
— كدابة! دي عقود قديمة! المحاكم ما تعترفش بالهبل ده! أنا هحبسكم كلكم! الشركات بقت بتاعتي، والسوق كله عارف إن حسام الدمنهوري هو المالك الوحيد!
أستاذ رفعت ابتسم بسخرية، وطلع ورق تاني ورفعه في وش حسام وقال:
— دي مش عقود قديمة يا مهندس… دي عقود توريث وتسليم ملكية فعلية تم تفعيلها صباح النهاردة بناءً على توكيل عام رسمي أصله معاي، وطلب رسمي من الوريثة الشرعية الوحيدة (مدام فريدة)، وده معناه إن قانونًا وشرعًا، رصيدك في البنك دلوقتي بقى “صفر”، والشركات اتقفل حسابها، ومجلس الإدارة اجتمع من ساعة وعزلك رسمياً من منصبك!
حسام حس إن الأرض بتلف بيه، وبص لي وعينيه مليانة ترجي ورعب:
— فريدة… إنتي بتهزري صح؟ ده هزار مراتي العاقلة! إحنا بينا عشرة وسنين! عشان خاطر اللي بينا، متعمليش فيا كده! أنا غلطت، أه غلطت، بس دي عثرة شيطان، والسكرتيرة حملت مني وغصب عني اتجوزتها عرفي عشان الفضيحة، بس إنتي مراتي الأولى والأصل! إنتي روحي!
ضحكت بوجع، بس ضحكة قوية ونابعة من قلب جرحته السطحية والخيانه، وقربت منه لحد ما بقيت واقفة قدامه مباشرة، وبصيت في عينيه وقلت بصوت حاسم:
— روحك؟! هي دي الروح اللي كنت بتدعي إنك بتموت فيها؟ من أسبوع لما كلمتك وأنا بموت من الفرحة وبقولك إني حامل في حلم عمري كله، قفلت في وشي وقلتلي “مش فاضي لشغل الحريم ده”! تفتكر لما روحت المستشفى النهاردة وشفيتك شايلها، كنت حاسس بإيه؟ كنت حاسس بقمة القهر والوجع! بس ثواني يا حسام… إنت فاكر إن الصدمة خلصت لحد هنا؟
حسام بلع ريقه وسأل بصوت مرتعش:
— تقصدي إيه؟
في اللحظة دي، باب الشقة اتفتح ودخل شخص تاني ما كانش متوقع أبداً إنه يشوفه في المكان ده.
ده كان “محسن بك”، رجل الأعمال الكبير، شريك حسام الأكبر في أحدث وأكبر مشروع عقاري في التجمع الخامس، والمنافس اللدود لعائلته!
محسن دخل ووشه ماليان ابتسامة انتصار، وبص لحسام وقال:
— مفاجأة مش كده يا مهندس حسام؟ مستغرب أنا جيت هنا ليه؟ جيت أبارك لمدام فريدة على صفقة الاستحواذ الجديدة! أنا اشتريت حصتك اللي في مشروعي من مدام فريدة بالنصف, وفلوسك اللي كانت متجممدة برة كلها اتحولت لحساباتها الشخصية! إنت دلوقتي بقيت طريد من السوق، ومش بس مفلس، دي شركة المقاولات الكبرى فسخت عقودها معاك رسمي عشان قضايا تهرب ضريبي وأمانة تم فتحها من شوية بناءً على مستندات قدمناها للنائب العام!
حسام وقع على ركبتيه في نص الصالون، وبصلي وبص للمحامي، ودموعه نزلت بغزارة وهو مش مصدق الكابوس اللي بيعيشه. في لحظة واحدة، تحول من رجل أعمال بيلعب بالملايين، وبيخون مراته ببرود، لشخص مديون، مفلس، بلا شركة، وبلا ملجأ!
بصيتله وأنا رافعة راسي بكل كبرياء، وقلت بصوت هادئ:
— إنت اخترت تبيعني وتبيع سنين عمري بحجة “الموظفة” و”الدراما بتاعتي”، وأنا قررت أديك الدرس اللي مش هتعرف تنساه أبداً في حياتك… الفلوس اللي فرحان بيها، والسلطة اللي غرّتك، والمنصب اللي عملته بفلوس أبويا… كله رجع لأصحابه الحقيقيين!
وقبل ما يلحق ينطق بكلمة واحدة، ظابط الشرطة تقدم خطوة وربط الكلبشات في إيد حسام، وقال بصوت جاف:
— مهندس حسام الدمنهوري، متهم في قضايا نصب، وتبديد أموال، وشيكات بدون سداع، وتزوير في أوراق رسمية… اتفضل معانا بهدوء!
المباحث خدته، والصدمة كانت ماليّة وشّه وعينيه بتبصلي بنظرة كلها رجاء وتوسل، بس أنا ما اهتميتش ولا دمعت دمعة واحدة عليه.
الباب اتقفل وراه، وأستاذ رفعت ومحسن سابونا ومشوا عشان يكملوا بقية الإجراءات القانونية.
بقيت لوحدي في الشقة الواسعة، حطيت إيدي على بطني بحنان، وهمست بصوت مسموع:
— متخافيش يا ضنايا… بابا وماما اللى باعونا رخيص مش هنديله مكان تاني بينا، احنا دلوقتي نبني حياتنا من جديد وبكرامة وقوة محدش يقدر يهزها أبدًا!
فتحت الشنطة اللي كنت مجهزاها، وخرجت أوراق السفر اللي حجزتها لبلد تاني خالص بعيد عن كل الكابوس ده، وابتسمت وأنا بحط حلمي الجديد قدام عيني.
لكن وأنا واقفة قدام المرايا، الموبايل بتاعي رن برقم غريب من المستشفى اللي كنت فيها الصبح!
رفعت التليفون وقلبي دق بسرعة، وسمعت صوت ممرضة بتقولي بصوت مرعوب:
— مدام فريدة؟! الحقي جوزك… قصدي… الست اللي كانت معاه في الطوارئ… حصلت لها مضاعفات خطيرة وهي في غرفة العمليات، وجوزك لما اتقبض عليه، الدكتور اتصل بيكي إنتي باعتبارك… باعتبارك إيه؟!
وقفت مكاني متجمّدة، والصدمة الجديدة بدأت تلوح في الأفق!




