
خطواتنا تقلت وأنا وبناتي داخلين صالة بيت عمهم. المكان كان زحمة بالمعازيم وأصوات الضحك مالية الجو، بس مجرد ما خطينا العتبة وشافونا، الهدوء بدأ يتسلل للبيت بالتدريج. عينيا وقعت عليهم على طول؛ كانوا قاعدين في الصالون، ابنك لابس ومتألق، ومراته جنبه لابسة شيك جدًا وأناقتها لافتة للكل، كأنها بتثبت للجميع إن مكانها في الصالونات مش تحت الرجلين.
أول ما شافتنا، وشها أترسمت عليه علامات التوتر، وقامت وقفت بسرعة. ابنك بصلها ونظرة عينيه كانت مساندة، مسك إيدها بضغط حنين وقام معاها، وتمشوا ناحيتنا بخطوات بطيئة وسط متابعة صامتة من كل قرايبنا اللي كانوا موجودين وملاحظين حالة الجفاء اللي بيننا بقالها أسابيع.
ابنك قرب مني، وباس رأسي وإيدي بدفء شديد، وقال بصوت مسموع للكل:
* منورة الدنيا كلها يا أمي.. خطوة عزيزة أوي.
ما قدرتش أرد بحرارة، اكتفيت بابتسامة باهتة على وشي وقلت:
* بنورك يا بني.. أهلاً بيك.
وهنا جه دور مراته. مدت إيدها ببطء، وكانت بتترعش، وابتسمت ابتسامة رسمية مليانة حذر، وقالت بنبرة خافتة:
* إزيك يا طنط؟ عاملة إيه؟ يا رب تكوني بخير.
بصيت لإيدها الممدودة لحظة، كان ممكن أكسفها قدام العيلة كلها وما أمدش إيدي، بس نظرة ابني لينا كانت حادة وثابتة، كأنه بيحذرني من أي حركة تكسر كرامته قدام قرايبه. فمديت إيدي سلمت عليها بأطراف صوابعي وقلت بجفاف:
* أهلاً يا حبيبتي.. الحمد لله.
بناتي بقى وقفوا ورّاي ومربعين إيديهم، ووشوشهم مقلوبة زي الصوان. مراته لفت عشان تسلم عليهم ومدت إيدها، بس بنتي الكبيرة اكتفت بأنها هزت رأسها من بعيد وقالت ببرود يقطع العيش:
* أهلاً..
أما بنتي الصغيرة، فلفّت وشها ناحية ثانية كأنها ما شافتش إيدها الممدودة أساسًا، وأخدت بعضها ومشيت تقعد جنب قرايبنا! الموقف كان محرج جدًا، وإيد العروسة فضلت معلقة في الهوا لثواني قبل ما تسحبها بسرعة ووشها يحمرّ من الكسفة. ابنك اتنفض في مكانه، وعينيه اتملت غضب، وبص لإخواته بنظرة كان ممكن تولع في المكان، بس مراته مسكت دراعه بسرعة وضغطت عليه كأنها بترجاه يسكت وما يعملش مشكلة وسط الناس.
قعدنا كلنا، بس القعدة كانت مشحونة بتوتر يتقطع بالسكين. مرات عمهم كانت بتنقل عينيها بيننا وفاهمة إن في حاجة مش مظبوطة، فبدأت تفتح مواضيع وتلطف الجو:
* ما شاء الله يا عريس، العروسة منورة ومحلية القعدة، ربنا يسعدكم ويتمم لكم على خير.. ده العيلة كلها بتتكلم عن شطارتها وذوقها.
ابنك ابتسم، وبص لمراته بفخر ظاهر وقال بصوت عالي عشان الكل يسمع:
* تسلمي يا مرات عمي، ربنا يخليكي. دي مش بس شاطرة وذوق، دي أصلها طيب ومتربية على الغالي، وتعرف الأصول كويس أوي، واللي يعاشرها يعرف قيمتها ولا يمكن يرضى عليها الهوان.
الكلمة كانت موجهة لينا بوضوح، زي الرصاصة المباشرة. بنتي الكبيرة ما قدرتش تمسك لسانها، ولفت بصتله وقالت بنبرة تهكمية وسخرية مشطورة:
* طبعًا يا حبيبي، الأصول أهم حاجة.. بس الأصول برضه بتقول إن الصغير يحترم الكبير، وما يعملش شو ومظاهر قدام الناس وهو من جوة حاقد ومبيعرفش يسامح.
الصمت نزل على القعدة زي الصاعقة. عمهم اتعدل في قعدته وبص لبنتي بحدة، وابنك وشه اتغير تمامًا وتخطى مرحلة الغضب لمرحلة الثورة. وقف على حيله في نص الصالة، وبص لأخته وقاله بصوت جهوري هز المكان:
* احترامي للكبير من احترامي لنفسي يا أختي! لكن لما الكبار ينسوا مقامهم ويستغلوا طيبة الناس وصغر سنهم عشان يكسروا عينهم، يبقى الصغير من حقه يحط حدود وميسيبش مراته لقمة سائغة في إيد اللي يسوى واللي ما يسواش!
مرات عمهم قامت بسرعة:
* يا بني اهدى صلي على النبي! ما يصحش الكلام ده قدام الناس وفي بيتي!
رد ابنك وهو بيشير بإصابعه علينا بكل حسم:




