عام

حكايات اماني 3

القاضي طلب سماع شهادتي لأول مرة بشكل مباشر. وقفت أمام المنصة، بصوتي الكان ثابت وواضح، رغم الغصة اللي في حلقي، وقولت:
“سيادة القاضي، أنا فتحت بيتي لوحدة كنت فاكراها مظلومة، وصنت زوجي وأمنته على عمري وحياتي. هما ما سرقوش فلوسي وبس، هما حاولوا يدمروا وجودي ويسلبوني كرامتي داخل بيتي. أنا لا أطلب إلا العدل، وأني أسترد حقي وقدر كرامتي اللي حاولوا يدوسوا عليه”.
القاضي نظر لي بتفهم وهز رأسه، ثم أمر برفع الجلسة للمداولة.
ساعات المداولة كانت أطول ساعات مرت عليا في حياتي. الصمت في القاعة كان يقطع النفس. والكل ينتظر كلمة القضاء اللي هتنهي الكابوس ده.
بعد فترة، دخلت هيئة المحكمة، ووقف الجميع في خشوع. القاضي فتح الملف، وبدأ يقرأ الحيثيات بنبرة حازمة:
“بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع أوال الشاهدة والدفوع، وثبوت أركان التآمر والتزوير والتعدي على حرمة الحياة الخاصة واستغلال التوكيلات بالباطل…”
القاضي سكت لحظة، وبص للمتهمين في القفص، والهدوء خيم على القاعة كأن على رؤوسنا الطير، قبل ما ينطق بالمعزوفة اللي استنيتها كتير:
“حكمت المحكمة حضورياً:
أولاً: بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات للمتهم الأول (جوزي)، وعزله من كافة حقوقه المالية المتعلقة بالزوجية.
ثانياً: بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات للمتهمة الثانية (صاحبتي)، والتزامها بتعويض مالي عن الأضرار النفسية والمادية.
ثالثاً: بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات للمتهم الثالث (طليقها)، بتهمة التخطيط والتآمر والاشتراك في النصب والتزوير.
رابعاً: بطلان كافة عقود نقل الملكية والتصرفات المالية التي تمت بموجب التوكيل المزور، وإعادةافة المنقولات والأموال والحسابات فوراً للزوجة المجني عليها، مع إلزامهم بالرشوم والمصاريف الجنائية”.
أول ما القاضي نطق بالحكم، القاعة ضجت. صاحبتي وقعت على الأرض بتصرخ بصوت هيستيري، وطليقها انهار يسب ويزعق، وجوزي مسك في قضبان القفص وبص لي بعيون مليانة دموع وندم متأخر وهو بيصرخ: “سامحيني يا فلانة! أرجوكي سامحيني!”.
بصيت له بمنتهى الثبات، ودرت وشي ناحية أهلي ومحاميا. ما كانش فيه أي مجال للرحمة أو الندم؛ العدالة أخذت مجراها، والحق رجع لأصحابه.
خرجت من باب المحكمة وأنا حاسة برئة جديدة بتتنفس هواء نقي. الشياطين خلاص وراء الأسوار لسنوات طويلة، وأنا مستعدة أستلم بيتي وحياتي وأموالي من جديد، وأقفل الفصل المظلم ده للأبد.
خرجت من باب المحكمة والستارة اتسدلت تماماً على المحاكمة، والهدوء نزل على قلبي زي المطر بعد حريقة طويلة. أصوات الصراخ والندم اللي كانت طالعة من القفص تلاشت ورايا، وبقى صوت خطواتي جنب أبويا وأخويا هو الصوت الوحيد اللي حاسة بيه.
بعد أسابيع قليلة من صدور الحكم، بدأت مرحلة التنفيذ الفعلي. المحامي استصدر أحكام نهائية بتطليقي للضرر مع الاحتفاظ بكافة حقوقي المالية والمؤخر، وبطلان كل عقود البيع والتنازلات اللي تمت بالتوكيل المزور. الفلوس اللي كانت مسحوبة رجعت لحسابي بالكامل، والعربية اتسجلت باسمي تاني من النيابة، والشقة أصبحت ملكي الخاص بالكامل بعد ما تم استيفاء كل المنقولات والشرط الجزائي وتعويض الأضرار المادية والنفسية.
في اليوم اللي رحنا فيه الشقة عشان نفض التشميع ونستلمها رسمياً، وقف أبويا معايا على الباب. فتحت الباب بالمفتاح، ودخلت. الشقة كانت فاضية وساكتة، مفيهاش روح. كل ركن فيها كان بيذكرني بالمسرحية الحقيرة اللي اتعملت عليا، بالخدمة المزيفة، والتصاوير، والخيانة اللي اتخططت تحت سقفي.
أنا ما كنتش قادرة أعيش في مكان اتدنس بوجودهم. أول قرار أخدته إني بعت الشقة دي بالكامل وبكل أثاثها، وما أخدتش منها غير ذكرياتي القوية اللي خرجت بيها. بالمبلغ اللي رجع لي وبحقوقي، اشتريت شقة جديدة تماماً في مكان جديد هادي، بدأت أفرشها على ذوقي، حجر حجر، ومن غير أي طيف من الماضي.
صاحبتي وجوزي وطليقها دخلوا السجن عشان يقضوا العقوبة المغلظة. الأخبار اللي كانت بتجيلي عن طريق المحامي إن جوزي جوة السجن عايش في انهيار ونفسية متدمرة، بيحاول يبعت لي رسائل رجاء واستعطاف مع أي حد، بيترجاني أزوره أو أسامحه، لكن كنت برميهم في الزبالة من غير ما أفتحهم. صاحبتي اتطردت من أهلها وفقدت كل حاجة، وبقت تعيش حسرتها وخيبتها بين أربعة حيطان، وطليقها لبس القضية معاهم وشال ثمن طمعه وجشعه.
أما أنا، فالدنيا فتحت لي أبوابها من جديد. رجعت لشغلي وتركيزي، واسترديت صحتي وراحتي النفسية. أدركت إن الأزمة دي بالرغم من قسوتها ووجعها اللي كان كفيل يكسر أي ست، إلا إنها كشفت لي عدل ربنا، وعرفتني قد إيه أنا قوية ومستقلة، وقادرة آخد حقي بالقانون ومن غير ما أوسخ إيدي.
قعدت في بلكونة شقتي الجديدة، بشرب قهوتي في هدوء ورضا تام، وأنا باصة للسما ومطمئنة إن كل واحد في القصة دي أخد بالظبط المكان اللي يستاهله؛ هما ورا الحديد بيتحسروا على طمعهم وخيانتهم، وأنا هنا.. حرة، مرفوعة الرأس، وببدأ حياة جديدة نظيفة ومفهاش أي مكان للثقة الكذابة أو الشياطين.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى