
سمعت صوت أمي جاي من ناحية باب مطبخ الخدمة، وهي بتدلق نص طبق شوربة سقعانة في طبق حمايا وحماتي قاعدين على كراسي بلاستيك مكسورة جنب صندوق الزبالة، قدامهم عيش ناشف وشوية بواقي أكل اتلمت من على الترابيزات.
بره، في جنينة الفيلا بتاعتنا في الشيخ زايد، الأغاني عالية تهز الأرض، ومشروبات غالية، وحوالي تلاتمية ضيف بيحتفلوا بأول سبوع لابني، يوسف.
مراتي، كانت لسه طالعة بالعافية من عملية قيصرية صعبة. بس أمي ، استغلت إني مسافر في شغل للساحل، وعملت حفلة ملهاش أخر علشان تتباها قدام الناس إن ابنها بقى من أكبر حيتان الاستثمار العقاري في مصر. وعلشان تلم هدايا
كانت غرقانه دهب من راسها لرجليها، وبتتكلم وكأن كل العز ده بفضل “دعواتها”، مع إنها معتبتش الشركة ولا يوم في حياتها. صحباتها كانوا بينادوها “الهانم الكبيرة”، والعمال شغالين تحت إيدها بينفذوا أوامر أنا أصلاً مسمحتش بيها.
وصلت من المطار على البيت طوالي. طلعت فوق لقيت نسرين وشها أصفر زي الليمونة، وعينيها ورمانة من العياط، والولد بيترعش في حضنها من دبة الصوت.
— فين أبوكي وامك؟ — سألتها بلهفة.
حاولت تداري وتخبّي، بس في الآخر انهارت في البكاء.
— أُمك قالت إن منظَرهم بلدي ومش برستيج، وهيكسفوها قدام صحباتها… وبعتتهم ياكلوا ورا المطبخ.
نزلت على السلم من غير ما أنطق بحرف.
دخلت المطبخ، لقيت الحاج منصور بلبسه البسيط، حماتي بتمسح دموعها بطرف شالها. كانوا جايين من أرياف الشرقية من أذان الفجر، جايبين معاهم فراخ بلدي مربينها على إيديهم، وبيض طازة، ولحاف صغير غرزين اسمه عليه لابني. أمي كانت شايفه الهدايا دي “كركبة ملهاش لازمة”.
— البيت ده مش ناقص فقر — أمي قالتها بقرف — كفاية إني سمحتلهم يحطوا رجلهم هنا.
الحاج منصور ساب المعلقة من إيده، وبرغم الوجع والإهانة، اتترجاني بجميلة ما أعملش مشكلة علشان خاطر يارا .
نزلت على ركبي قدام رجليهم.
— حقكم عليا… البيت ده بيتي أنا، ومفيش مخلوق هيقل بيكو تاني تحت السقف ده.
مسكت إيديهم وطلعت بيهم على نص الصالة الرئيسية بره. أمي جرت ورانا وهي بتركّب أعذار وتتلجلج. أول ما وصلنا عند الترابيزة الكبيرة، اللي صحباتها قاعدين عليها بيشربوا عصاير فريش وبياكلوا أكل غالي، مسكت المفارش وشديتها بكل قوتي. الكاسات والأطباق دُشّت على الأرض، والمزيكا وقفت في ثانية.
— الحفلة دي انفضت — قلت بصوت هز المكان — كل واحد يلم حاجته ويطلع بره بيتي.
أمي اترمت على الأرض وهي بتصرخ وتولول، وتقول إني ابن ناقص وجاحد، وبمسح بكرامتها الأرض علشان “ناس غلابة”.
بصيت في عينيها قدام الخلق كلهم:
— كل طوبة في المكان ده اتبنت بعرقهم وشقاهم… واللي يستقل بيهم ملهمش مكان في بيتي.
أخدت حمايا وحماتي من إيديهم وووو….
هل الفلوس فعلاً تقدر تشتري الكرامة؟ ولا الحق دايماً بيرجع لأصحابه مهما طال الزمن؟..
المزيكا وقفت، والصدمة جمّدت الدم في عروق الناس. الصمت كان أثقل من صوت الدشاش اللي كسرته على الأرض. صحبات أمي قاموا مفزوعين من على الترابيزات، فساتينهم الغالية بتتهز من الخضة، وكل العيون معلقة بين أمي اللي مرمية على الأرض بتولول، وبيني وأنا ماسك إيدين الحاج منصور وحماتي.
أمي قامت زي الملسوعة، وجهها احمر واصفر، وعيونها بتطلع شرار. بصتلي بصوت مخنوق من القهر والغل:
— “بتطردني أنا يا عصام؟ بتطرد أمك اللي ربتك وسهرت لياليك عشان خاطر شوية فلاحين ما يعرفوش أصول القعدة؟!”
بصتلها ببرود تام، برود جواه بحر من الغضب المحبوس سنين، وقلت بصوت هادئ بس مرعب هز أركان الصالة:
— “أه بطردك يا امي.. أو بمعنى أصح، بفوّقك من الوهم اللي عايشة فيه. أنتي نسيتي مين اللي رباني فعلاً؟ ولا نسيتي مين اللي باع آخر قطعتين أرض كانو يملكوهم عشان يدفعوا مصاريف كليتي لما حضرتك قررتي تتفرغي لجلسات الشاي والجمعيّات؟”
الكلمة نزلت على أمي كالصاعقة. صحباتها بادلوا بعض نظرات الدهشة والهمس. مكابرتها انهارت في ثانية، وبدأت تصرخ بجنون:
— “كداب! كداب.. أنا اللي عملتك إنسان، أنا اللي خليتك مهندس كبير!”
الحاج منصور بحكمته ووقاره المعهود، وقف بهدوء، سحب إيده من إيدي، وتقدم خطوتين ناحية أمي. بص لها بعينين مليانة تسامح بس فيها هيبة توزن جبل، وقال بصوت حكيم ودافي:
— “يا ست هانم، الفلوس والعز اللي أنتي فرحانة بيه ده، مبيشريش أصل البني آدم. العز اللي ابنك فيه، أنا وأم نسرين شارينه بدم قلبنا وعرق جبيننا.. عصام ده مش ابنك لوحدك، ده ابننا كلنا، ولو على البيت، فالعتبة واسعة، وإحنا مش قاعدين على حطام حد، إحنا جايين نفرح بحفيدنا لا أكثر ولا أقل.”
كلام الحاج منصور نزل على الكل زي البلسم للطيبين، وزي السّم لأمي اللي كادت تموت من الغيظ إن راجل فلاح “أرياف” زي ما بتقول، يحرجها بالذوق والأصل قدام المجتمع بتاعي كله.
في اللحظة دي، دخلت نسرين صالة الفيلا. كانت ماسكة ابننا يوسف على إيديها، وشها لسه أصفر من التعب، بس عينيها كان فيها بريق قوة أول مرة أشوفه فيها. قربت مننا، وبكل ثبات وقفت جنب أبوها وأمها، ورفعت راسها قدام أمي وقالت:
— “أنا سكتّ كتير يا طنط على أسلوبك، سكت عشان عصام، وسكت عشان الجو ما يتبهدلش، بس توصل إن أهلي يتاكلوا ورا الزبالة زي الكلاب..؟! لا، لحد هنا وكفاية. يوسف مش هيتربي في بيت فيه كبر وغرور وبيحتقر الناس الغلابة. أنا راجحة مع أهلي.”
قلبي دق بسرعة، وبصيت لنسرین بخضة:
— “رايحة فين يا نسرين؟ ده بيتي أنا، ومحدش يقدر يطردك منه، أمي هي اللي هتمشي.”
أمي صرخت:
— “ب تطرد أمك عشان مراتك وأهلها؟! طيِّب يا عصام، اعتبرني ميتة.. اعتبر إن مفيش أم اسمها هدى في حياتك! لو فضلوا دقيقة واحدة هنا، أنا لا أنا أمك ولا أعرفك، وهحرمك من رضاي ليوم الدين!”
الكل كان مستني ردي، الضيوف قاعدين مسمارين في مكانهم، الكاميرات والموبايلات كانت هتتفتح لو فيه صحافة، المكان كان على آخره.
ابتسمت بمرارة، ومشيت لحد ما بقيت قدام أمي مباشرة، نزلت بصري لعينيها وقلت:
— “الرضا بيبتدي بالعدل يا أمي، وبرضا ربنا اللي حرم الظلم والترفع على عباده. تعبتي في تربيتي؟ شكراً.. سهرتي عليا؟ جزاكِ الله كل خير. بس تدوسي على كرامة الناس اللي ربوني، والناس اللي فتحوا بيتهم ليا وأنا لسه شاب ممعيش غير هدومي.. دي خط أحمر انكسر خلاص.”
التفتّ للضيوف اللي واقفين مذهولين، ورفعت إيدي بحسم:
— “السبوع خلص.. وأعتذر للجميع، الفيلا دي هتقفل أبوابها دلوقتي. يا ريت كل ضيف يتفضل يلم حاجته ويغادر.”
الناس بدأت تتحرك بسرعة وبصمت، كأنهم في كابوس عايزين يخلصوا منه. صحبات أمي سحبوا شنطهم ومشيوا وهم بيهمسوا لبعض. في أقل من تلت ساعة، الفيلا اللي كانت مليانة بتلاتمية ضيف، فضيت تماماً مفيش فيها غيرنا إحنا وبس.
أمي سقطت على الكرسي في وسط الصالة الفاضية، تبص حواليها بهستيريا والدموع في عينيها، الفستان الغالي والدهب اللي غرقانة فيه بقوا بلا قيمة قدام الوحدة اللي رمت نفسها فيها.
أنا مسكت إيد نسرين بإيد، وإيد الحاج منصور بالإيد التانية، وحماتي كانت شايلا البيبي. بصيت لأمي للمرة الأخيرة وهي بتعيط لوحدها، وقلت:
— “الباب مفتوح لكِ يا أمي في أي وقت تحبي تيجي تزورينا فيه كإنسانة طبيعية متواضعة، مش كـ (هانم) بتدوس على قلوب الناس.. لكن لو ناوية تستمري بالتعالي ده، فأنا أسف، ابني مش هيتعلم الغرور.”
خدت مراتي وأهلها ودخلنا جوه، وسيبت أمي تقعد مع غرورها وفلوسها لوحدها لأول مرة تحس فيها بمرارة الكبر لما بياكل صاحبه.
بس دي مكنتش النهاية، دي كانت مجرد البداية لقصة تانية خالص هتكشف أسرار محدش كان يتوقعها عن تجارة أمي وفلوس الفيلا دي…




