عام

بعد الفرح بأسبوع حكايات امانى 3

العروسة فضلت باصة لينا ثواني، ووشها الباهت ظهرت عليه علامة تحير، وبعدين رفعت صوابع إيدها المربوطة بالمحاليل خطوة صغيرة جداً ناحيتنا، وكأنها بتشاور لينا أو بتسأل بضعف: “إنتوا هنا؟”..
وفي اللحظة دي، أجهزة القياس جنب سريرها بدأت تطلق صفارات إنذار سريعة ومربكة، والدكتور زق ابنك برة الأوضة بسرعة وهو بيصرخ على الممرضين: “الحالة بتدخل في مضاعفات! برة فوراً!”…
الأجهزة بدأت تفرقع بصوت صفارات متواصلة ويرعب، والممرضين دخلوا يجرو جوة الأوضة والستارة أتقفلت في وشنا في ثانية. الدكتور زق ابنك برة، وخرج هو كمان مصدوم، وبقى الطاقم الطبي كله محاوط السرير.
ابنك وشه أصفر زي الورق، ومسك في كتف الدكتور قبل ما يداخل الأوضة وقال بصوت زي الشهقة:
* في إيه يا دكتور؟! كانت بتتكلم معايا! كانت كويسة وبتسأل عليا! إيه اللي حصل فجأة؟!
الدكتور زق إيده بالراحة وقال وهو مستعجل:
* ضغطها نزل فجأة وفي هبوط حاد في الدورة الدموية، الجهد بتاع الكلام مع الكدمات الداخلية سببلها انتكاسة، برة كلكم فوراً وما حدش يدخل!
الباب أتقفل، والإزاز أغطى بالستارة البيضا، ووقفنا كلنا في الصالة بتاعة الممر كأننا مضروبين بالنار. ابنك اتسند على الحيطة ونزل ببطء لحد ما قعد على الأرض، حاطط راسه بين إيديه ومجبس، وجسمه كله بيبكي ويتنفض.
أنا وبناتي وقفنا مش عارفين نعمل إيه. بنتي الكبيرة مسكت في دراعي وبقت تبص للستارة المقفولة ودموعها نازلة على خدودها بغير حساب، وقالت وهي بتشهق:
* يا رب.. يا رب ما تموتش.. يا رب ما تبقاش نهايتها كده بسببنا.. والله العظيم لو قامت بالسلامة لأشيلها فوق رأسي طول العمر.. يا رب سامحنا!
الصغيرة راحت قعدت جنب أخوها على الأرض، ومسكت دراعه المجبس بالراحة، وبقت تطبطب عليه وهي بتعيط وتقول:
* ادعيلها يا حبيبي.. ربنا مش هيضيع قلبها الأبيض ده.. هي قوية وهتقوم عشانك وعشاننا.. ادعيلها يا أخويا.
أنا قعدت على أقرب كرسي، ورجليا مش شايلاني. كنت حاسة إن رب العباد بيوريني آية بصرية قدام عينيا. الست اللي دخلت بيتنا ناعمة وطيبة، واللي طمعنا في أدبها واستغلنا كسفتها عشان نثبت سيطرتنا من أول يوم، طلعت هي الجدار اللي حما ابننا بروحه، وطلعت هي الأكرم والأجمل فينا كلنا. الموقف كشفنا قدام نفسنا، وعرّى كل الغرور والكبرياء اللي كنا عايشين فيه.
مرت نص ساعة، كانت أطول من السنين. كل ثانية بتعدي وصوت الأجهزة جوة مسموع من ورا الباب كان بيقطع في أعصابنا. ابنك ما كانش بينطق، بس كان بيحرك شفايفه بالدعاء، وعينيه متثبتة على الباب المقفول.
وفجأة، الستارة اتفتحت بالراحة، والدكتور خرج.
جرينا كلنا عليه، وابنك قام من على الأرض بالمنزل كأنه بيتعلق بقشة:
* دكتور! قولي كلمة تطمني!
الدكتور مسح عرقه، وأخد نفس طويل، ووشه هدي شوية عن الأول وقال:
* الحمد لله.. استقرت الحالة تاني. الضغط رفع ونازلة أزمة الهبوط، بس ده جرس إنذار حاسم. جسمها ضعيف جدًا، والتعب النفسي والبدني اللي مرت بيه فوق طاقتها. أي انفعال أو جهد، حتى لو كلام بسيط، ممكن يقلب النتيجة. ممنوع أي حد يدخلها نهائيًا لمدة 24 ساعة، وهي محتاجة راحة تامة وعلاج مكثف.
ابنك أخد نفس عميق، وغمض عينيه ورفع راسه للسما، وقال من قلب جوفه:
* الحمد لك والشكر لك يا رب.. الحمد لله.
الدكتور بصلي أنا وبناتي، وبعدين بص لابنك وقال:
* العروسة محتاجة هدوء وصيانة ونفسية مرتاحة عشان تقدى تعدي مرحلة الخطر. ياريت التوتر اللي كان باين في عينها يخف، لأن الحالة النفسية لها عامل 50% في الشفاء.
الكلام كان موجه لينا بشكل غير مباشر، وكأن الدكتور حس بالتأثير اللي حصل أول ما شافتنا عند الإزاز.
ابنك بصلي، ولأول مرة من يوم الحادثة، ما كانش في عينيه غضب أو قسوة ناحيتنا.. كان فيه بس رجاء وترجي حزين. قرب مني ومسك إيدي، وقال بصوت خافت ومكسور:
* أمي.. أنا عارف إنك خايفة عليا، وعارف إن إخواتي زعلانين.. بس هي دلوقتي ملهاش غير ربنا وغيرنا. لو بتحبوني بجد، ادعولها من قلبكم، وسيبوني جنبها لحد ما تقف على رجليها.
مسكت إيده وبستها، ودموعي نازلة على إيده المجبسة وقلتله:
* والله يا بني أدعيلها من كل قلبي، والله العظيم ما جوايا ناحيتها غير كل خير وحب.. إحنا كنا غلطانين يا ضنايا، والدرس كان قاسي علينا كلنا.. روح ارتاح في أوضة الانتظار، وأنا وإخواتك مش هنمشي من المستشفى غير لما تطمن عليها خالص.
بناتي قربوا منه، والكبيرة حضنته وقالت:
* إحنا جنبك يا حبيبي.. مش هنمشي، وأي حاجة تحتاجها العروسة أو أنت، إحنا اللي هنعملها بإيدينا.
القعدة في المستشفى طولت، والليل دخل تاني. بناتي أصروا يروحوا الكافيتيريا ويجيبوا أكل وعصاير لأخوهم وللأطباء، وبدأوا يتحركوا بلهفة وخوف حقيقي على أخوهم وعلى مراته. تغيرت طريقة كلامهم عنها تمامًا؛ ما بقاش فيه “الست هانم” ولا “اللي بتتمسكن”، بقى اسمها “عروسة أخونا” و”البنت الطيبة اللي ملهاش ذنب”.
على الساعة أربعة الفجر، وأنا قاعد على الكرسي في الطرقة، حسيت بحركة جنب العناية المركزة. قمت بالراحة وبصيت من الإزاز.
لقيت مراته فتحت عينها تاني. المرة دي كانت أهدى، والممرضة كانت جنبها بتمسح جبهتها بقطنة. العروسة لفت رأسها بالراحة ناحية الباب الشفاف، وعينها وقعت عليا وأنا وافقة لوحدي في الطرقة.
بقيت باصة لها، وقلبي بيتنفض. رفعت إيدي بالراحة من ورا الإزاز، وحطيتها على صدري ناحية قلبي، وهزيت رأسي ليها بابتسامة حنونة مليانة دموع ورجاء كأني بقولها: “سامحيني يا بنتي.. حمد الله على سلامتك”.
مراته فضلت باصة لي لثواني.. وشها الباهت والمجهد بدأ يظهر عليه ظل ابتسامة خفيفة أوي، أرق وأصدق من كل الابتسامات الرسمية اللي شفناها قبل كده. هزت رأسها حركة صغيورة جدًا، وكأنها بتقولي: “أنا سامحتك.. ومفيش حاجة”.
اللحظة دي كانت زي البلسم اللي نزل على قلبي وغسل كل الغل والوساوس. عرفت إن البنت دي فعلاً أصلها طيب، وإنها مش شايلة في قلبها أي نقطة سواد، رغم كل اللي عملناه فيها.
تاني يوم الضهر، الدكتور أذن لابنك إنه يدخلها لمدة خمس دقائق بس، بشرط ما يخليهاش تتكلم كتير.
ابنك دخل، وكان ماسك إيدها وبيكلمها بالراحة. وبعد كام دقيقة، لقيناه بيشاور لينا من جوة الأوضة بابتسامة، وبيقول للممرضة تفتح الباب عشان ندخل نسلم عليها دقيقة واحدة.
دخلت أنا وبناتي ببطء شديد، ورجلينا بتترعش من الرهبة والخجل. قربنا من السرير، ومراته كانت باصة لينا بعيون مليانة طيبة وهدوء.
قربت منها، ووطيت على رأسها وبستها بحنان أم حقيقي لأول مرة، وقلت بصوت مخنوق:
* حمد الله على سلامتك يا بنتي.. ألف سلامة عليكِ يا حبيبتي، ربنا يخليكي لينا ولجوزك.
بناتي قربوا، والكبيرة مسكت إيدها السليمة وبستها وهي بتعيط:
* سامحينا يا مرات أخويا.. والله العظيم إحنا بنحبك، ومكنش قصادنا نضايقك أبداً.. حقك علينا يا حبيبتي.
مراته بصت لبناتي، وبصت لجوزها اللي كان واقف عينيه مدمعة ومبسوط، وتكلمت بصوت خافت جدًا زي النسمة:
* مفيش حاجة يا طنط.. إنتوا أهلي.. ومفيش زعل بين الأهل.
الكلمة طلعت منها بصفاء نية كسر كل الخجل اللي جوايا. حسيت إننا أخيرًا بتبدأ صفحة جديدة بجد، بس الصفحة دي مكتوبة بالدم والتضحية والدعاء.
بس وقبل ما نطمن تمامًا والجو يصفى، الباب اتفتح فجأة بحدة، ودخلت أم العروسة وأبوها وشقيقها، ووشوشهم كانت بتولع نار وغضب بعد ما عرفوا تفاصيل الحادثة والتعب اللي بنتها فيه…

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى