
قَفل الباب ورايا كان هو الصوت الوحيد اللي بيتردد في السلم المظلم.. نزلت السلالم وأنا حاسة إن كل خطوة بتبعدني عن سبع سنين من عمري، سبع سنين ضاعوا في وهم كبير اسمه “الحب والصبر”. الشنطة كانت تَقيلة في إيدي، بس مش أثقل من القهر اللي كان جواه صدري. خرجت للشارع الهادي، والهواء الساقع ضرب في وشي، فوقفاني لحظة قدام رصيف الشارع وأنا مش عارفة أروح فين ولا أبدأ منين.
مفتاح شقتي القديمة عند أهلي كان لسه معايا، بس كيف هطلع أقول لهم إيه؟ كيف هحكي لأبويا وأخويا إن الراجل اللي دافعوا عنه ووافقوا عليه، طلع متجوزني في السر وخاطب واحدة تانية على سنة أمه؟ القهر كان بياكل في قلبي، بس الكرامة كانت أكبر بكتير من أي دموع. ركبت تاكسي وقولت للسائق العنوان وأنا باصة من ازاز العربية على الشارع اللي كان بيجمعنا، ودموعي نازلة بصمت من غير صوت.
في الوقت ده، جوه الشقة، الوضع كان عبارة عن بركان طاير.
حماتي كانت قاعدة على الكرسي في الصالة، إيديها بتترتعش وهي ماسكة كوباية المية، وبتبص لإبراهيم بقرف شديد وقالت بصوت مسموم بالشر:
— يعني إيه يا إبراهيم؟! يعني ضحكت عليا أنا كمان؟! خلتني أقابل البنت دي، وأتغدى معاها، وأقول دي مراته المستقبلية، وأنت كاتب كتابك على الغلبانة دي من سنتين؟! أنت إنسان مريض! أنت اتجننت بجد؟!
إبراهيم كان بيحاول يمسك أعصابه وهو بيتمشى رايح جاي في الصالة ووشه أصفر:
— يا أمي افهميني! أنا مكنتش عاوز أخسركم أنتوا الاتنين! أنتوا عارفين طبعك كويس، لو كنت قولتلك إني اتجوزت نوال من غير رضاكي، كنتِ هتقاطعيني وتعملي مشكلة كبيرة، وأنا مكنتش أقدر أعيش من غير رضاكي.. وفي نفس الوقت كنت بحب نوال ومش هينفع أتخلي عنها!
حماتي صرخت في وشه بغضب:
— رضايا؟! هو ده رضا ربنا؟! إنك تظلم بنت الناس وتلعب بعواطف اتنين ستات؟! طب وحياة أمك لتسمع مني، البنت التانية دي هعرفها الحقيقة قبل ما ييجي بكرة الصبح! مستحيل أقبل إن بنت أصل تدخل بيتك وتتخدع زي ما أنا اتخدعت!
إبراهيم اتخض وجري وقف قدام أمه:
— لأ يا أمي! أرجوكي لأ! بلاش تدخلي في الموضوع ده، أنا هعرف أحل معها بطريقتي، هقولها إن الجوازة اتصفت أو إن في ظروف..
— ظروف إيه يا كذاب؟! أنت فاكر نفسك في مسرحية؟! البنت دي لازم تعرف إنها كانت هتتجوز واحد متجوز وعاملها واجهة لمزاجك! أنا ماشية من هنا، ومش هقعد في بيت مليان ريحة الكدب والخداع ده دقيقة واحدة!
حماتي قامت سيبت الشقة وهي بتزعق وتخبط الباب وراها بقوة، وإبراهيم بقى واقف لوحده في الشقة الواسعة، الصمت حواليه مرعب، والحيطان اللي كانت بتجمعه بينا بقت شاهدة على نهايته اللي صنعها بنفسه.
لكن الكارثة الحقيقية مكنتش عند إبراهيم ولا عندي لوحدي.. الكارثة كانت عند “ياسمين”.. خطيبته اللي أمه تعرفها.
تاني يوم الصبح، كانت ياسمين قاعدة في مكتبها في الشركة، بتشتغل في هدوء وفرحانة بقرب ميعاد جوازها اللي كان متحدد في الربيع زي ما حماتي قالت. وفجأة تليفونها رن. بصت في الشاشة لقت المتسجل “حماتي المستقبلية”. ردت بابتسامة واسعة وبصوت كله احترام:
— أهلاً يا طنط! صباح الخير، عاملة إيه النهاردة؟
صوت حماتي من الناحية التانية كان جاف ومكسور ومليان عياط مكتوم:
— صباح النور يا بنتي.. يا ياسمين، أنا مش عارفة أقولك ايه، بس أنا لازم أقابلك حالا في الكافيه اللي جنب الشركة.. تعالي وسيبي كل اللي في إيدك، الموضوع ميتحملش تأجيل.
ياسمين اتخضت وقالت بقلق:
— خير يا طنط؟ في حاجة حصلت لإبراهيم؟! هو كويس؟!
— تعالي يا بنتي وهتعرفي كل حاجة بنفسك.. مستنياكي.
بعد نص ساعة، كانت ياسمين قاعدة قدام حماتي في الكافيه، وشافت عيون الست مليانة دموع ووشها دبلان من قلة النوم. سألتها بخوف:
— طنط، رعبتيني.. إيه اللي حصل؟ إبراهيم جراله حاجة؟
حماتي نزلت راسها لتحت، وخدت نفس عميق وقالت بصوت مكسور:
— يا بنتي.. أنا جيت أقولك الحقيقة عشان ضميري ما يعذبنيش.. إبراهيم ضحك عليا أنا الأول، وضحك عليكي أنتِ كمان..
ياسمين كشرت عيونها باستغراب وقالت:
— مش فاهمة يا طنط.. ضحك عليّا في إيه؟!
— إبراهيم مش عازب يا ياسمين.. إبراهيم متجوز.. وكاتب كتابه على بنت بقالهم سنتين كاملين ساكنين في الشقة اللي هو مفروض هيجيبك فيها!
ياسمين فضلت باصة لها لحظات طويلة كأنها مش سامعة كويس، وبعدين ضحكت ضحكة عصبية وقالت:
— حضرتك بتهزري صح؟! متجوز إزاي؟! إحنا خطوبتنا الشهر اللي فات، وأنا وعيلته عارفين كل حاجة عنه، وبقالنا فترة بنرتب للفرح! متجوز مين؟!
طلعت حماتي موبايلها، وفتحت صور كانت مصوراها من زيارتها اليوم اللي قبله، وراحت مدياها التليفون وقالت بحرقة:
— دي مراته الحقيقية اللي أنا شوفتها بعيني قاعدة في بيته وهي مكسورة، وهو كان مخبيها عني وعنك ومفهمنا إنها مستأجرة أوضة عنده! البنت دي ظهرت امبارح وفضحت كل حاجة قدامي.. ابني طلع كذاب، وبعتني لكي عشان تبعدي عنه قبل ما تورطي نفسك مع واحد زي ده!
ياسمين بصت في الشاشة، وشافت صورة نوال وهي واقفة بتعيط، وشافت صور تانية لإبراهيم مع نوال على الموبايل اللي أثبتت كلام الست.. الدم في عروق ياسمين وقف. حسيت كأن الارض بتسحب من تحت رجليها. الفرحة والضحكة اللي كانت على وشها اختفت في ثواني، وحلت مكانها صدمة عمياء.
قامت ياسمين من مكانها فجأة، ومن غير ما تنطق ولا كلمة واحدة، سابت الكافيه كله وجريت على بره، وقلبها بيغلي من الغضب والقهر.
في الوقت ده، كان إبراهيم قاعد في الشغل، عينه في الساعة وقلقان جداً، حس إن الدنيا بتبدأ تنهار حواليه من كل اتجاه. وفجأة، باب مكتبه اتفتح بعنف.
دخلت ياسمين وعينها طالعة منها شرار، وقبل ما ينطق بكلمة واحدة، رفعت إيدها ونزلت بقلم قـوي على وقفة وشّه قدام كل الزملاء في الشركة!
الصوت كان عالي لدرجة إن القسم كله سكت تماماً، وبصوا عليهم بصدمة.
إبراهيم حط إيده على وشّه وهو مصدوم ومكسور العينين، وبص لها وقال بصوت مهزوز:
— ياسمين! إنتي اتجننتي؟! بتعملي ايه؟!
ياسمين صرخت في وشه بكل قوتها، والصوت كان مالي المكان:
— أنا اللي اتجننت يا حيوان؟! أنا اللي ضحكت عليك ولا أنت اللي كنت تلعب بيا وبأهلي وبحياتي كلها؟! متجوز؟! ليك سنتين متجوز ومعيش مراته معاك، وجاي تضحك عليا وعلى أمك وتخطبني كأنك بتبتاع عربية؟!
الشركة كلها اتهزت بالكلام. الزملاء بدأوا يتشاوروا ويهمسوا بصوت عالي: “إبراهيم متجوز؟! خطيبته بتقول إيه؟! دي كارثة!”.
إبراهيم حاول يقرب منها ويمسك إيدها وهو مرعوب من الفضيحة:
— اصبري يا ياسمين.. أرجوكي اسمعيني.. الموضوع مش كده، أنا كنت هفهمك..
زقته بقوة وقالت وهي بتعيط بغضب:
— تفهمني إيه؟! تفهمني إنك شيطان في صورة بني آدم؟! الشغل ده، والخطوبة دي، وكل لحظة قضيتها معاك انتهت حالا! وأقسم بالله العظيم، لو شفت وشك قدامي تاني, لأكون مفضحك في البلد كلها!
سابت الشغل كله، ورمت دبلة الخطوبة في وشه على الارض، وطلعت تجري وهي منهارة من العياط.
إبراهيم وطى جاب الدبلة من على الأرض، ولقى كل عيون زملائه في الشغل باصة له باحتقار واشمئزاز. حس إن الهواء بينقطع من حواليه، وإن كل الأكاذيب اللي بناها طول السنين اللي فاتت اتهدمت فوق دماغه في أقل من أربع وعشرين ساعة.
أما أنا.. فكنت قاعدة في بيت أهلي، ماسكة كوباية الشاي وإيدي مش بتترتعش تاني. بابا جه قعد جنبي بحنان، وحط إيده على كتفي وقال بصوت دافئ:
— ارتاحي يا بنتي.. اللي يبيعك مرة، ربنا بيكشفهالك ألف مرة.. وعوض ربنا ليكي جاي، وما تخافيش، كرامتك خط أحمر، ومحدش يقدر يمسها طول ما إحنا في ضهرك.
بصيت لأبويا وابتسمت ابتسامة خفيفة، لأول مرة أحس إن الجبل اللي كان على صدري انزاح، وإن اللي جاي هيكون نضيف، بعيد عن أي كدب أو خداع.
مرت الأيام والأسابيع، وكانت الشقة اللي جمعتنا سبع سنين أشبه ببيت مهجور يسكنه الندم والسكوت. إبراهيم خسر كل حاجة في وقت واحد؛ أمّه قاطعت كلامه ورفضت تشوفه بعد ما انكشفت كل ألاعيبه، وخطيبته السابقة ياسمين طردته من حياتها تماماً وقدمت شكوى في الإدارة للتحقيق في سلوكه، وكمان الشركة بقت تبصله بنظرات الاحتقار اللي خلته يقدم استقالته وهو هارب من نظرات زملائه.
أنا بقى، في بيت أهلي، بدأت أحس بإن روحي بترجعلي تدريجيًا. صحيح الجرح كان كبير، وسبع سنين من العمر مش قليلين، لكن وقفة أبويا وأخويا جنبي، وإحساسي إن كرامتي بقت فوق أي اعتبار، كانت هي الدواء الحقيقي. المحامي بدأ إجراءات الطلاق والقضايا المتعلقة بحقوقي الشرعية، وإبراهيم كان بيحاول يبعت رسايل وناس تتوسط عشان أتنازل وأرجع، لكن ردي كان واحد وثابت: “اللي اتهدم من أساسه مستحيل يتبنى تاني”.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة مع أخويا في الصالة بنرتب أوراقي وشغلي الجديد اللي بدأت أركز فيه عشان أبني حياة تليفوني رن. بصيت في الشاشة لقيت رقم غريب، ترددت لحظة وبعدين فتحت الخط وصوت أنثوي مهتز ونبرته كلها إصرار وصلني:
— الو.. لو سمحتي، أنا نوال؟
سألت بصوت هادئ:
— أيوة، مين معايا؟
قالت بصوت فيه بحّة عياط قديمة:
— أنا ياسمين.. خطيبة إبراهيم السابقة. عارفة إن اسمي لوحده يضايقك، بس أنا كنت لازم أتكلم معاكي.. مكنتش أقدر أقفل الصفحة دي غير لما أقولك كلمتين في حقك وفي حق نفسي.
سكت لحظة، وبعدين قلت بهدوء:
— خير يا ياسمين، سامعاكي.
أخدت نفس عميق وكملت:
— أنا حبيت أعتذر لك.. أقسم بالله العظيم ما كنت أعرف إنك مراته الحقيقية، وإن كل اللي حكاه كان كدب في كدب. هو فهمنا أنا وأهلي إنه راجل عازب بيبدأ حياته، وكنت فاكرة إني دخلت حياته بالمعروف. يوم ما فضحتيه قدام الشركة وأمه حكت لي الحقيقي، حسيت إني كنت مغيبة.. حبّيت أقولك إنك أنقذتيني من مصيبة، وأنا قطعت صلتي بيه تماماً، وعرفت إن ربنا بيحبنا إحنا الاتنين لأنه كشفه لينا بدري قبل ما ندبس معاه في عيال وحياة أكتر دماراً.
سمعت كلامها وحسيت براحة غريبة بتغمر قلبي، قلت لها بصوت صادق:
— ولا يهمك يا ياسمين.. إحنا الاتنين كنا ضحايا لنفس الشخص الجبان. الحمد لله إن القناع وقع بدري، وربنا يعوضك ويعوضني باللي يقدرنا ويصون كرامتنا.
قفلنا الخط، وحسيت كأن الستارة الأخيرة نزلت على المسرحية السخيفة دي.
بعدها بشهر، خلصت إجراءات الطلاق رسمياً قدام المأذون. كنت لابسة أبيض في أسود، دبلة إبراهيم اللي كانت في إيدي رميتها له من غير ما أبص في وشه وهو خارج من قاعة المحكمة، وكسره كان مالي عيونه وهو بيحاول يبصلي نظرة أخيرة بلا فائدة. مشيت مرفوعة الراس، وعارفة إن اللي جاي مهما كان صعب، فهو أنضف بكتير من حياة مبنية على الكدب والخيانة.
أهلي عملوا لي حفلة صغيرة في البيت، تورتاية بسيطة وضحكة طالعة من القلب لأول مرة من سنين. أبويا طبطب على كتفي وقال بحنان:
— مبروك يا بنت قلبي.. رجعتي لنوال الحقيقية القوية اللي مكسرتهاش الأيام.
ابتسمت وأنا باصة لبكرة وعيني مليانة أمل، وعرفت إن الوجع مهما طال، نهايته دايماً بتكون لصالحة الإنسان الصادق اللي بيحافظ على أصله وكرامته.



