
بعد قرار النيابة بحبس أحمد وحماتي وأخته مي على ذمة التحقيقات، الدنيا لفتت بيا وأنا راجعة على البيت. صحيح حقيرتي رجعت لي بالقانون، والشقة اتشمعت لحد ما القاضي يصدر قراره النهائي، بس جوة صدري كان فيه إحساس مرير بالوجع. سنين الجواز اللي ضاعت في ثانية، والثقة اللي اتبخرت قدام طمع عيلة ما ترساش على بر.
دخلت شقتي بعد ما الأحراز خلصت والنيابة فكت التشميع المؤقت عشان أقدر آخد حاجتي الشخصية. كانت الريحة جوه كأنها ريحة غريب دخل حياتي ودنسها. فتحت الدولاب، وابتديت ألم هدومي في الشنط بهدوء، بس وأنا بفتح الدرج السري اللي كنت حاطة فيه عقود الشقة الأصلية وبعض دهبي القديم اللي ورثته عن أمي الله يرحمها، اتجممدت مكاني!
الدرج كان مكسور!
والصندوق اللي فيه الدهب كله… مش موجود!
وقفت بصدمة، وقلبي دق بجنون. يعني ما اكتفوش بتزوير عقد البيع وسرقة الشقة وهم في القسم، دول كمان دخلوا وسرقوا دهبي اللي دفعت فيه روحي!
في اللحظة دي، تليفوني رن. بصيت في الشاشة، لقيته رقم غريب.
فتحت الخط، وسمعت صوت حاد لمي.. أخت جوزي، اللي كانت لسه من شوية في حجز القسم! ازاي اتصلت؟! شكلها قدرت تكلمني من تليفون حد تاني أو وهي متحررة بكفالة سريعة من محاميها الثعلب.
قالت بصوت كبرياء وتهديد:
“فكرتي إنك كسبتي يا سارة وقدرتي تدخلينا الحبس؟ دي البداية لسه! دهب أمك كله معانا، وتمنه هو اللي هنطلع بيه من القضية دي، ومش هتشمي منه جرام واحد غير لما تتنازلي عن الشقة وتغوري منها نهائي!”
قفلت السكة في وشي من غير ما تديني فرصة أنطق بحرف.
دموع القهر نشفت في عيني، وتحولت لبركان أشرس من الأول. مكالمتها دي كانت طوق نجاة، ودليل جديد يثبت إنهم مش بس مزورين، دول عصابة سرقة بالإكراه وابتزاز.
مسكت موبايلي، وطلبت المستشار طارق فوراً..
“ألو يا مستشار.. الحقني، السرقة اتقطعت ودليل جديد نزل في إيدي على طبق من ذهب!”
المستشار طارق رد بقلق: “هدّي نفسك يا سارة، في إيه؟ حصل إيه تاني؟”
حكيت له عن مكالمة مي وعن سرقة الدهب من الدرج السري، وازاي هي اعترفت صراحة في التليفون إنهم مسروقين عشان يبتزوني بيهم.
سكت ثواني وبعدين قال بصوت حازم ومرتفع:
“ممتاز! ده أحلى خبر سمعته النهاردة. التسجيل الصوتي للمكالمة ده لو متسجل على موبايلك، هيبقى قاضية ليهم كلهم. روحي فوراً لشرطة الاتصالات ومباحث الإنترنت، هنعمل بلاغ فوري بتسجيل مكالمة ابتزاز وتهديد من متهمين على ذمة قضايا تزوير!”
جريت على القسم تاني، ومعايا التسجيل وموبايلي. المباحث اتحركت بسرعة البرق، وبأمر مباشر من النيابة، تم تفتيش بيت حماتي ومي، وفعلًا لقوا الدهب كلاً مخبي في مكان سري جوه الدولاب بتاع مي، ومعاه أوراق تانية تخص قضايا نصب قديمة كانوا عاملينها على ناس تانيين قبل كده!
القضية اتحولت من مجرد “تزوير عقد شقة” إلى “تكوين عصابة لابتزاز وسرقة وتزوير محررات رسمية”، وده معناه إن العقوبة بقت مفيهاش رجعة ولا فيها غرامات بسيطة، دي سنين سجن طويلة تليق بجرائمهم.
يوم جلسة المحكمة الجنائية، كنت واقفة قدام قاعة الجنايات، لابسة بدلة رسمية سوداء، ورافع رأسي للسماء. شفت أحمد وهو داخل بالكلابشات في إيديه، ووراه أمه ومي. عيونه جت في عيوني، وكان بيبص لي نظرة استعطاف وندم ما لهاش أي قيمة خلاص. الكبرياء اللي كانوا بيمشوا بيه اتمسح تماماً، وبقوا مجرد متهمين في قفص الاتهام.
القاضي نطق بالحكم:
“سجن المشدد خمس سنوات لكل من أحمد محمود، ووالدته، وأخته مي، مع رد المسروقات وتغريمهم…”
الخبطة الأخيرة على المنضدة كانت صوت العدل وهو بيرجع لي حقي كامل مكمل.
طلعت من المحكمة، الهواء كان طلق ونظيف. بصيت لشقتي اللي بقت بتاعت وحدي، من غير راجل خائن، ولا عيلة مفترية. فتحت صفحة جديدة، صفحة عنوانها: “الست اللي تشتري نفسها بمليون جنيه.. ما ينفعش تتباع بمليم واحد”.
رجعت الشقة، وكانت أول خطوة عملتها إني غيرت الباب كله، مش القفل بس، وحطيت أمان مشدّد ميخليش أي مخلوق يفكر يقرب من ملكي تاني. حطيت شنطة هدومي في النص، وقعدت على الكنبة وحدي، لأول مرة أحس بالهدوء الحقيقي بعد شهور من اللف والدوران والمحاكم.
بس الراحة دي مكملتش كتير.
باب الشقة خبط. خبطات خفيفة ومترددة، كأن اللي بره خايف يواجهني.
فتحت الباب، ولقيت قدامي شخص ما كنتش أتوقع أبدًا أشوفه بعد كل اللي حصل..
أحمد.
أه، أحمد.. بس مش أحمد اللي كان واقف في قفص الاتهام ببدلة السجن، ولا أحمد المتكبر اللي كان بيحمي أهله على قفا تعبي. ده كان أحمد تاني خالص.. باهت، شعره مكسور، عيونه حمرا من قلة النوم، وماسك في إيده شنطة صغيرة فيها هدومه.
بصيت له باستنكار، وكنت لسه هقفل الباب في وشه، بس هو حط إيده على الحلق وقاف بصوت مكسور:
“أرجوكِ يا سارة.. استني.. اسمعيني دقيقة واحدة وبعدين اعملي اللي عايزاه.”
وقفت وكتّفت إيدي وقلت ببرود جمد الدم في عروقي:
“تاني يا أحمد؟ الجلسة خلصت والحكم نزل، وأهلك بياكلوا عيش حاف في الليمان.. جاي تدور على إيه تاني؟ الشقة بتاعتي، وأنا بتاعتي، ومفيش بيني وبينك أي عيش وملح خلاص.”
دمعت عينه، وبص في الأرض وقال بصوت واطي:
“أنا خرجت بكفالة استئناف.. محامي عمل إشكالية وقدر يطلعني لحد ما جلسة النقض تتحدد.. بس أمي وأختي لسه جوه.”
ابتسمت بسخرية لاذعة:
“وجاي تعيط لي هنا؟ فاكر إني هحن وأقول لك ادخل استريح يا حبيبي؟ أنت باعتني بقرشين يا أحمد، وسلّمتني لعيلتك على طبق من ذهب.”
نزل على ركبه قدام باب الشقة، وبكى بجد، دموع الندم اللي ملوش أي تمن:
“والله العظيم تمنيت أموت ولا اللي حصل ده حصل! أهلي ضحكوا عليا، فهموني إنك مسافرة ومش هتحتاجي الشقة، وإني هبقى صاحب بيت.. بس ما كنتش اعرف إنهم هيوصلوا للتزوير وسرقة دهبك! أول ما عرفت بالسرقة والتزوير، كنت هبلغ عنهم بنفسي بس خفت من الفضيحة.. كنت غبي وضعيف، وادينا كلنا دفعنا التمن.”
بصيت له وأنا حاسة بوجع قديم بيتقفل للأبد، وقلت له بكلمات واضحة وقاطعة زي السكينة:
“التمن أنت اللي اخترته يا أحمد.. وعمر اللي اتكسر ما بيتصلح. الورقة اللي بيني وبينك اتقطعت يوم ما رضيت تبيع مرتك عشان ترضي ستك وأختك. طليقك أنا.. وطليق بيتك كمان.”
مد إيده بظرف أبيض وقال بصوت مخنوق:
“دي طلقاتك.. المأذون جه معايا وأنا مستعد أعمل كل اللي تطلبيه، بس أرجوكِ.. ما تبصليش بالكرامة دي، لأنها بتقتلني أكتر من السجن.”
خدت الظرف من إيده، فتحته وبصيت لعقد الطلاق الرسمي اللي كان جاهز وممضي ومختوم.
رفعت عيني وبصيت له نظرة أخيرة.. لا فيها حب، ولا حتى كره، مجرد فراغ تام.
قلت بهدوء:
“برة يا أحمد.. وخلي أمك وأختك ينفعوك.”
قفلت الباب في وشه.. وسمعت صوت خطواته وهو نازل على السلم، باهت ومكسور ومنتهي.
دخلت، رميت الظرف على الترابيزة، وفتحت الشباك عشان أدخل هوا نضيف يطرد ريحة الماضي كله.
بصيت لنفسي في المرايا.. لقيت ست قوية، واقفة على رجليها، ما تحتاجش راجل عشان تحمي نفسها، ولا سند عشان تعيش.
بس.. القصة لسه مخلصتش.
تليفوني رن رسالة نصية من رقم مجهول..
فتحتها، ولقيت صورة ورقة قديمة، بخط إيد حماتي.. ورقة بتقول إن الشقة دي من الأساس مش بتاعتي أنا لوحدي، وإن فيه شريك خفي لسه ما ظهرش في الصورة!
اتجممدت مكاني.. وقلت بصدمة:
“مين تاني؟!”



