
رجعت بيت العيلة وأنا قلبي بيدق بعنف، حاسس إني رايح على ساحة مش على بيت. فتحت الباب ودخلت، لقيت أمي قاعدة في الصالة، وأول ما سمعت صوت الباب قامت وقفت كأنها كانت مستنياني على جمر. بصت لي بحدة وقالت بصوت مكلوب:
ـ ها؟ رجعت لوحدك ولا نسيت نفسك هناك عند الولية أمها؟
وقفت قدامها وثبت نفسي كويس، وخدت نفس عميق وقلت بصوت هادئ بس صارم:
ـ لأ يا أمي، مرجعتش لوحدي.. وأنا رايح بكره أجيب مريم وابنها عشان يرجعوا بيتهم.
أمي اتصدمت، وعنيها وسعت من الغضب، وقالت بصوت عالي وهي بتلطم على صدرها:
ـ نعم؟! بجد يا أحمد؟ بتعصى كلامي ورايح تجيبها بعد ما حلفتك وعملت اللي في دماغي؟ يعني بعت أمك عشان حتة عيلة لسه خارجة من البيضة؟
قربت منها وقلت بنبرة كلها رجا بس فيها حسم:
ـ مباعكيش يا أمي، دي أم ابني ومراتي، وزي ما إنتي ليكي غلاوة، هي كمان ليها حق عليّا وعلى بيتي. وبعدين إحنا اتفقنا نعمل السبوع في بيت أهلها زي ما طلبتي، عشان محدش يتكلم ولا يدخل بيتنا.
أمي صرخت وقالت بجنون:
ـ سبوع في بيت أهلها؟! لا والله! يعني كمان مش هتعمله هنا عشان تنكس دراعي قدام الناس؟ اسمع يا أحمد.. لو خطيت الباب ده وراحت جبتها، اعتبر إنك لا ليك أم ولا أعرفك لحد يوم القيامة! الشقة دي تتفتح ليا أنا وبس، ومريم دي مش عاوز أشوف وشها هنا تاني!
سيبت أمي بتزعق وتخبط بايديها على الترابيزة، ومردتش بكلمة زيادة عشان ما أقولش كلمة تندم عليها. دخلت أوضتي وقفلت الباب على نفسي، ولقيت الليل بيعدي عليا طويل وثقيل كأنه سنة.
تاني يوم الصبح، نزلت من غير ما أسمع كلام أمي ولا اعتراضاتها. ركبت عربيتي وروحت بيت أهل حماتي. أول ما دخلت، لقيت مريم مجهزة نفسها وشنطة البيبي واقفة جنبها، وحماتي كانت بتظبط لها الطرحة وبتقول لها كلام يهديها.
أول ما شافوني، مريم بصت لي بقلق وقالت بصوت خافت:
ـ قدرت تحل مع أمك يا أحمد؟ ولا هتعملنا مشاكل جديدة؟
ابتسمت لها بابتسامة متعبة وقلت:
ـ خلصنا يا مريم، وجهزي نفسك، البيت فوق مستنيكي، ومحدش هيقدر يكلمك بنص كلمة، وكلمتك هي اللي هتمشي.
حماتي بصتلي برضا وقالت:
ـ ربنا يسعدكم يا بني، ويرد مكر كل واحد عايز يخرب بيتكم في نحره. يلا يا بنتي، روحوا بيوتكم وابدوا صفحة جديدة، وإحنا مستنيكم بكرة عشان السبوع بإذن الله.
شلت الشنط، ومريم نزلت وهي ماسكة ابنها بحذر، وركبنا العربية. طول الطريق كان السكوت هو سيد الموقف، بس كان سكوت مريح، كأننا بنلم شتاتنا من جديد.
دخلنا عمارة بيت العيلة، وقلبي اتقبض أول ما قربنا من الدور الأول. لقيت باب شقة أمي مفتوح شوية، وهي واقفة في البلكونة باصة في الشارع. أول ما حسّت بينا، طلعت على السلم وقفت في وشنا بالظبط، وبصت لمريم نظرة نارية وقالت:
ـ راجعة تاني لعينك القوية؟ مش قلت لك ما تدخليش من الباب ده تاني؟
مريم اتخضت ورجعت خطوة لورا، بس أنا وقفت قدام مريم ومنعت أمي من إنها تقرب، وقلت بصوت عالي وثابت لأول مرة في حياتي:
ـ يا أمي.. لو سمحتي، مراتي راجعة بيتها، واتفقنا إن شقتنا هتكون لوحدنا، ومحدش هيتدخل في حياتنا لا من قريب ولا من بعيد. أرجوكِ سيبينا في حالنا عشان العيشة تكمل بالمعروف.
أمي فتحت بقها من الصدمة، ومكنتش مصدقة إن ابنها اللي كان بياخد جنبها دايماً بيقف قدامها عشان مراته. بصتلي بغضب شديد وقالت:
ـ بقى كده يا أحمد؟ بتطرد أمك من كلامها عشان مرتك؟ طيب والله لتندموا إنتوا الاتنين!
