روايات وقصص

أنا كنت بنضف بيت نفس2

جموع نور: 93.5%!

نور صرخت صرخة هزت أرجاء الشقة، ونطت في أحضاني وهي بتبكي وتضحك في نفس الوقت. “جبت تمريض يا ماما! أقدر أدخل كلية التمريض اللي حلمت بيها!”

الدموع نزلت من عيني زي المطر. مسكت التليفون فوراً، وأول واحدة اتصلت بيها كانت نادية.

رنت رنة واحدة وبس، وفتحت الخط كأنها كانت مستنية: “ها يا أمل؟ عملت إيه النوارة؟”

“جابت 93.5% يا ست نادية! هتدخل تمريض!”

سمعت نادية بتشهق من الفرحة وتزغرد في التليفون صوت واطي ممزوج بدموع: “ألف ألف مبروك يا حبيبتي! والله كنت عارفة.. البنت دي طالعة لأمها، عفريتة وشاطرة. تجهزوا نفسكوا بقى، العربية هتجيلكم بعد بكرة عشان الصيف يبتدأ هنا عندي.”

يوم السبت الصبح، كانت شنطنا جاهزة. نور لمّت هدومها الفرحانة، وأنا اخترت أحسن هدوم عندي. شلنا الشنط ونزلنا، ولقينا عربية بعتاها نادية خصيصاً عشان تاخدنا للعنوان الجديد جنب بنتها.

الطريق كان طويل، بس المرة دي ما كنتش بسوق ولا كنت خايفة من بنزين العربية الكركوبة ولا شايلة هم العطلة. كنت قاعدة في الكنبة الوراانية ماسكة إيد نور، وبنتفرج على الطريق والزرع الشجر اللي بيمر من جنبنا.

وصلنا لحي هادي، العماير فيه دورين بس، وكل بيت قدامه جنينة صغيرة ميرمية ورد وأشجار بيضاء وجديدة. العربية وقفت قدام بيت صغير لونه أصفر دافي.

الباب المطبخ الخارجي اتفتح، وخرجت منه نادية.. بس ما كانتش نادية بتاعة الخميس.. كانت لابسة فستان صيفي أصفر فيه ورد أزرق، وشعرها الأبيض متصفف وجميل، وابتسامتها مالية وشها.

نزلنا من العربية، ونور جريت عليها وحضنتها كأنها تعرفها من سنين. نادية مسكت وش نور بين إيديها وبصت في عينيها: “ما شاء الله يا نور.. كبرتي وبقيتي زي القمر، وست الدكاترة والممرضات الجايين.”

وبعدين بصتلي ونادتني: “تعالي يا أمل.. البيت بيتكوا.”

دخلنا البيت الجديد. كان هادي وريحة الورد مغرقاه. الصالة واسعة، وفيها شبابيك كبيرة بتطل على الجنينة. على جنب، كانت فيه أوضة صغيرة مجهزة برفين كتب وسريرين أبيضين بالكامل.. أوضة الضيوف اللي كانت حكيالي عنها.

“دي أوضتكم,” نادية قالت وهي بتشاور. “مفيش شغل، مفيش تنظيف، مفيش قيود. هنا هتقعدوا أسبوعين ترتاحوا من تعب السنين دي كلها.”

قضينا أيام الأسبوع الأول في جنينة نادية. كنا بنقعد الصبح نشرب الشاي ونأكل كيكة عملتها نادية بإيدها. اتعرفنا على بنتها، الدكتورة منى، اللي طلعت شبه أمها جداً في حنيتها وطبيعتها. منى حكت لنور عن شغ المستشفيات والتعب والليالي السهر، ونور كانت بتسمع بعينين بتلمع من الشغف.

وفي ليلة من الليالي، والنور هادي والجنينة نسمتها هادية، كنا قاعدين أنا ونادية على الكراسي الخيزران بره.

نادية بصتلي وقالت بهدوء: “أمل.. أنتِ فاكرة إن دورك معايا خلص لما بيتي القديم اتقفل؟”

بصيت لها باستغراب: “قصدك إيه يا ست نادية؟”

طلعت ورقة جديدة من جيب روبها الدافي، وحطتها قدامي على الترابيزة الزجاجية الصغيرة.

“أنا وبنتي فتحنا دار صغيرة هنا قريب، للستات الكبار اللي معندهمش حد يرعاهم، ودار تحفيظ ورعاية للأطفال الأيتام.. المكان كبر، وأنا مش قادرة أديره لوحدي من كبر سني، وبنتي وقتها ضيق مع المستشفى.”

نادية مسكت إيدي بثبات وتابعت:

“أنا محتاجة حد أثق فيه أكتر من نفسي عشان يمسك إدارة الدار دي.. حد عارف يعني إيه وجع، وعارف يعني إيه مسئولية، وبيعمل كل حاجة بضمير وحب.. أنا مش بعرض عليك شغل تنظيف يا أمل.. أنا بعرض عليك تكوني المديرة التنفيذية للمشروع ده، براتب ثابت، وشقة مجهزة جنب الدار لو تحبي تنقلي أنتِ ونور هنا عشان تكون قريبة من جامعتها.”

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. حسيت الأرَض بتلف بيا. أنا؟ أمل اللي قضت عمرها تمسح البلاط وتلم المواين.. تكون مديرة مكان بيخدم الناس؟

“أنا يا ست نادية؟ بس أنا… أنا ما معاييش شهادات عالية ولا…”

نادية قاطعتني بصرامة دافية:

“أنتِ معاكي شهادة 8 سنين أمانة وصبر وحنية وتضحية.. الشهادات دي ما بتتباعش في الجامعات يا أمل. أنتِ أد المكان ده وزيادة.”

سكتَّ لحظة، وبصيت لإيدي اللي خشّنتها السنين ومسح الدموع، وبعدين بصيت لنور اللي كانت واقفة عند شباك الأوضة وسمعت كل كلمة وعينيها بتلمع بفخر غير عادي.. فخر بأمها اللي شافت بعينها القيمة الحقيقية لكل عرق ونقطة تعب بذلتها عشانها.

بصيت لنادية ودموعي بتغلبني: “أنا موافقة يا ست نادية.. قصدي يا مدام نادية. موافقة أبدأ الصفحة الجديدة دي معكِ.”

نادية ابتسمت ابتسامة عريضة ملأت وشها نور، وطبطبت على إيدي بثبات: “يبقى اتكلنا على الله.. بكرة يبدأ الفصل الجديد.”

ومع بداية السنة الدراسية الجديدة، أخيرًا سيبنا الشقة القديمة بكل ذكريات الخوف والاحتياج. نقلنا لشقة صغيرة دافية على بعد خطوات بس من دار الرعاية، وعلى مسافة خطوتين من كلية التمريض اللي نور انتسبت ليها. الترابيزة الخشب والكرسيين نقلناهم معانا، وحطيناهم في أعز مكان في الصالة، عشان يفضلوا دائمًا الشاهد الحي على إن التعب ما بيروحش هدر، وأن الفرج بييجي من أوسع الأبواب لما يشاء ربنا.

النهارده، وبدل ما أصحى الساعة 7 الصبح ألم أدوات التنفيذ وأجري عشان ألحق المواعيد، بقيت أصحى وألبس طقمي الفاتح والأنيق، وأمسك دفاتري، وأتمشى لدار الرعاية. هناك بقيت العقل اللي بيدير، والإيد اللي بتطبطب على الستات الكبار، والقلب اللي بيسمع الأطفال الأيتام، لأن محدش يفهم الوجع والاحتياج قد اللي ذاقه وعاشه.

وفي كل يوم خميس.. الساعة بتيجي 11 الصبح، الباب بتاع مكتبي في الدار بيتفتح، وبتدخل عليا نادية ومعاها طاسات الكيك الدافي أو العصير، نقعد إحنا الاثنين على ترابيزة المطبخ الصغير بتاع الدار، نشرب القهوة مع بعض.. مش كصاحبة بيت وشغالة، ولا حتى كمديرة ومؤسسة.. بس كأختين وحبيبتين، جمعهم قدر ربنا عشان واحدة ترمم اللي اتكسر في التانية.

وبينما نور ماشية في طريقها بثبات وبتحقق حلمها وهي لابسة البالطو الأبيض، أنا بقيت أقف كل يوم قدام شباك مكتبي، أبتسم للدنيا وأقول لنفسي: “الحمد لله.. كان طريق طويل وصعب، بس النهاية كانت أجمل بكثير من كل اللي حلمت بيه.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى