
في الصباح التالي، كان التوتر يسود المنزل كهدوء ما قبل العاصفة. أغلقت باب الغرفة عليّ وعلى “كريم” وأبي، ووضعت خطة التحرك على الطاولة. الخطوة الأولى كانت تقضي بالحفاظ على الشكوك والتظاهر بالضعف للانقضاض في الوقت المناسب.
اتصل كريم بـ “شهد” عبر الهاتف، وحرص على أن تكون نبرة صوته مكسورة ومترددة كما تمنّت هي تمامًا. قال لها وهو يبتلع غضبه:
— شهد.. أنا مش هقدر أطلقك دلوقتي، العيلة كلها في حالة صدمة وبابا تعبان جدًا. لو الموضوع خرج بره وشاع الطلاق في نفس يوم الفرح، الناس هتاكل وشنا. خفيكي شوية عند أهلك كم يوم لحد ما نشوف هنحل المصيبة دي إزاي بعيد عن الإعلام والسوق.
على الطرف الآخر، حاولت شهد إظهار التأسف والندم، لكن نبرة الارتياح كانت واضحة في نبرات صوتها وهي تجيب:
— اللي تشوفه يا كريم.. أنا أسفة، والله العظيم مظلومة، وهعمل اللي تقول عليه وهقعد هادية خالص لحد ما تهدا النفوس.
بمجرد أن أغلقت الخط، ابتسمت ببرود وقلت لـ كريم:
— هي فاكرة إننا بنحاول نلم الموضوع عشان السمعة والخوف من كلام الناس، وده هيخليها تطمن وتتحرك ببطء وتفتكر إن العقود اللي مع أحمد في أمان.
في نفس الوقت، كان “أحمد” يحاول الاتصال بي عشرات المرات. تركت هاتفه يرن حتى المنتصف، ثم أجبته بصوت متهدج يظهر الانكسار والتردد:
— أحمد.. متتصلش بيّ تاني دلوقتي. أنا قلبي مكسور، بس بابا رفض يدخل الشرطة عشان سمسرة السوق وشغل المعرض. اقفل الموضوع ده وماتظهرش في المعرض يومين لحد ما نعرف هنقول إيه للتجار والشركاء.
رد أحمد بسرعة ولهفة مزيفة:
— يا ندى أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني.. الشغل والمصنع والمعرض يغوروا، المهم أنتِ وبابا، أنا مش هقرب من الشغل الأيام دي خالص لحد ما تؤمريني.
وقع أحمد وشهد في الفخ؛ ظنا أن الصدمة العاطفية والخوف على سمعة العيلة جعلا الجميع في حالة شلل وتستر، مما منحهما شعورًا الزائف بالأمان لعدم استعجال تقديم العقود المزورة للشهر العقاري والبنوك قبل موعدها المحدد في خطتهما.
لكن خلف الكواليس، كان محامي العيلة “الأستاذ فاروق” يعمل برتم متسارع. استطاع من خلال علاقاته بالرقابة المالية وهيئة الاستثمار الحصول على كشوفات الحسابات البنكية الخاصة بالشركة الوهمية التي أسسها أحمد وشهد في إحدى الدول الأوفشور. والمفاجأة الكبرى كانت في التواريخ!
التحويلات المالية من حسابات شركة أبي إلى حساب تلك الشركة البديلة لم تبدأ قبل أسبوعين فقط كما ظننا، بل كانت تجري بشكل مبالغ صغيرة ومتكررة منذ أكثر من ثمانية أشهر! شهد كانت تقوم بتسريب الأرقام السرية وكشوفات الحسابات الخاصة بكريم وأبي، بينما كان أحمد يستغل التفويضات الجمركية لتزوير الفواتير وتضخيم أسعار قطع الغيار المستوردة، ثم تحويل الفروق المالية لحسابهما الخاص.
قال الأستاذ فاروق وهو يعرض التقارير المالية والتحليلات الجنائية للحسابات:
— الجريمة مش مجرد خيانة ولا استيلاء على معرض.. دي عملية غسيل أموال واختلاس منظمة ومكتملة الأركان. العقود اللي توقيع أبويكي عليها تم استغلالها بناءً على توكيل ملغى صادر باسم شركة قديمة صفّيتوها من سنتين، وده معناه إن العقود دي باطلة قانونًا وبتُعد تزويرًا واستعمال أوراق مزورة!
سألت المحامي بثبات:
— والمكالمات وتكليفات تسليم البضائع؟
أجاب المحامي بابتسامة وثوق:
— جهزنا كل حاجة. بكره الصبح أحمد عنده ميعاد في الفندق مع أحد الموردين الأجانب عشان يسلمهم توكيل الشحن الجديد اللي سرقه من المعرض، وهو فاكر إن محدش متابعه.
في اليوم التالي، طُلب من كريم أن يتظاهر بطلب اجتماع عاجل وسري في مكتب المعرض الرئيسي بحجة تسوية الأمور المالية مع أحمد وشهد بوجود المحامي وبشكل ودي “بعيدًا عن المحاكم”.
جاء أحمد وشهد إلى المعرض بثقة تامة. كانت شهد ترتدي ملابس سوداء وتتظاهر بالحياء والانكسار، بينما أحمد يتصرف بجمود وكأنه المظلوم الذي يضحي بكرامته من أجل العائلة.
جلس الجميع حول طاولة الاجتماعات الكبرى في المكتب. بدأ أحمد الحديث بنبرة هادئة ومثلت الخبث:
— يا عمي.. أنا عارف إن خطئي كبير، وأنا مستعد أتنازل عن كل مستحقاتي في الشركة وأسيب البلد كلها وأمشي، بس عشان خاطر ندى وعشان خاطر سمسرة العيلة، بلاش قضايا ولا فضايح.
وهنا رفعت رأسي، وبصيت لهما بنظرة جعلت شهد تتراجع للخلف خطوة. قمت من مقعدي، وأخرجت ملفًا أسود ضخمًا ووضعته بقوة في منتصف الطاولة.
قلت بنبرة حادة وواضحة:
— تنازل عن إيه يا أحمد؟ عن الشركة الوهمية اللي أنتم مأسسينها في الخارج؟ ولا عن الـ 12 مليون جنيه اللي حولتوها من حساب بابا لحسابكم على مدار الـ 8 أشهر اللي فاتوا؟
اصفرّ وجه أحمد فورًا، وتجمدت شهد في مكانها وكأن صاعقة ضربتها.
تابعت بصرامة:
— ولا عن عقود التنازل المزورة اللي خليت بابا يوقعها تحت اسم “إجراءات جمركية” بتوكيل يلغى قانونًا من سنتين؟ أنت وهي فاكرين إن لعبة الفندق ولعبة “الغلطة والشهوة” كانت هتعدي علينا وننشغل بالفضيحة وننسى أصل الحكاية؟
صُدمت شهد وحاولت الوقوف وهي تتلعثم:
— أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه يا ندى؟! أوراق إيه وحسابات إيه؟ الكلام ده ملوش أساس من الصحة!
في تلك اللحظة، فتح باب المكتب، ودخل الأستاذ فاروق ومعه ضابط شرطة واثنين من رجال المباحث.
قال الضابط وهو يبرز أمر النيابة العامة للقبض عليهما:
— أحمد “…” وشهد “…”، صادر ضدكم أمر جلب وقبض من النيابة العامة بتهم التزوير في أوراق رسمية، والاستيلاء على أموال الشركة، وغسيل الأموال، بناءً على البلاغ المقدم والتسجيلات والمستندات الموثقة.
انهارت شهد وسقطت على الأرض وهي تصرخ وتتوسل لكريم:
— كريم! الحقني يا كريم! والله أحمد هو اللي أغواني وهو اللي خطط لكل حاجة! أنا ماليش دعوة، هو اللي هدّدني بحاجات قديمة!
لكن كريم نظر إليها ببرود تام، ودون أن يرمش له جفن، قال لها كلمة واحدة:
— السرقة والخيانة كانوا اختيارك من أول يوم دخلتي فيه البيت ده.. والقانون هو اللي هيرد عليكي.
قاد رجال الشرطة أحمد وشهد إلى الخارج وسط ذهول الموظفين والعمال في المعرض، وساد الصمت المكان. لكن بينما كان أحمد يُساق إلى سيارة الشرطة، التفت إليّ بنظرة ملؤها الغل والوعيد وقال بصوت خفيض:
— فاكرة إنك خلصتي يا ندى؟ الأوراق اللي خرجت بره مصر مش في إيدي ولا في إيد شهد.. الملفات مع ناس تانية خالص هتدمر المعرض والعيلة كلها من بره!
ساد الذهول مكتب المعرض بعد أن أخذت الشرطة أحمد وشهد، لكن نبرة التهديد الأخير التي أطلقها أحمد قبل دخوله سيارة البلاغات كانت كافية لتبديد أي شعور مؤقت بالراحة. الجملة لم تكن مجرد مناورة لمكابرٍ سقط في الفخ، بل كانت إشارة واضحة إلى وجود شريك ثالث يحرك الخيوط من الظل، شريكٍ يحمل بين يديه النسخ الأصلية من الأوراق والملفات الصادرة للخارج.
عدنا إلى المنزل، ورغم أننا استرددنا زمام المبادرة قانونياً، إلا أن الغموض كان يلتف حول العائلة كالحبل المشدود. جلس الأستاذ فاروق معنا، وأعاد فحص الحسابات والتحويلات الدولية التي تمت خلال الأيام الأخيرة، ليتبيّن أن هناك جهة شحن واستيراد منافسة في السوق—شركة “الألفي” المملوكة لرجل أعمال يُدعى “رؤوف الألفي”—كانت تدعم حركة حساب أحمد وشهد بالخارج وتستقبل التوكيلات المحولة.
كان رؤوف الألفي يسعى منذ سنوات لاحتكار خطوط الاستيراد الخاصة بعائلتنا، ووجد في طمع شهد وغدر أحمد الفرصة الذهبية للإطاحة بنا وتصفية أعمالنا في السوق نهائياً.



