرتك تعرفي حاجة.»

سألتها:

«ماذا حدث؟»

قالت:

«البيه رجع البيت امبارح بالليل، وكان معاه الست رانيا.»

شعرت بالغضب.

«دخلها بيتي؟»

«أيوه يا هانم، وكانوا بيدوروا على أوراق في مكتب حضرتك.»

توقفت عن التنفس لحظة.

«أي أوراق؟»

«مش عارفة، لكنهم فتحوا الأدراج والخزنة الصغيرة. ولما ما لقوش اللي بيدوروا عليه، البيه اتعصب جدًا.»

سألتها:

«هل سمعتِ شيئًا؟»

ترددت.

«سمعته بيقول لها: لو نادية وصلت للملف الأزرق قبلنا، كل حاجة هتضيع.»

الملف الأزرق!

تذكرت فجأة أن أبي كان يحتفظ بملف أزرق قديم، نقلته بعد وفاته إلى مكتبي الخاص.

كان يضم مستندات ملكية أصلية وبعض الأوراق المتعلقة باستثماراته.

لكنني قبل السفر بأيام كنت قد نقلته إلى مكان آخر، بعد أن احتجت إلى مراجعة بعض محتوياته.

لم أخبر شريف بذلك.

قلت لأمينة:

«هل ما زالا في المنزل؟»

«لا، خرجا منذ ساعة.»

«حسنًا. لا تلمسي شيئًا، ولا تدخلي في مواجهة معهما.»

أنهيت المكالمة واتصلت بعمر.

أخبرته بما حدث.

قال فورًا:

«سأذهب مع المحامي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين الأوراق. لا تذهبي وحدك.»

لكن ما اكتشفناه بعد ذلك كان أكثر خطورة.

فقد تبين أن شريف حاول استخدام صورة من أحد التوكيلات القديمة لإتمام معاملة تتجاوز الصلاحيات الممنوحة له.

وكان هناك موعد قريب لتوقيع مستندات جديدة تتعلق بأحد أكبر العقارات التي ورثتها عن أبي.

عقار تجاري في القاهرة تقدر قيمته بعشرات الملايين.

والجهة التي كان يحاول نقل المنفعة إليها مرتبطة بشركة رانيا.

أدركت حينها أن رحلة الساحل لم تكن مجرد نزهة غرامية.

كانت جزءًا من حياة أخرى بناها شريف بأموال لم يكن يملكها.

في مساء ذلك اليوم، وصلتني رسالة من رقم رانيا.

لم أتوقع أن تجرؤ على مراسلتي.

فتحتها.

«نادية، أعتقد أننا امرأتان ناضجتان، ويمكننا التفاهم دون فضائح. شريف لم يعد سعيدًا معك منذ سنوات، ومن الأفضل أن تقبلي الحقيقة.»

قرأت الرسالة مرتين.

ثم وصلت رسالة أخرى.

«وبالمناسبة، لا تحاولي استخدام مرض ابنتك لتدمير مستقبله. ما حدث كان حادثًا مؤسفًا.»

شعرت بأن الدم يغلي في عروقي.

كيف استطاعت أن تتحدث عن مرض طفلتي بهذه القسوة؟

لكنني لم أجب.

احتفظت بالرسائل وأرسلت نسخًا منها إلى المحامي.

بعد دقائق، اتصلت رانيا.

تركت الهاتف يرن.

ثم اتصلت مرة ثانية.

وثالثة.

وأخيرًا أرسلت تسجيلًا صوتيًا.

فتحت التسجيل.

جاء صوتها متعاليًا:

«اسمعيني جيدًا يا نادية. شريف اختارني أنا، وأنت لا تستطيعين إجباره على البقاء معك. وإذا كنت تظنين أن أموالك ستجعله يعود، فأنت مخطئة. نحن سنبدأ حياة جديدة، والأفضل لك أن تنسحبي بهدوء.»

توقفت لحظة، ثم أضافت:

«ولا تنسي أن شريف والد ليلى، وله حقوق لن تستطيعين تجاهلها.»

أغلقت التسجيل.

لم أعد أرى أمامي امرأة انتصرت في علاقة عاطفية.

كنت أرى إنسانة تحاول استفزاز أم تقف بجوار سرير ابنتها المريضة.

ولم أكن أنوي أن أمنحها ما تريده.

بعد أربعة أيام، خرجت ليلى من المستشفى بعد أن سمح الأطباء بذلك، مع تعليمات واضحة للمتابعة والوقاية من مسببات الحساسية.

لم أعد بها إلى المنزل الذي عاشت فيه مع أبيها.

ذهبت إلى منزل عائلتي، حيث خصصت لها والدتي غرفة هادئة مليئة بألعابها وكتبها المفضلة.

كنت أريدها أن تستعيد شعورها بالأمان بعيدًا عن الصراعات.

وفي تلك الليلة، اتصل بي شريف.

أجبت بعد تردد.

قال بغضب:

«ذهبت إلى المستشفى وأخبروني أن ليلى خرجت! أين أخذتها؟»

قلت:

«إنها معي وفي أمان.»

«بأي حق تمنعينني من رؤيتها؟»

أجبته:

«لم أقل إنني سأمنعك من حقوقك القانونية، لكن أي ترتيب لرؤيتها يجب أن يراعي حالتها الصحية والنفسية.»

صرخ:

«أنت تريدين الانتقام مني!»

قلت بهدوء:

«لو كنت أريد الانتقام، لكنت أمضيت وقتي في مطاردتك وفضحك. لكنني مشغولة بابنتي وبحماية حقوقي.»

سكت لحظات.

ثم قال بنبرة مختلفة:
«نادية، يمكننا إصلاح الأمور.»

أغمضت عيني.

«أي أمور يا شريف؟»

«كل شيء. أنا أخطأت، وأعترف بذلك.»

«هل انتهت علاقتك برانيا؟»

تردد.

«الأمر ليس بهذه البساطة.»

ابتسمت بحزن.

«إذن لا تتحدث عن إصلاح شيء.»

قال بسرعة:

«اسمعيني، سأعود إلى البيت، وسنبدأ من جديد.»

سألته:

«وماذا عن الأموال التي حاولت نقلها إلى شركتها؟»

ساد صمت طويل.

ثم قال:

«من الذي يملأ رأسك بهذه الأكاذيب؟»

أجبته:

«المستندات يا شريف. المستندات التي ستراجعها الجهات المختصة.»

تغير صوته فجأة.

«إياك أن تفعلي شيئًا يضر بسمعتي!»

قلت:

«كان عليك أن تفكر في سمعتك قبل أن تفعل ما فعلته.»

ثم أنهيت المكالمة.

لم تمضِ عشر دقائق حتى وصلتني منه رسالة.

«أنت لا تعرفين مع من تتعاملين يا نادية. إذا قررتِ تدميري، فلن أترك لك شيئًا.»

قرأت الرسالة دون خوف.

احتفظت بها.

ثم أرسلتها إلى المحامي.

في صباح اليوم التالي، اتصل بي عمر.

كان صوته يحمل شيئًا من الارتياح.

«نادية، بدأنا الإجراءات القانونية اللازمة بشأن التوكيلات والمعاملات المشبوهة، وأبلغنا الجهات المختصة بما لدينا من مستندات. كما تقدمنا بطلبات عاجلة لحماية الحقوق محل النزاع.»

سألته:

«وماذا عن شريف؟»

قال:

«لقد أُخطر ببعض الإجراءات، ويبدو أنه لم يكن يتوقع أنك ستتحركين بهذه السرعة.»

ثم أضاف:

«وهناك خبر آخر.»

«ما هو؟»

«تواصل معنا حسام المحاسب مرة ثانية، وسلمنا مراسلات إضافية قد تساعد في كشف حقيقة التصرفات المالية.»

سألته بقلق:

«هل تثبت تورط رانيا؟»

«تشير إلى دور لها، لكننا سنترك تقييم الأدلة للتحقيق.»

شعرت بشيء من الطمأنينة.

لم أكن أبحث عن تشهير أو انتقام أعمى.

كنت أريد الحقيقة والعدالة، وأن أضمن ألا يستطيع أحد استخدام ثروتي للإضرار بي أو بابنتي.

لكن شريف لم يكن مستعدًا لتقبل خسارته.

ففي عصر اليوم نفسه، ظهر فجأة أمام منزل عائلتي.

كان وجهه شاحبًا، وعيناه محمرتين.

فتح له عمر الباب.

قال شريف بعصبية:

«أريد التحدث إلى زوجتي.»

خرجت إلى الحديقة بعد أن تأكدت أن ليلى في غرفتها مع جدتها.

وقفت أمامه.

«ماذا تريد؟»

اقترب مني.

«نادية، أرجوك أوقفي الإجراءات.»

لم أجب.

تابع:

«لقد أوقف البنك تنفيذ بعض المعاملات لحين استكمال المراجعة، والشركاء يطالبون بتفسيرات، وسمعتي أصبحت على المحك.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى