عام

مراتي لسه والدة حكايات رومانى مكرم 3

طلعت أجري ونزلت الدرج تلاتة تلاتة لحد ما وصلت الدور الأول، لقيت باب شقة أمي مفتوح على الآخر، وصوت أصوات غريبة وجعجعة جوه الشقة. دخلت وأنا منخض وبنادي بصوت عالي:

ـ أمي! إيه اللي بيحصل؟ مالك؟

لقيت أمي واقفة في الصالة وشها أصفر وبتترعش، وجنبها جارتنا الحاجة سعاد قاعدة بتشرب مية وبتعيط، وشقة أمي مقلوبة فوق تحت وكل حاجة مبعثرة على الأرض!

جريت على أمي ومسكت إيدها وقلت بخضة:

ـ يا ساتر يارب! إيه اللي حصل هنا؟ في إيه؟ مين عمل في البيت كده؟

أمي انهارت وعيطت بصوت عالي وهي بتقول:

ـ حرامية يا أحمد! دخلوا الشقة وأنا في البلكونة، وسرقوا الدهب كله اللي كنت مخبياه، وفلوس الجمعية، وجهزوا الشنط عشان ياخدوا التلفزيون والأجهزة، ولولا الحاجة سعاد طلعت صرخت وجابت الناس، كانوا دبحوني!

وقفت صاشم ومصدوم من اللي سامعه. بصيت حوالي لقيت الدولاب مفتوح ومكسور، والهدوء اللي كنت فاكره عاصفة بيني وبين أمي طلع كارثة حقيقية وحادثة سرقة تمت في عز الضهر.

الحاجة سعاد مسحت دموعها وقالت وهي بتهز راسها:

ـ الحمد لله إننا لحقناها يا ابني، بس الحرامي شكله كان مراقب البيت وعارف إنك نزلت ومشيت وسيبت الست لوحدها، وشكله هرب من باب الخلفي أول ما سمع صوتنا.

طلعت تليفوني وأنا بوعى بصعوبة، وبلغت الشرطة فوراً، وبعد دقايق كانت الحكومة تحت البيت، والمباحث بتعاين المكان وتلم البصمات.

وسط الزحمة والخضة، لقيت نفسي بفكر في حاجة واحدة.. أمي اللي كانت من شوية بتزعق وتمنعني أروح لمراتي، قاعدة دلوقتي مكسورة ومرعوبة، ولوحدها تماماً في الشقة المنهوبة دي. حسيت إن كل الغضب اللي جوايا ناحيتها طار، ومبقاش باقي غير شعور بالذنب إني سيبتها ونزلت.

بعد ما البوليس مشي وخلص معاينة، دخلت لأمي اللي كانت قاعدة على الكنبة بتترعش وحاضنة نفسها من الخوف. قعدت على ركبتي قدامها، ومديت إيدي مسحت دموعها وقلت بصوت حنون:

ـ معلش يا أمي.. ألف حمد الله على سلامتك، الدهب والفلوس يروحوا فدية لسلامتك، والمهم إنك إنتي سليمة ومحصلكيش حاجة.

أمي بصت لي بدموع أول مرة أشوفها في عيونها، وحضنتني جامد وقالت بصوت مكسور وهي بتعيط:

ـ سامحني يا أحمد.. سامحني يا بني، أنا كنت غبية وعاندت معاكم، ولولا ستر ربنا كنت ضعت لوحدي.. مريم ومراتي وولدي فين؟ هاتهم لي هنا، أنا تبت، البيت من غير حسكم ولا تسوى قرش.

قلت لها بابتسامة دافية ودموع في عيني:

ـ مراتي وابني هيرجعوا بكرة يا أمي، وهنرجع عيلة واحدة، وربنا يجعلها تقلة وتكفير ذنوب.

تاني يوم، رجعت مريم وابنها من بيت أهلها، ومعاهم أهلها اللي جم يطمنوا على أمي بعد اللي حصل. أول ما أمي شافت مريم، قامت من على الكنبة بتعب، وفتحت حضنها وقالت بصوت مليان ندم:

ـ تعالي يا بنتي في حضني.. سامحيني، أنا كنت شيطانة وعايزة أخرب بيتك، بس ربنا راني درّس عمر ما انساه.

مريم بدموع محبتها، قربت منها وحضنتها وقالت بصوت حنون:

ـ ولا يهمك يا طنط.. عيب، إنتي زي أمي، ومفيش زعل بين الإم وابنها ومراته.

البيت رجع يجمعنا من تاني، بس المرة دي على حب وتفاهم حقيقي. شقتنا فوق كانت مقفولة علينا براحتنا، وتحت كانت أمي بتطلع تطمن على ابننا كل ساعة. عرفت إن الحياة مش بتستاهل العناد، وإن الرضا والهدوء هما أمان أي بيت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى