
— والنبي يا عمو، أنا مش بشحت… أنا بس عايزة علبة لبن لأخويا الصغير، بقالي يومين بسقيه مية بسكر، وماما مش بتصحى!
قالتها طفلة صغيرة وهي واقفة قدام كاشير واحد من أكبر السوبر ماركتات في وسط القاهرة، وجسمها كله بيترعش من البرد.
الكاشير بص لها بضيق وقال:
— يا بنتي، مش قولتلك امشي من هنا؟ إحنا مش جمعية خيرية! وبعدين إنتِ دخلتي إزاي أصلًا؟
البنت مسحت دموعها بإيدها الصغيرة، وقالت بصوت مخنوق:
— أنا مش عايزة فلوس يا عمو، والله العظيم! أنا عايزة لبن بس… أخويا بيعيط من امبارح، ومش عارفة أسكته!
— طب وأمك فين؟ خليها تيجي تشتريله!
البنت سكتت فجأة.
وبصت في الأرض.
وبعد لحظات قالت جملة خلت واحدة من الستات الواقفين جنبها تبصلها باستغراب:
— ماما نايمة بقالها تلات أيام… وأنا مهما أصحيها مش بترد عليا!
الكاشير اتنهد وقال:
— يا بنتي، روحي لأهلك، إحنا مش ناقصين مشاكل!
وفجأة ظهر مدير الفرع، وبص للبنت من فوق لتحت وقال بعصبية:
— إيه اللي بيحصل هنا؟ مين دخل البنت دي؟
رد الكاشير:
— بتطلب لبن أطفال يا فندم، ومش معاها فلوس.
المدير قرب منها وقال:
— اسمعي يا شاطرة، لو محتاجة مساعدة روحي لأي جمعية، إنما مينفعش تقفي هنا وتعطلي الناس.
مريم رفعت وشها، وعينيها كانوا مليانين دموع.
— طب ممكن آخد علبة واحدة بس؟ ولما ماما تخف هتدفع تمنها، والله!
المدير كان لسه هيرد، لكن صوت رجولي جه من وراهم:
— هي العلبة دي بكام؟
الكل لف ناحية الصوت.
كان واقف راجل طويل، شكله في أواخر التلاتينات، لابس بدلة سودا أنيقة، وفي إيده مفاتيح عربية فخمة.
المدير أول ما شافه اتعدل في وقفته وقال بسرعة:
— أستاذ آدم الشاذلي! يا أهلا وسهلا بحضرتك!
آدم تجاهله تمامًا، وكرر سؤاله:
— سألتك علبة اللبن بكام؟
الكاشير رد بتوتر:
— حوالي تلتمية وخمسين جنيه يا فندم.
آدم بص للمدير وقال بهدوء:
— يعني إنتوا واقفين خمسة رجالة حوالين طفلة عندها تمن سنين، علشان علبة لبن بتلتمية وخمسين جنيه؟
المدير حاول يبتسم:
— أصل حضرتك مش فاهم، النوعية دي بتدخل كل يوم…
آدم قاطعه بحدة:
— النوعية دي؟!
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
— دي طفلة جعانة وبردانة، مش مجرمة!
وبعدين نزل على ركبه قدام مريم، علشان يبقى في مستوى عينيها.
— اسمك إيه يا حبيبتي؟
— مريم.
— عندك كام سنة يا مريم؟
— تمانية.
— وإخواتك كام واحد؟
— اتنين… ياسين عنده أربع سنين، وآدم عنده سبع شهور.
آدم اتجمد لحظة لما سمع اسم الطفل الصغير.
— اسمه إيه؟
— آدم.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
— على اسمي يعني.
مريم هزت راسها.
— أيوه يا عمو… ماما كانت بتقول إن الاسم ده غالي عليها أوي.
آدم حس بحاجة غريبة، لكنه تجاهلها.
— طب قوليلي، إنتِ محتاجة إيه غير اللبن؟
مريم بصتله بتردد.
— حفاضات… وعيش… ولو ينفع بطانية، علشان ياسين بيترعش بالليل.
آدم وقف وبص للكاشير.
— هات عربية تسوق كبيرة.
المدير اتحرك بنفسه.
— تحت أمرك يا فندم.
آدم قال لمريم:
— تعالي يا مريم، هنجيب كل اللي إخواتك محتاجينه.
البنت فتحت عينيها بدهشة.
— كله؟!
— كله.
— حتى البسكوت لياسين؟
آدم ابتسم.
— حتى البسكوت.
مريم ضحكت لأول مرة.
ضحكة صغيرة جدًا، لكنها وجعت قلبه أكتر من دموعها.
فضلت تمشي جنبه وهي بتختار الحاجات بخوف.
كل شوية كانت تمسك حاجة وترجعها مكانها.
لحد ما آدم سألها:
— بترجعي الحاجة ليه؟
— علشان غالية.
— وإنتِ عرفتي منين؟
— ماما علمتني أبص على الأسعار قبل ما أطلب أي حاجة.
آدم سكت.
افتكر أمه وهي بتقوله نفس الجملة زمان، قبل ما يبقى عنده شركات وعربيات وقصور.
بعد نص ساعة، كانت عربية التسوق مليانة لبن أطفال وحفاضات وأكل وهدوم شتوي وبطاطين.
آدم دفع الحساب، وطلب من العامل يحط الأكياس في عربيته.
لكن مريم فجأة اتوترت.
— يا عمو، أنا لازم أمشي!
— استني أوصلك.
— لا، معلش… أنا عارفة الطريق.
— الدنيا بتمطر وإنتِ حافية.
مريم بصت على رجليها، وبعدها قالت:
— الجزمة اتقطعت مني وأنا جاية، بس أنا بعرف أمشي من غيرها.
آدم حس بغصة في حلقه.
جاب لها جزمة جديدة وشراب، وساعدها تلبسهم، وبعدين قال:
— طيب على الأقل خليني أطمن إنك وصلتي.
مريم بصتله بخوف غريب.
— بس متزعلش من ماما لو لقيتها نايمة… هي تعبانة أوي.
آدم اتنبه للجملة.
— تعبانة من إمتى؟
— من يوم ما الراجل الوحش جه عندنا.
قلبه انقبض.
— راجل مين؟
لكن مريم ما ردتش.
كل اللي عملته إنها شالت كيس صغير وجريت ناحية الباب.
آدم طلب من السواق يمشي بالعربية وراها على مهله.
وبعد عشر دقايق، وصلوا لحارة ضيقة في منطقة شعبية قديمة.
مريم دخلت بيت متهالك، بابه الخشب مكسور، وشبابيكه متغطية بقطع قماش قديمة.
آدم نزل من العربية.
السواق بصله باستغراب.
— حضرتك رايح فين يا آدم بيه؟
— هطمن على البنت.
— طب أجي معاك؟
— خليك هنا، ولو احتجتك هنادي عليك.
دخل آدم البيت بحذر، ونادى:
— يا مريم!
محدش رد.
لكنه سمع صوت عياط طفل.
وبعده صوت مريم:
— خلاص يا حبيبي، جبتلك اللبن أهو… استنى بس أعملهولك.
آدم قرب من باب أوضة صغيرة، وأول ما بص جواها حس إن رجليه مش شايلينه.
الأوضة كانت شبه فاضية.
كنبة قديمة، سرير حديد، ودولاب بابه مخلوع.
على الكنبة طفل عنده أربع سنين، حاضن رضيع بيعيط من الجوع.
ومريم واقفة قدامهم بتحاول تفتح علبة اللبن بإيديها الصغيرة.
أما على السرير…
فكانت فيه ست شابة نايمة على جنبها، وشها شاحب، وشعرها متناثر على المخدة.
آدم قرب منها بسرعة.
— يا مدام… سامعاني؟
مفيش رد.
لمس إيدها.
كانت باردة.
قرب صوابعه من رقبتها، وحاول يحس بنبضها.
كان ضعيف جدًا.
صرخ:
— مريم! أمك بقالها قد إيه كده؟!
البنت اتخضت وجريت ناحيته.
— هي بتصحى شوية وترجع تنام… بس من امبارح مش بتكلمني خالص!
آدم طلع موبايله واتصل بالإسعاف فورًا.
وبعدها اتصل بسواقه.
— يا حسن، اطلعلي بسرعة، وهات البطاطين والأكياس، وكلم أمن العمارة اللي في أول الشارع يساعدوا الإسعاف يوصل!
مريم مسكت طرف بدلته.
— عمو… ماما هتموت؟
آدم بص في عينيها.
كان نفسه يقولها لأ.
لكنه قال:
— إحنا هنعمل كل اللي نقدر عليه علشان ماما تخف يا مريم.
وبعدين قرب من الست علشان يعدل وضعها بحذر.
وفجأة…
اتجمد مكانه.
على رقبتها كان فيه عقد فضة قديم، متعلق فيه دلاية صغيرة على شكل نص قلب.
آدم مد إيده ببطء.
وشه اتغير تمامًا.
لأنه كان يعرف العقد ده كويس.
بل كان هو اللي اشتراه بنفسه من عشر سنين.
والدلاية دي تحديدًا…
كان معاها نص تاني.
نص موجود في درج مكتبه لحد النهارده!
همس بصوت مخنوق:
— مستحيل…
قرب أكتر من وش الست.
وشال خصلة الشعر اللي كانت مغطيه عينيها.
وفجأة رجع خطوة لورا.




