عام

حكايات اسما 1

وأنا في المستشفى بعمل متابعة لحملي، جوزي دخل قسم  فجأة وهو شايل عشيقته بين إيديه، وبيصرخ بأعلى صوته: «يا دكتور، الحق مراتي! مراتي بتولد!» لكن اللي حصل بعد كده قلب حياته كلها رأسًا على عقب!

كنت حامل في الأسبوع السادس، ورايحة المستشفى علشان أطمن على حملي.

بعد تلات سنين من الانتظار والدعاء، ربنا أخيرًا استجاب ليا ورزقني بالحمل اللي كنت بحلم بيه طول عمري.

كنت قاعدة مستنية دوري عند الدكتورة، وحاطة إيدي على بطني، وببتسم لوحدي كل ما أفتكر إن جوايا روح صغيرة هتناديني في يوم من الأيام «ماما».

لكن فجأة، سمعت صوت جوزي جاي من آخر الطرقة، وهو بيصرخ بأعلى صوته:

— يا دكتور! الحقني! مراتي بتولد! حد يلحق مراتي بسرعة!

في الأول افتكرت إني سمعت غلط!

رفعت راسي وبصيت ناحية الصوت، لكن اللي شفته خلّى الدم ينشف في عروقي!

جوزي كان داخل يجري من باب الطوارئ، وشايل ست حامل بين إيديه!

بطنها كانت كبيرة جدًا، وواضح إنها في آخر شهور الحمل.

أما هو، فكان وشه كله عرق، وعينيه مليانة خوف ولهفة وحنية عمري ما شوفتهم منه قبل كده!

والصدمة الأكبر إن الست اللي شايلها مكنتش غريبة عني!

دي كانت سكرتيرته!

نفس البنت اللي كنت بسأله عنها كل ما ألاقيها بتتصل بيه في أوقات متأخرة، وكان يرد عليا بمنتهى البرود:

— دي مجرد موظفة عندي يا حبيبتي، بلاش أوهام وغيرة ملهاش لازمة!

دلوقتي نفس الموظفة دي كانت حامل، وجوزي شايلها قدام الناس كلها، وبيصرخ إنها مراته!

حطها على سرير الطوارئ بسرعة، ومسك إيدها وهو بيقول بصوت مليان خوف:

— استحملي يا حبيبتي، أنا معاكي! متخافيش، مش هسيبك لحظة!

قربت منهم ممرضة وطلبت منه يروح يخلص إجراءات الدخول.

لكنه صرخ فيها بعصبية:

— أنقذوا مراتي الأول! الفلوس مش مهمة! ادفعوا اللي إنتوا عايزينه، بس مراتي والبيبي يطلعوا بالسلامة!

مراتي!

الكلمة دي بالذات كانت كأنها سكينة دخلت في قلبي!

أنا مراته اللي عاشت معاه سنين، واستحملت معاه كل الظروف، وفضلت تدعي ربنا يرزقنا بطفل!

أنا اللي من أسبوع واحد بس كلمته علشان أبشره إني حامل، فكان رده بارد لدرجة وجعتني:

— مش فاضي دلوقتي، عندي شغل مهم، نبقى نتكلم بعدين!

وقفل السكة في وشي!

وقتها افتكرت إنه مضغوط في الشغل.

لكن دلوقتي فهمت كل حاجة!

كان مشغول بمراته التانية، وبالطفل اللي مستنيه منها!

كل الفرحة واللهفة والاهتمام اللي كنت مستنياهم منه، كان بيديهم لواحدة تانية!

وقفت مكاني مش قادرة أتحرك.

كنت عايزة أصرخ وأسأله إزاي قدر يخدعني بالشكل ده!

لكن الغريب إني ما عملتش أي حاجة.

ولا حتى ناديت عليه!

بصيتله آخر مرة، وهو واقف جنب سريرها وماسك إيدها، وبعدين لفيت ومشيت بهدوء.

رجعت البيت، وطلعت شنطة السفر من الدولاب.

بدأت ألم هدومي، وأوراقي المهمة، وجواز سفري، وكشوف حسابات التوفير، وكل المستندات اللي تخصني.

ما عيطتش.

يمكن لأن الصدمة كانت أكبر من الدموع!

وفي نفس الليلة، مسكت موبايلي واتصلت بالشخص الوحيد اللي أبويا الله يرحمه كان بيثق فيه أكتر من أي حد في العيلة.

محامي العيلة.

أول ما رد، قلتله بصوت هادي:

— أستاذي، جه الوقت اللي أبويا كان محذرني منه.

سكت لحظة، وبعدين سألني بجدية:

— حضرتك متأكدة من قرارك؟

أخدت نفس طويل وقلتله:

— أيوه… نفّذ الخطة البديلة اللي أبويا سايبها ليا.

رد من غير تردد:

— اعتبري الإجراءات بدأت من اللحظة دي.

قفلت المكالمة، وبصيت لصورة أبويا المعلقة على الحيطة.

وقتها بس دموعي نزلت.

همست وأنا ببصله:

— كان عندك حق يا بابا… بس الحمد لله إنك ما سبتنيش من غير حماية!

اختفيت تلات أيام كاملة.

قفلت موبايلي، وما قلتش لحد أنا فين.

ولما فتحته أخيرًا، لقيت عشرات المكالمات الفائتة من جوزي!

لكن آخر رسالة منه خلت إيدي تترعش من شدة الغضب!

كان كاتب:

«إنتِ فين؟! أنا بقالي تلات أيام في المستشفى مع مراتي… أقصد مع السكرتيرة، وتعبت من قلة النوم والمشاوير! بطلي الدراما بتاعتك دي وارجعي البيت. أنا جاي بكرة وعايز ألاقي الغدا جاهز، ومش ناقص وجع دماغ!»

فضلت أبص للرسالة وأنا مش مصدقة كمية البرود اللي فيها!

الراجل اللي خانني، وخبّى عني جوازه وحمل مراته التانية، لسه فاكر إن من حقه يأمرني أرجع أطبخله!

لكن المرة دي ما رديتش عليه.

حطيت الموبايل جنبي، وابتسمت لأول مرة من تلات أيام.

لأن جوزي ما كانش يعرف إن كل حاجة اتغيرت!

وتاني يوم الصبح، سمعت خبط عنيف على الباب.

فتحت، ولقيته واقف قدامي، وشه مكشر وعينيه مليانة غضب.

دخل من غير ما يستأذن، وقال بعصبية:

— إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه بالظبط؟! وإزاي تختفي تلات أيام من غير ما تقوليلي؟!

بصيتله بهدوء، وابتسمت.

وبعدين وسعتله الطريق وقلت:

— اتفضل… ادخل، أنا كنت مستنياك!

وقف لحظة مستغرب من هدوئي.

كان متوقع إني أعيط، أو أصرخ، أو أواجهه بخيانته!

لكنه ما كانش يعرف إني خلاص بطلت أستنى منه أي تفسير!

وإن المحامي كان نفّذ أول خطوة من الخطة اللي أبويا سايبها ليا!

لكن المفاجأة الحقيقية بدأت في اللحظة اللي جوزي دخل فيها البيت، وشاف مين قاعد مستنيه في الصالون…!

قعدت في الكرسي اللي قصاد الباب، وحطيت رجل على رجل، وبصيتله بهدوء تام.

جوزي (حسام) دخل بخطوات واسعة وعصبية، وكان لسه هيزعق ويشخط فيا كالعادة، بس فجأة لسانه وقف في بوقه، وعينيه جحظت لبرة وكأنها هتنط من مكانها!

على الكرسي الكبير في الصالون، كان قاعد أستاذ «رفعت»، محامي العيلة العجوز، وجنبه ظابط شرطة بصيغة رسمية جدًا، ومعاه شخصين تانيين من مباحث الأموال العامة وموثق من الشهر العقاري!

حسام بلع ريقه بصعوبة، وابتسامة توتر وغضب ظهرت على وشه وهو بيبصلي وبيلف راسه للمحامي:

— أهلاً يا أستاذ رفعت… خير؟ فيه إيه؟ إيه اللمة دي كلها في بيتي؟

أستاذ رفعت عدل نظارته ببرود تام، وفتح شنطة جلدية سميكة، وطلع منها أوراق كتيرة، وبص لحسام وقال بصوت هادئ وحاد:

— بيتك؟! تصحيح لوساعتك يا مهندس حسام… البيت ده، وكل شبر في العمارة دي، وكل الشركات اللي اسمك محطوط عليها لافتة “رئيس مجلس الإدارة”، لا تملك منهم غير اسمك اللي محطوط على الورق بالاستعارة!

حسام ضحك بسخرية عصبية، وبصلي وهو بيقول:

— إنتي خلتيهم يهرفوا بإيه؟! مجانين أنتوا ولا إيه؟! الشركات دي بتاعي، وأنا اللي شقيان فيها! أنا اللي تعبت لحد ما بقيت رجل أعمال معروف!

قمت من مكاني ببطء، ومشيت ناحية الشباك، وبصيت للشارع وأنا بقول بصوت هادئ:

— فعلاً يا حسام… كنت نكرة، حافي، وممعكش غير شهادة هندسة بتقدير مقبول، وكنت واقف على باب شركة أبويا بتشحت الشغل! بابا الله يرحمه هو اللي طلعك من الصفيح اللي كنت عايش فيه، وهو اللي حط الفلوس كلها، وهو اللي عملك اسم وكتب الشركات باسمك “شكليًا” بس، عشان تتهرب من الضرائب وتكبر وسط السوق، بس بشرط واحد كنت حافظه زي اسمك: إن الشركات دي أصلًا مملوكة بالكامل ليا، وإن كل سهم فيها متسجل بعقود تنازل مؤمنة في درج أستاذ رفعت، وبإمضائك إنت شخصيًا على بياض وبشيكات ضمان قيمتها عشرات الملايين!

حسام اتجنن! وشه تحول للون الأحمر القاني، وصرخ بصوت عالي خلى  تترج:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى