
قال الأستاذ فاروق بنبرة جادة:
— أحمد وشهد كانوا مجرد أدوات تنفيذية داخل البيت والمعرض، والمدبر الحقيقي اللي معاه التنازلات الدولية وحسابات الأوفشور هو رؤوف الألفي. لو الأوراق دي اتفعلت في المصانع الموردة في أوروبا والصين خلال 48 ساعة، شحنات البضائع الجديدة كلها هتروح لحسابه، والمعرض هنا هيتصفى بسبب التزامات مالية مش هنقدر نغطيها.
قام كريم من مقعده وعيناه تتشتعان غضباً:
— يعني بعد كل اللي عملناه، السلسلة لسه مقطوعة؟ الشغل اللي بابا بناه في ثلاثين سنة يضيع في لحظة عشان مجرم في السوق؟
رددت عليه بثبات وصرامة:
— مش هيضيع.. طالما عرفنا رأس الأفعى، يبقى اللعب هيبقى معاه هو بوش مكشوف. أحمد وشهد المحبوسين دلوقتي على ذمة التزوير واختلاس الأموال هيتحولوا لكروت ضغط في إيدنا.
في صباح اليوم التالي، توجهت برفقة الأستاذ فاروق إلى النيابة العامة لمتابعة التحقيقات. كانت شهد في حالة انهيار تام داخل التخشيبة، تبكي وتتوسل لوالدتي ولأي شخص تراه، وتبدي استعدادها للإدلاء بأي اعتراف ينجيها من السجن. أما أحمد فكان يحاول التزام الصمت بناءً على تعليمات محامي الألفي الذي وُكّل دفاعاً عنه فجأة.
دخلت لمقابلة شهد في مكتب التحقيق بحضور المحامي، وبصيت لها ببرود وقلت:
— قدامك خيارين يا شهد.. إما تلبسي القضية لوحدك أنتِ وأحمد، وتتحكم عليكي بتهم تزوير وغسيل أموال عقوبتها بتوصل للسجن المشدد، أو تقولي الحقيقة كاملة عن رؤوف الألفي والتكليفات اللي أخدتوها منه والمكان اللي متخزن فيه باقي الأوراق الأصلية واللاشيء اللي استلمتوه منه.
انهارت شهد واعترفت بالتفاصيل:
— رؤوف هو اللي زق أحمد عليكي يا ندى! وهو اللي كان بيمشينا خطوة بخطوة.. الأوراق الأصلية والتفويضات الجمركية المترجمة موجودة في خزانة خاصة بمكتبه في التجمع الخامس، وأحمد كان المفروض يسلمها المندوب بتاعه ليلة الفرح بعد ما تخلص الفضيحة، بس اللي حصل في الفندق بوّز الميعاد!
باستخدام اعترافات شهد التفصيلية ورسائل “الواتساب” والتسجيلات الصوتية المسترجعة من هاتفها، صدر قرار عاجل من النيابة العامة بالتفتيش والتحفظ على مكتب رؤوف الألفي واستدعائه فوراً للتحقيق بتهمة الإضرار بالأمن الاقتصادي والتزوير والتحريض على الاختلاس.
في اليوم نفسه، داهمت قوة من المباحث مقر شركة الألفي، وأثناء عملية التفتيش بحضور المحامي وكريم، تم ضبط الخزانة السرية وبداخلها كافة العقود والتفويضات الأصلية المزوّرة قبل أن تجد طريقها إلى البنوك والموردين بالخارج، إلى جانب وثائق كشفت تورطه في قضايا تهريب وتزوير أخرى.
أثناء خروج رؤوف الألفي مقيداً بالكلبشات من مبنى شركته تحت حراسة مشددة، كنت واقفة عند مدخل المبنى بجوار كريم وأبي. نظر إلينا بشرارة غل مكتومة، فاقتربت منه خطوات وقالت بصوت هادئ ونبرة ثقة:
— كنت فاكر إن العائلة هتنكسر وتنشغل عشان أنت تاخد الجمل بما حمل؟ البيوت اللي مبنية على شقا حلال ما بتهدهاش ألاعيب الرخاص!
تم تحفظ النيابة على كافة المستندات المزورة، وأُعيدت خطوط الاستيراد والتوكيلات الحصرية رسمياً باسم أبي، بينما أُسقطت كل القضايا والديون الوهمية التي حُبكت ضد المعرض.
عصراً، تجمعنا في منزلنا القديم بالحلمية. كان الهدوء قد بدأ يعود تدريجياً، وجلس أبي يمسك بيد كريم ويستعيد أنفاسه بعد أسبوع من الخوف والضغط العصبي.
لكن الحكاية لم تنتهِ تماماً عند هذا الحد؛ إذ كان هناك فصل أخير يخص المسار القانوني النهائي، وورقة طلاق شهد، والقصاص العدلي الذي سينزل على الجميع في جلسة النطق بالحكم…
جاء صباح جلسة النطق بالحكم حاسمًا وثقيلًا، وكأن السماء نفسها تشاركنا إزاحة هذا الكابوس عن كاهل عائلتنا.
وقفنا في قاعة المحكمة الكبرى؛ أبي بوقاره واستعادته لعافيته، وكريم بثباته وهدوئه بعد أن طوى صفحة الماضي كليًا، وأنا بجانبهما نتابع المشهد الأخير للدراما التي بدأت ليلة فرحي.
في قفص الاتهام، كان المنظر يتحدث عن نفسه. شهد بأسمالها الباهتة ووجهها الذابل الذي أكلته الشكوك والندم، بجانب أحمد ورؤوف الألفي اللذين تبادلا النظرات الحاقدة والاتهامات الهمسية بعد أن انكشف كل شيء وتخلى عنهما الجميع.
ساد الصمت القاعة مع دخول الهيئة، واعتلى القاضي المنصة ليقرأ الحيثيات بكلمات هزت أركان المكان. أكدت المحكمة أن الجريمة لم تكن مجرد نزوة أو خلاف عائلي، بل كانت معركة دنيئة استهدفت سلب مقدرات عائلة شريفة وتدمير بيتها من الداخل باستخدام التزوير والخيانة وغسيل الأموال.
ودوت الأحكام كالصواعق:
— السجن المشدد لمدة عشر سنوات لأحمد ورؤوف الألفي مع إلزامهما بردم كافة المبالغ المختلسة والغرامات المالية المضاعفة.
— السجن المشدد لمدة خمس سنوات لشهد لمشاركتها وتسهيلها عمليات التزوير والاستيلاء.
انهارت شهد في القفص وسقطت مغشيًا عليها وهي تصرخ باسم كريم، لكن كريم لم يلتفت حتى للخلف. أخرج من جيب جاكيته الداخلي الأوراق الرسمية الموثقة من المحكمة الاقتصادية ومحكمة الأسرة، ووقع في جلسة علنية وموثقة وثيقة طلاقها النهائي، لتقطع آخر رابط كان يربطها باسم عائلتنا إلى الأبد.
خرجنا من القاعة إلى صحن المحكمة، والشمس تشرق صافية لأول مرة منذ أسابيع طويلة.
نظر إليّ أبي وعيناه ملأى بدموع الفخر والامتنان، وأمسك بيدي وقال بصوت خنقته العبرة:
— أنتِ مش بس حميتي أباكي وأخوكي يا ندى.. أنتِ صنتي البيت اللي بنيته بعرق عمري، وربيتينا كلنا على إن الحق مابيعليش عليه زُور.
ابتسمت له وأنا أنظر إلى الحلمية وإلى معرضنا الذي عادت إليه الحياة والنشاط بأضعاف ما كان عليه، وقُلت بثبات:
— العيلة اللي تتسند على الحق والضمير الصاحي يا بابا، ما تكسرهاش خيانة رخيصة، ولا يقدر عليها ألف لعب من تحت الترابيزة.
انتهت القصة، لا بالفضيحة التي خططوا لها، بل بالعدالة التي أنصفتنا، وبدرس قاسية تعلمناه جميعًا: أن الأقنعة مهما بلغت إتقانها، تتساقط حتمًا أمام أول شعاع للحقيقة.



