
* لا يا مرات عمي، لازم الكل يفهم! أنا ساكت ومعدي بقالي أسابيع عشان خاطر أمي وعشان مش عايز أكبر المواضيع، بس طالما المعاملة بقيت تلقيح كلام وقلة ذوق عيني عينك قدام الناس، يبقى القعدة دي مش نافعة!
مراته قامت وقفت جنبه، مسكت إيده وهي بتبكي بالدموع، وصوتها بيترعش:
* خلاص يا حبيبي عشان خاطري.. يلا نمشي، مش مستاهلة كل ده.. أنا آسفة يا طنط لو كنت ضايقتكم في حاجة من غير ما أقصد.
ابنك مسك إيد مراته بقوة، وبصلي أنا وبناتي بجمود وقال:
* إنتِ ما تعتذريش لحديث يا هانم! إنتِ ما عملتيش حاجة تدعيلك للأسف! إحنا ماشيين يا أمي، ولما تعرفوا قيمة ابني وقيمة اللي دخلت بيتي، ابقوا اتكلموا معايا.
شَد مراته من إيدها ومشيوا بسرعة ناحية الباب، وضرب الباب وراه بقوة هزت أرجاء البيت كله، وسابنا كلنا قاعدين في حالة ذهول. عمهم بصلي بنظرة عتاب شديدة وقال:
* إيه اللي بيحصل ده يا أمي؟ إزاي تسيبوا الأمور توصل للدرجة دي بين الولد وأهله؟ هي دي الأصول اللي ربيتم عليها؟
قعدت في مكاني مش قادرة أنطق، وبناتي كانوا بيحاولوا يدافعوا عن نفسهم بس الصوت كان واطي والكسفة كانت مغطية علينا. حسيت في اللحظة دي إن كل محاولاتي عشان أفرض سيطرتي وأثبت وجودي من أول يوم انقلبت لخراب بيوت وشقاق بيني وبين ابني، وإن المواجهة مش هتقف عند الحد ده، لأن الحرب اللي كانت تحت التراب بقيت دلوقتي علنية قدام العيلة كلها…
خرجنا من بيت عمهم وشنا في الأرض، والشارع كان كأنه أطول شارع مشينا فيه في حياتنا. بناتي كانوا ساكتين تمامًا لأول مرة، مفيش واحدة فيهم قادرة تفتح بقها بتلقيح ولا اعتراض، لأن موقف عمهم ورد فعله الشديد قدام العيلة كلها حسسهم بإن القعدة كلها كانت إدانة لينا، وإن اللعبة اتتقلبت على راسنا بجد.
أول ما وصلنا البيت، قفلت الباب ورايا بصوت مكتوم، ولفت للبنات وصرخت بصوت خنقاه الدموع والغضب:
* عجبكم كدة؟ انبسطتم بالفضايح والبهدلة قدام طوب الأرض؟ ابنكم بقى يصرخ في وشنا ويقولنا “اللى يسوى واللى ما يسواش” عشان خاطر الست هانم بتاعته! بقى اسمنا بيتقال في العيلة إننا بنستعبد بنات الناس وبنخرب بيوت ولادنا؟
بنتي الكبيرة اترمت على الكنبة بقلة حيلة وقالت وهي بتحاول تداري كسفتها:
* يا ماما هو اللي بدأ! هو اللي كان داخل جاهز ومستني أي كلمة عشان يستعرض حنيته وشهامته قدام مراته! شفيتها كانت قاعدة كأنها ملاك بريء ومكسورة وجنبها سي البطل بيحميها؟ هي مرتبة كل حاجة معاه من قبل ما ييجوا، وكانت عارفة إننا مش هنعديها بالساهل!
الصغيرة قعدت جنبها وقالت بصوت مكسور:
* بس يا أختي عمك بصلنا بصة وحشة أوي.. والناس كلها بكرة هتتكلم. بكرة يقولوا أم فلان وبناتها استقووا على عروسة ابنهم في أول أسبوع، والولد وقف في وشهم وطرد نفسه من العزومة! الشكل بقى وحش أوي يا ماما!
سيبتهم ودخلت أوضتي وقفلت على نفسي. كنت حاسة بنار بتاكل في صدري.. نار الكبرياء اللي اتجرح، ونار الأمومة اللي حاسة إن ابنها اتخطف منها في غمضة عين. ابن عمري اللي كنت بحرك صوابعه، بقى بيقف قصادي زي الجبل عشان حتة عيلة بقالها معاه كام يوم! بس السؤال اللي كان بياكل دماغي: هل أنا فعلاً ظلمتها؟ هل الفضول والسيادة اللي حبيت أفرضها من أول يوم كانت تستاهل إن البيت يتقفل في وشي كده؟
عدت الأيام، والأسبوع بقى شهر.. والشهر جاب شهور.
البيت عندنا بقى حتة من التلج، مفيش صوت، مفيش حس. ابنك ما بقاش يتصل، ولا حتى يبعت رسالة في الجمعة. قطع معانا تمامًا، زي ما يكون كان مستني الفرصة دي عشان يبني سور عالي بين حياته الجديدة وبيننا.
كنت بقعد بالليل، أفتح تليفوني من غير ما حد يحس، وأدخل على أكونت مراته. كانت بتنزل صور وفيديوهات لبيتها ولحياتهم.. شقتها كانت منظمة وشيك، وطبقتها للأكل وصورها وهي بتضحك معاه في كل مكان كانت زي السكاكين اللي بتدخل في قلبي. البنت اللي كنا فاكرينها ضعيفة وكسيفة، طلعت ماسكة بيتها وجوزها بأحكام، ومش مخلية ناقصه حاجة.. وابنك كان معاها طفل طايع، يضحك ويهزر ويخرجها، وهو اللي كان معانا أوقات كتير جاد ومش فاضي.
بناتي نفسهم اتأثروا.. غياب أخوهم ساب فراغ كبير، خصوصًا لما بدأت العزومات والمناسبات تيجي، وكان الكل بيسأل: “هو فلان مرجعش يكلمكم؟ هو لسه زعلان؟”. الكلمات دي كانت بتدبحنا، والناس بدأت تلاحظ إن العروسة هي اللي ماشية كلمتها وإن الولد بيبعد عن أهله بالتدريج.
لحد ما جه يوم، والتليفون رن في نص الليل.
صوت الرنة في الوقت ده يرعب. جريب مسكت التليفون وأنا إيديا بتترعش، بصيت في الشاشة.. لقيت رقم مستشفى!
قلبي سقط في رجلي، وفتحت السكة وصوتي طالع بالعافية:
* ألو؟ خير يا رب!
جاني صوت ممرضة بتتكلم بسرعة وبجدية:
* حضرتك والدة الأستاذ فلان؟
قلتيلها وأنا برتعش:
* أيوة أنا أمه! خير في إيه؟ ابني جرى له حاجة؟!
قالتلي:
* الأستاذ جيه المستشفى هنا في حادثة عربية هو ومدامته، وهو حالته مستقرة بس فيه كسور وجروح، والمدام ندخلها العمليات حالا لأنها…
ما كملتش الجملة، الموبايل وقع من إيدي، وصرخت بصوت هز البيت كله. بناتي جريوا عليا من أوضهم مرعوبين:
* في إيه يا ماما؟! فيه إيه حصل؟!
قلتلهم وأنا بلم طرحتي بلهفة وإيدين مكسورة:
* أخوكم في المستشفى! عمل حادثة هو ومراته! يلا بسرعة!
في دقائق كنا في التاكسي، الشارع كان فاضي والليل كأيل، وأنا في سريري بدعي ربنا يسترها، وبنسى كل الكبرياء وكل الغضب وكل التخطيط. في اللحظة دي اتلغت كل الفوارق، وظهرت الحقيقة الوحيدة: إنه ابني، ضنايا، اللي لو جرى له حاجة حياتي ملهاش قيمة.
وصلنا المستشفى، ورائحة المعقمات والهدوء المرعب مالين الطرقات. سألنا في الاستقبال وجرينا على الدور الثاني.
لقينا ابنك قاعد على كرسي في الطرقة، راسه ملفوفة بشاش، وإيده اليمين متجبسة، وهدومه فيها آثار دم وشديدة التمزق. كان حاطط راسه بين إيديه الشمال وبيعيط بصوت مكتوم ويرتجف.
أول ما شفته، نسيت كل حاجة.. جريب عليه واترميت في حضنه:
* يا حبيبي يا بني! ألف سلامة عليك يا ضنايا! إيه اللي حصل لك؟ قدر ولطف يا بني!
ابنك رفع راسه ببطء، عينيه كانت حمرا كأنها جمرة نار، ومليانة دموع وانهيار مشفتوش منه من يوم ما كان طفل. بصلي ومش قادر يتكلم، وبعدين بص لنقالة العمليات المقفولة قدامه، وقال بصوت مبحوح ومخنوق يقطع القلب:
* مراتي جوة يا أمي… مراتي بين الحياة والموت! العربية اتقلبت بينا، وهي رمت نفسها عليا عشان تحميني إيدي ورأسي، وأخدت هي الضربة كلها في ناحيتها!
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لبناتي اللي وقفوا ورايا مصدومين ووشوشهم أصفرت.
ابنك مسك إيدي الشمال بإيده السليمة، وضغط عليها بضعف وكسرة وقال وهو بيبكي بكاء يهد الجبال:
* أدعيلها يا أمي… أدعيلها بالله عليكِ تسامحنا وتعيش! دي مظلومة… والله العظيم مظلومة وما شافتِش مننا غير القسوة وهي حمتني بروحها!



