
البيت بقى هادئ، هدوء مرعب يخترق الضماير، كأن العاصفة اللي عدت سابت وراها رماد ودمار. أمي فضلت قاعدة لوحدها في وسط صالة الفيلا الواسعة، على نفس الكرسي، مكسورة ومنهارة، الدهب اللي على جسمها كان بيلتمع تحت نور النجف الغالي، بس كان لمعان بلا روح، ولا كأن ليه أي قيمة.
أنا دخلت نسرين الأوضة، وكانت لسه بتترعش من الصدمة والإرهاق. الحاج منصور وحماتي قاعدين في الصالون الداخلي، وشهم ملامحه الإرهاق الشديد والسفر من الفجر، بس الأهم من كده إن كرامتهم كانت مصانة.
قعدت جنب نسرين على السرير، مسحت دموعها بحنان، وبصيت لابني يوسف اللي كان نايم في السرير جنبها بهدوء، وكأن محصلش حاجة خالص.
— “حقك عليا يا نسرين.. سبتك في ظروف صعبة، وكنت فاكر إني لما أأمن لكم كل حاجة مادية، هب1ني حميتكم.. مسكتش غير لما اتأكدت إن الفلوس لوحدها مش كفاية.”
نسرين مسكت إيدي بحرارة، وقالت بصوت مكسور:
— “أنا عمري ما طمعت في عزك يا عصام.. وكنت مستحملة طريقتها وغرورها عشانك، وعشان بحبك.. بس توصل لقلة الأصل وإهانة أبويا وأمي اللي كبروا وشقوا عشان يبنوني.. دي حاجة ماكنتش أقدر أسكت عليها.”
— “ولا كنتِ تسكتي.. خلاص، الصفحة دي اتفقلت، والبيت ده زي ما هو باسمي، كرامة أهلك فوق راسي، وأمي لازم تتعلم الدرس بغض النظر عن أي حاجة.”
سيبت نسرين ترتاح، وخرجت للصالة بره. لقيت أمي لسه قاعدة مكانها، الدموع ناشفة في عينها، أول ما شافتني، بصتلي نظرة كلها حقد وكسرة، وقالت بصوت مجروح:
— “بترمي أمك عشان خاطر فلاحين؟ بتهني هانم المجتمع عشان شوية ناس جايين من قرية نائية؟ ماشاء الله.. ربيت وعلّيت ونسيت تعب السنين.”
قعدت قدامها على كرسي تاني، كنت هادئ جداً، هدوء ما قبل العاصفة الحقيقية اللي كنت خايف أفتحها سنين عشان خاطر صلة الرحم، بس دلوقتي مكنش ينفع سكت:
— “تعب السنين على عيني وعلى راسي يا أمي.. بس تعب السنين ده ميديناش الحق ندوس على الناس، ولا يدينا الحق نركب العربيات الغالية والفيلا دي بفلوس مش حقنا أصلاً!”
أمي اتفزعت من على الكرسي، وعينيها وسعت بصدمة:
— “قصدك إيه؟! فلوس إيه دي اللي مش حقنا؟ إنت بتشكك فيا وفي ذمتي ولا في فلوس أبوك؟!”
— “أبويا؟!” ضحكت بمرارة شديدة — “أبويا الله يرحمه كان موظف بسيط على قد حاله، وساب لينا معاش يا دوب يكفي أكلنا وشربنا.. الفيلا دي والشركات والعربيات، وفلوس الجمعيات اللي كنتِ بتتباهي بيها.. جابتاها منين يا هانم؟!”
أمي بلعت ريقها بصعوبة، وشوشتها اصفرت تماماً، وحاولت تتهرب بنظراتها:
— “إنت… إنت بتقول إيه؟ دي فلوس شغلك وأرباح شركاتك اللي أنا… اللي أنا دعيت لك فيها.”
— “بلاش تمثيل يا أمي.. أنا بقالي سنتين ماسك حسابات الشركة بالمليم، وعارف كل قرش بيجي منين.. اللي حصل النهاردة خلاني أراجع كل الأوراق القديمة اللي كنتِ دايماً بتمنعيني أقرب منها، وتحت بند “سيبيني أدير أمورك الاجتماعية”.. لقيت مصيبة!”
أمي وقفت على حيلها بجنون، وبدأت تصرخ:
— “مكشوفة الحكاية.. عايز تطلع أمك حرامية عشان ترضي مراتك وأهلها؟! اطقِع لسانك يا عصام!”
— “مش حرامية وبس يا أمي.. دي مصيبة أكبر بكتير!”
قمت من مكاني، وطلعت من جيبي ظرف فيه أوراق ومستندات، ورزيتها على الترابيزة قدامها.
— “دي عقود بيع أراضي الشرقية اللي ملك جدي ووالدي.. اللي حضرتكِ من ورايا، وبطريقة ما، أقنعتِ الحاج منصور وأهل البلد يبيعوها زمان بحجة إنكم هتستثمروها لصالحنا، وخدتِ الفلوس كلها وما أدتيش للراجل ده جنيه واحد من حقه! وكمان فوقها، جمعيات وهمية كنتِ نصبتي فيها على صحباتك الغلابة اللي بيحضروا جلسات الشاي معاكي، وبتسددي ديون من ديون!”
أمي سقطت على الكرسي تاني، كأن عود قصب وانكسر جواها. الألوان طارت من وشها، وبقت تبص للأوراق برعب كأنها بتشوف عفريت.
— “إنت… إنت عرفت منين؟!” قالتها بصوت هامس لا يكاد يُسمع.
— “عرفت لأن الحق بيبان في أوقاته.. كنتِ مفكرة إن الفلوس والمنظر الكداب هيغطوا على الظلم؟ كنتِ فاكرة إنك لما تهيني الحاج منصور وحماتي، ربنا هيسيب حقهم دايمًا كده؟!”
قربت منها أكتر، وبصيت في عينيها المكسورة:
— “فلوس أراضي أهل نسرين هترجع لهم كاملة مضاعفة، من جيب طوب شركتي ومن مالي الخاص.. وأما عن سُمعتك اللي كنتِ بتجري وراها، فصحباتك الليلة دي بس عرفوا كل حاجة، لأن في واحدة منهم كانت سامعة كل كلامك في المطبخ وسجلته، والخبر انتشر في الجروب بتاعم زي البرق.”
أمي غطت وشها بإيديها، وبدأت تبكي بدموع حقيقية، مش دموع كبرياء، بل دموع الندم المتأخر.
— “أنا عملت كل ده عشانكم… عشان تبقوا فوق الكل.. عشان محدش يبص لكم بصة قليلة زي ما أنا عشت زمان…”
— “الكرامة والعز مش بالفلوس الحرام يا أمي، ولا بالتعالي على الغلابة.. العز بالقلب النظيف.”
سيبتها لوحدها في الصالة مع صدمتها، ودخلت أطمن على نسرين وأهلها.
تاني يوم الصبح بدري، لقيت الحاج منصور واقف في جنينة الفيلا، لابس جلابيته النظيف، وماسك عصايته، وبيجهز شنطته عشان يرجع الشرقية مع أم نسرين.
طلعت أجري عليه بلهفة:
— “رايح فين يا حاجي؟ إنت لسه قاعدنا مقعدتناش ولا هنئتك بيوسف!”
الحاج منصور ابتسم بابتسامة دافية زي شمس الصبح، وحط إيده على كتفي بحنان أبوي:
— “يا ابني، البركة فيك وفي بيتك.. نسرين والولد في عيونك، وإحنا أصلنا في البلد، مينفعش نقعد في مكان أهل البيت مش راضينا فيه كلنا.. أمك ربنا يهديها، وما تقلقش منها، الحق يرجع لصحابها، وأنا عفيت عنها لوجه الله.”
— “مش هتمشي غير لما أرجعلك كل حق ضاع منك، وكل شبر أرض اِتخدعوا فيه.. ووالله ما هسيب حقك.”
قبلت إيده ورأسه قدام نسرين وحماتي اللي كانوا بينزلوا ورانا. في اللحظة دي، الباب اتفتح، وخرجت أمي من جوه. شكلها كان مهدود كأنها عجوزة في التسعين، بصلت للحاج منصور نظرة طويلة مليانة خزي، ووطت راسها في الأرض.
— “حقك عليا يا حاج منصور… أنا ظلمتكم، وظلمت نفسي قبلكم.”
الحاج منصور بص لها بسماحة عجيبة وقال:
— “الله يسامحك يا ست هانم.. الدنيا فانية، ومفيش أحسن من صفاء القلوب.”
ودعتهم وأنا حاسس إن زلزال امبارح، برغم مرارته، كان الطريقة الوحيدة اللي تنضف البيت وترجع لكل واحد قيمته الحقيقية. أمي اتعلمت الدرس القاسي، والفلوس اللي كانت سبب في العمى، بقت سبب في الصحوة.
عشنا بعد كده في بيت حقيقي، مش مجرد حيطان غالية، بيت مبيعرفش الكبر، وفيه الكرامة والأصول هما الأساس اللي لا يمكن يهتز أبداً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