سابينا ودخلت شقتها وخبطت الباب بصوت هز السلم كله. مريم بصتلي بدموع في عينيها وقالت بصوت مبحوح:
ـ خايفة يا أحمد، شكلك خسرت أمك بسببي..
مسكت إيدها بحب وقلت:
ـ ما خسرتش حد يا مريم.. أنا بس بصلح الغلط اللي عملته من الأول، وتعالي نطلع بيتنا ونقفل علينا بابنا، وما تشيليش هم حاجة تاني.
دخلنا شقتنا، وقفلت الباب ورايا وحسيت إن الهوا رجع لصدري أخيراً. نيمت مريم على السرير، وشلت ابني وبسته على جبينه، وحسيت إن المعركة لسه مخلصتش، بس على الأقل.. بقينا مع بعض وتحت سقف واحد بيجمعنا لوحدنا.
تاني يوم الصبح، الدنيا كانت هادية بره شقتنا كأن الهدوء ده بيسبق العاصفة. مريم كانت قعدت في السرير وبتظبط هدوم البيبي، وملامحها كان باين عليها القلق، خصوصاً مع قرب معاد السبوع اللي أهلها هيعملوه. قربت منها وحاولت أهديها:
ـ مالك يا مريم؟ حاسك قلقانة ليه؟
بصتلي وقالت بصوت خفيف:
ـ خايفة يا أحمد.. خايفة أمك تعمل مشكلة تانية، أو تطرد أهلي لو جم هنا عشان ياخدونا للسبوع، ولا تضايق ماما وبابا يوم السبوع نفسه.
مسكت إيدها وبستها وقلت بثقة:
ـ متشليش هم خالص، أنا اتفقت مع خالك في التليفون، والعربية هتيجي تاخدكم من تحت باب العمارة على هناك على طول، ومش هتحتاجوا تطلعوا أو تحتكوا بحد تحت. وأنا هبقى معاكم خطوة بخطوة.
وفعلاً، بعد الظهر، العربية وصلت. نزلت أنا ومريم ومعانا البيبي بحذر، ولقينا أمي واقفة في شرفتها بتبص لنا باحتقار ومن غير ما تنطق بكلمة واحدة. مركبنا العربية ومريم كانت حاسة بغصة في قلبها، بس بمجرد ما وصلناها بيت أهلها، ودخلت ولقيت أمها وأخواتها مستنيينها بالزغاريد والأكل الدافي، وشها منور والوجع نسيته وسط حضن أهلها اللي لمّوها وداروا كسر خاطرها.
تاني يوم، اليوم الموعود للسبوع، البيت كان مليان ضحك وقرايب وحس دافئ وجميل، والكل كان بيبارك لمريم وبيطبطب عليها. وأنا كنت واقف وسطهم حاسس إن روحي رجعت لي، خصوصاً لما شوفت ابني لابس لبس السبوع وشكله زي القمر.
لكن وسط الفرحة واللمة، وفي عز ما كنا بنوزع الحلاوة، تليفوني رن بصوت عالي. طلعت التليفون وبصيت على الشاشة، لقيت رقم أمي!
قلبي قفز في صدري، وبصيت لحماتي ومريم اللي لاحظو توتري. بعدت خطوتين على جنب ورديت بصوت مشدود:
ـ ألو.. أيوة يا أمي؟
جاني صوت أمي عالي ومليان غضب وتحدي مقطع الدنيا:
ـ إنت قاعد هايص وسايب بيتك مكسور والناس بتجيب سيرتنا في الشارع؟ الحق تعالي حالا على البيت.. البيت هنا فيه بلاء كبير ومش هتعرف تحله لوحدك!
عصبيتي زادت وقلت بقلق:
ـ في إيه يا أمي؟ بيت مين اللي مكسور وبلاء إيه؟ اتكلمي وضحي!
ردت أمي بحدة أكبر:
ـ تعالي بقولك حالا.. من غير كتر كلام، لو ما جيتش خلال نص ساعة، متلومش غير نفسك على اللي هيحصل!
وقفلت السكة في وشي فجأة.
وقفت مكاني وبصي إيدي بتترعش، مريم قربت مني وقالت بقلق:
ـ في إيه يا أحمد؟ أمك قالت إيه؟ وشك أصفر كده ليه؟
بلعت ريقي وبصيت لها ولمرتي وأهلها، وحسيت إن العاصفة الحقيقية لسه هتبدأ.
بصت لمريم اللي عينيها كانت مليانة خوف ورعب، وأهلها اللي وقفوا حوالينا مستنيين يعرفوا في إيه. حسيت إن قلبي هيوقف من الخضة، بس مكنش قدامي غير حل واحد: إني أنزل أشوف إيه اللي حصل تحت في البيت، خصوصاً إن صوت أمي كان فيه شرارة حقيقية.
قلت لمريم بصوت مهتز وأنا بحاول أطمنها:
ـ ما تقلقيش يا مريم.. خليكي هنا مع ابنك، وأنا هروح أشوف أمي مالها وراجع لكم فوراً، ثواني وراجع.




