عام

حكايات اسما السيد 2

نظرت إليه ببرود.

«وأين كانت سمعتك حين تركت ابنتك في المستشفى؟»

قال:

«لقد اعتذرت!»

«الاعتذار لا يمحو ما حدث.»

أمسك برأسه.

«أنت لا تفهمين حجم الكارثة.»

قلت:

«بل أفهمها جيدًا. لقد حاولت التصرف في أموال لا تملكها، وحين بدأت الحقيقة تظهر، جئت تطلب مني إنقاذك.»

اقترب خطوة أخرى.

«أقسم لك أن رانيا هي التي ورطتني في بعض الأمور.»

نظرت إليه بدهشة.

«والآن أصبحت رانيا هي المسؤولة؟»

قال بانفعال:

«لقد أقنعتني أن هذه الاستثمارات ستضاعف أموالنا!»

سألته:

«ومن أعطاك الحق في استخدام أموالي دون موافقتي؟»

خفض رأسه.

وللمرة الأولى، لم يجد إجابة جاهزة.

ثم قال بصوت مكسور:

«نادية، نحن عائلة. لا تدمري بيتنا.»

شعرت بمرارة شديدة.

«بيتنا؟ لقد تذكرت أن لنا بيتًا حين بدأت تخسر ما أخذته منه.»

رفع عينيه نحوي.

«هل ستطلقينني؟»

أجبته دون تردد:

«نعم. سأمضي في الإجراءات القانونية لإنهاء زواجنا.»

تراجع كأنني صفعته.

«بعد أحد عشر عامًا؟»

قلت:

«بعد أحد عشر عامًا اكتشفت أنني كنت أحاول الحفاظ على بيت لم تكن أنت تحافظ عليه.»

وفجأة انخفض صوته.

«وماذا عن ليلى؟»

شعرت بأن قلبي ينقبض.

«ليلى تحتاج إلى أب مسؤول، لا إلى رجل يستخدمها وسيلة للضغط على أمها.»

قال:

«أريد رؤيتها.»

كنت على وشك الرد، حين سمعت صوتًا صغيرًا خلفي.

«بابا؟»

التفتنا معًا.

كانت ليلى واقفة عند باب الحديقة، تمسك بيد جدتها.

لم نكن قد سمعنا خطواتها.

تغير وجه شريف تمامًا.

اقترب منها وفتح ذراعيه.

«حبيبتي! تعالي إلى بابا.»

لكنها لم تتحرك.

نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت:

«بابا، أنا عايزة أسألك سؤال.»

انحنى قليلًا.

«اسألي يا روحي.»

قالت بصوت مرتجف:

«هو أنت كنت عارف إن رانيا جابتلي الحلوى اللي بتتعبني؟»

تجمد شريف في مكانه.

نظرت إليه وأنا أنتظر الإجابة.

فتح فمه، ثم أغلقه.

وأخيرًا قال:

«ليلى، أنت فهمتِ الموضوع غلط.»

هزت رأسها.

«لأ يا بابا… أنا سمعتها وهي بتكلمك في التليفون.»

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.

اقتربت من ابنتي وسألتها برفق:

«ماذا سمعتِ يا حبيبتي؟»

نظرت إليّ، ثم إلى أبيها.

وقالت جملة لم أكن مستعدة لسماعها:

«سمعت رانيا بتقول لبابا إن الحلوى ممكن تخليني أتعب… وهو قال لها: ما تقلقيش، المهم نادية ترجع من السفر.»

تراجعت خطوة إلى الخلف.

أما شريف، فقد شحب وجهه بصورة مخيفة.

صرخ فجأة:

«ليلى! اسكتي! أنت لا تعرفين ما تقولين!»

ارتجفت الطفلة واختبأت خلف جدتها.

تقدم عمر فورًا ووقف بينه وبينها.

«اخفض صوتك. لن تسمح لنفسك بإخافتها مرة أخرى.»

لكن شريف لم يعد يسمع أحدًا.

كان ينظر إلى ابنته بعينين ممتلئتين بالذعر.

وأنا كنت أنظر إليه وكأنني أراه للمرة الأولى.

هل كان يعلم أن الحلوى قد تؤذيها؟

وهل كان مرض ابنتي مجرد وسيلة لإعادتي من العمرة؟

ولماذا كان يريد عودتي بهذه السرعة، بينما يخطط في الوقت نفسه للاستيلاء على ممتلكاتي؟

قبل أن أتمكن من طرح سؤال واحد، اهتز هاتف شريف.

نظر إلى الشاشة، ثم رفض المكالمة بسرعة.

لكن الهاتف عاد يرن.

ورأيت الاسم الذي ظهر عليه.

رانيا.

قال عمر بحزم:

«أعتقد أن ما قالته ليلى يستدعي إبلاغ المحققين فورًا، دون أن نضغط عليها بأسئلة أخرى.»

وفجأة وصل إلى هاتفي تسجيل صوتي من رقم مجهول.

كان مصحوبًا برسالة قصيرة:

«إذا أردتِ معرفة ما حدث لابنتك فعلًا، استمعي إلى هذا التسجيل قبل أن يختفي الدليل.»

فتحت التسجيل.

وجاءني صوت رانيا واضحًا:

«أنا قلت لك من الأول إن الموضوع خطر يا شريف! البنت عندها حساسية شديدة، ولو حصل لها حاجة هنتورط كلنا!»

ثم جاء صوت شريف.

صوت زوجي الذي كنت أظن أنني أعرفه.

قال ببرود مرعب:

«أنا عارف هي عندها إيه… بس نادية لازم ترجع قبل ما تكتشف اللي عملناه في الشركة. وبعدها هنعرف نضغط عليها توقع الأوراق.»

توقفت عن التنفس.

لكن التسجيل لم ينتهِ.

فقد قالت رانيا بعد لحظات:

«وأنت ضامن إن بنتك مش هيجرالها حاجة؟»

فأجاب شريف بجملة جعلت أخي عمر يضع يده على فمه من شدة الصدمة:

«أنا مش عايزها تموت… أنا عايز نادية تخاف عليها وبس.»

رفعت عيني ببطء نحو الرجل الواقف أمامي.

كان شريف قد سمع التسجيل.

ولم يحاول حتى إنكار صوته.

كل ما فعله أنه تراجع خطوة، ثم قال بصوت مبحوح:

«نادية… اسمعيني… الموضوع مش زي ما أنت فاهمة.»

لكنني لم أعد أسمع اعتذاراته.

كنت أفكر في ابنتي الصغيرة التي اختنقت من الألم، وفي الساعات التي قضتها بين الحياة والموت، وفي الرجل الذي وقف أمامي الآن يحاول تبرير ما لا يمكن تبريره.

نظرت إليه وقلت:

«كنت أظنك أبًا مهملًا يا شريف… لكنني لم أتخيل أن تكون قد عرّضت ابنتك للخطر عمدًا.»

ثم التفت إلى عمر.

«احتفظ بنسخة من التسجيل، وسلمه إلى الجهات المختصة للتحقق من صحته ومصدره.»

بعدها عدت إلى ليلى واحتضنتها.

كانت تبكي بصمت.

همست في أذنها:

«لن أسمح لأحد بإيذائك يا حبيبتي.»

أما شريف، فقد ظل واقفًا في الحديقة كأن العالم انهار فوق رأسه.

ولم يكن يعرف أن ما سمعناه لم يكن سوى بداية انكشاف الحقيقة.

فبعد ساعات قليلة، كشف التحقيق الأولي عن وجود كاميرا مراقبة في منزلنا كانت قد سجلت جزءًا من زيارة رانيا يوم الحادث.

وعندما شاهد المحامي المقطع، اتصل بي وقال:

«نادية… هناك شيء في الفيديو لم تذكره ليلى، ووجوده قد يغير مسار القضية بالكامل.»

سألته بلهفة:

«ماذا ظهر في التسجيل؟»

قال بصوت ثقيل:

«رانيا لم تكن وحدها حين دخلت المطبخ لتحضير الحلوى… كان شريف معها، وهناك شخص ثالث ظهر بعد خروجهما.»

تجمدت.

«من هذا الشخص؟»

صمت لحظات، ثم أجاب:

«أمينة… لكنها لم تكن تتصرف بالطريقة التي تتوقعينها.»

يتبع في الجزء الثالث والأخير…

بقلم الكاتبة أسما السيد

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى