عام

حكايات اماني 3

وقف المحامي خطوته، وبص للموبايل بذهول شديد، وملامح وشه اتغيرت تماماً من الصرامة للدهشة المطلقة. أبويا وأخويا وقفوا مستغربين، وأنا قلبي انقبض وسألته بنبرة مرعوبة: “في إيه يا أستاذ؟ في حاجة جديدة حصلت في النيابة؟”.
المحامي قفل الخط مع خبير الأدلة الجنائية، وبص لنا وقال بصوت واطي ومشدود: “الخبراء وهما بيفرغوا الهواتف المحمولة وبيسترجعوا الصور والفيديوهات المحذوفة من كارت الميموري والمساحة السحابية (Cloud) الخاصة بموبايل صاحبتك، لقيوا بلاوي ثانية مالهاش أي علاقة بالجواز أو التزوير.. لقيوا مصيبة أكبرها بمراحل!”.
سألته بسرعة والدم جمد في عروقي: “مصيبة إيه؟ اتكلم يا أستاذ أرجوك!”.
المحامي قال: “لقيوا تسجيلات صوتية وفيديوهات مخفية متسجلة بين صاحبتك وبين طليقها الأولاني! التسجيلات دي بتثبت إن طلاقها منه ما كانش طلاق عادي ولا بسبب مشاكل بينها وبينه.. ده كان طلاق صوري ومخطط له بالاتفاق مع طليقها عشان تدخل بيتك وتستهدفك أنتِ وجوزك!”.
الكلمات نزلت عليا كأنها صاعقة. اتسمرت في مكاني ومش قادرة أستوعب: “يعني إيه؟ طليقها؟ دخلت بيتي بتخطيط منه هو كمان؟!”.
المحامي بدأ يشرح بالتفصيل وهو ماشي معانا ناحية العربية: “التسجيلات المحذوفة اللي الأدلة الجنائية نجحت في استرجاعها، فيها مكالمات صريحة بينها وبين طليقها من قبل ما تيجيكِ البيت أصلاً. طليقها ده كان مديون بمبالغ ضخمة ومعرض للسجن، فاتفق معاها على لعبة شيطانية: تطلب هي الطلاق منه صورياً، وتيجي تمثل عليكي المسكنة والقلة الحيلة عشان تستقبليها في بيتك، ومن خلال وجودها، تستغل ضعف جوزك وتوقعه في حبائلها، وتبدأ هي وهو يسحبوا فلوسك وأملاكك لحسابها، وبعد ما الاستيلاء يكتمل ويتم طلاقك وتجريدك من كل حقوقك، ترجع هي لطليقها بالغنيمة والفلوس اللي اتسرقت منك ومن جوزك!”.
أنا وأبويا وأخويا وقفنا في الشارع مش مصدقين بشاعة اللي بنسمعه. يعني اللعبة ما كانتش بس بين جوزي وصاحبتي ضدّي.. دي كانت شبكة إجرامية ثلاثية، صاحبتي وطليقها استغلوا طمع وجشع جوزي وغباوته، واستغلوا طيبة قلبي وثقتي فيها، عشان يدمّروا حياتي وحياته هما الإثنين وياخدوا كل حاجة!
المحامي كمل كلامه وقال بكل قوة: “الموضوع اتغير تماماً يا جماعة. التفريغ ده يحول القضية من مجرد أحوال شخصية وتبديد وتبديد منقولات وتعدي على حرمة حياة خاصة، لقضية تشكيل عصابي وتآمر واختلاس وخيانة أمانة واحتتيال مع سبق الإصرار والترصد! وطليقها حالياً النيابة أصدرت أمر ضبط وإحضار عاجل له لضبطه وإحضاره للتحقيق في التهم دي!”.
في صباح اليوم التالي، عدنا للنيابة العامة من تاني، بس المرة دي كان المشهد مرعب بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
الشرطة كانت جابت طليق صاحبتي بعد ما تم إلقاء القبض عليه في شقته، وجابوه بالكلبشات. وجابوا جوزي وصاحبتي من التخشيبة. الأربعة كانوا قاعدين قدام وكيل النيابة الكلية المرة دي مش نيابة الأسرة.
جوزي كان قاعد وشه اصفر زي الميت، ومش فاهم طليق صاحبتي بيعمل إيه هنا بالكلبشات! أما صاحبتي فكانت بتترعش زي الفراخة المبلولة، وعيونها زي المجنونة بتتنقل بين طليقها وبين جوزي.
وكيل النيابة شغل التسجيلات الصوتية وشاشات العرض قدامهم في القاعة. صوت صاحبتي طالع من التسجيل بمنتهى الوضوح وهي بتقول لطليقها: “البت غبية ومأمنالي جداً، وجوزها يسيل لعابه على أي ست تهتم بيه.. أنا هقعد عندها وهخليه يتجنن عليا، وهخليه ينقل كل أملاكها وفلوسها باسمي بحجة إنه بيأمن مستقبلي، وساعة ما يطلقها ونستولي على كل حاجة، هطلب منه الطلاق أو أخلعه بالفلوس دي ونرجع لبعض ونعيش ملكات!”.
أول ما الصوت اشتغل، جوزي وشه اتقلب بركان غضب، وبص لصاحبتي بعيون كانت هتطلع منها النار. جوزي صرخ بصوت هيستيري وهو بيحاول يهجم عليها بالكلبشات: “يا بنت الكلب! يا خائنة يا واطية! أنتِ وراه طليقك كنتوا بتستغلوني؟ أنتِ كنتِ بتلعبي بيا وبتمثلي عليا الحب عشان تسرقيني أنا ومراتي؟!”.
طليقها رد عليه ببرود وحقارة وهو محبوس في الكلبشات: “أنت اللي غبي ومغفل! واحد يسيب مراته بنت الأصول اللي صايناه عشان واحدة رميتها لك، يستاهل اللي يجرى له! أنت اللي سلمتنا كل حاجة بإيدك يا مغفل عشان حتة طمع وقذارة فيك!”.
الصالة اتقلبت معركة وشتم وإهانات بين جوزي وصاحبتي وطليقها، والعساكر والشرطة اتدخلوا بالعافية وكتفوهم وهما بياكلوا في بعض بالأسنان والشتائم. جوزي بدأ يعيط بحرقة وندم مش طبيعي، وبص لي وهو راكع في الأرض بين أيدي العساكر ويصرخ: “سامحيني يا فلانة! سامحيني يا بنت الأصول! أنا اللي كنت أعمى وجاهل ورخيص! أنا اتخدعت واستغلتني الوسخة دي وأنا اللي بعت الجوهرة اللي كانت في إيدي عشان تراب!”.
أنا كنت واقفة بصلهم من فوق، بصلهم بنظرة احتقار وشماتة مش قادرة أداريها. المشهد كان يثبت إن العدالة ربنا بياخدها بأبشع الطرق. الشياطين اللي اتجمعوا في الظلمة عشان يدمّروا حياتي، ربنا خلّى قذارتهم وطمعهم ينقلب عليهم وياكلهم قدام عيني.
وكيل النيابة وجه التهم المباشرة للثلاثة: التشكيل العصابي، النصب والاحتتيال، التزوير في أوراق رسمية، التعدي على حرمة الحياة الخاصة، واختلاس أموال. وأصدر أمره العاجل: حبس المتهمين الثلاثة خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق مع التجديد التلقائي، وتحويل القضية برمتها إلى محكمة الجنايات!
جوزي اتسحب مع طليق صاحبتي وصاحبتي للكلبشات الصغرى للترحيل للسجن العمومي، وهما بيندبوا وحياتهم اتدمرت بالكامل قبل حتى ما يدخلوا المحاكمة.
خرجت من مبنى النيابة، وأنا حاسة إن النور بدأ يرجع لحياتي، والشر اللي خنقني شهور طويلة انكسر تحت جزمة القانون. لكن المحامي تبسم وقال لي: “فضلنا خطوة واحدة عشان نقفل المجلد ده للأبد ونرجع كل مليم وكل حبة تراب لاتسرقت منك، والخطوة دي هتكون في محكمة الجنايات وفي جلسة المزاد العلني على منقولات الشقة…”.

خرجنا من مبنى النيابة والهدوء بدا يرسي في قلبي لأول مرة من شهور. كان شعور المظلوم وهو بيشوف ظالمه بيقع في الحفرة اللي حفرها بنفسه، شعور ما يتوصفش. المحامي بلغنا إن موعد الجلسة الأولى في محكمة الجنايات تحدد بسرعة نظرًا لتوافر الأدلة واكتمل التحقيقات، وإن القاضي أمر بمنعهم جميعاً من التصرف في أي ممتلكات، وتحريز كل أموالهم.
في يوم الجلسة، القاعة كانت زحمة على آخرها. القضايا من النوع ده، اللي فيها خيانة وتآمر وتشكيل عصابي وتعدي على الحرمة الشخصية، بتجذب الانتباه. وقفت في الصفوف الأولى مع أبويا وأخويا، وورايا المحامي مجهز دفوعه والأوراق الرسمية.
قفص الاتهام كان فيه الثلاثة: جوزي، صاحبتي، وطليقها. المظهر كان يشهد على الانهيار؛ هدوم السجن البيضاء، الوجوه الشاحبة، والعيون المكسورة اللي مش قادرة ترفع نفسها وتيجي في عيني. جوزي كان واقف في الزاوية، منطوي على نفسه كأنه بيحاول يختفي من الوجود، وصاحبتي كانت تبكي بانهيار وتستجدف، وطليقها يبص للأرض بخزي.
بدأت الجلسة، ونادى القاضي على القضية. وقف المحامي بتاعي واستعرض التفاصيل من البداية:
“سيادة القاضي، نحن لسن أمام مجرد نزاع زوجي أو خيانة عابرة، نحن أمام جريمة مكتملة الأركان؛ استغلال للمأوى، وتآمر ثلاثي لسرقة حقوق موكلتي، وتعدٍ صارخ على حرمة بيتها وحياتها الخاصة، وتزوير عقود لنقل ممتلكات بالباطل. المتهمون لم يكتفوا بسلب المال، بل حاولوا هدم كرامتها وإخراجها من بيتها بلا شيء”.
المحامي قدم للمحكمة تقرير الأدلة الجنائية اللي بيأكد صحة الصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية، وتقرير البنك اللي بيثبت حركة الأموال المزورة.
محامي المتهمين حاول يتكلم ويدافع ويطلب الرأفة بحجة “الانسياق وراء الضغوط المالية والظروف النفسية”، لكن القاضي قطعه بنبرة حادة وصارمة هزت القاعة:
“عن أي ظروف تتحدث؟ هل الظروف تبرر استغلال كرم امرأة استضافت صديقتها في بيتها، لتتحول الصديقة إلى أفعى تنهش في عرضها وتستولي على مالها وهدومها وبفراشها؟ هل الظروف تبرر لزوج أن يبيع من صانته ويسلمها لعصابة محتالين؟”.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى